تقارير

صالح هواري.. النكبة والعودة أهم القضايا والمفردات في شعره

الشاعر صالح الهواري ثبت في الموقف السياسي ولم يعمل لفصيل محدد
بقي في الظل، لم يكن يعيش في بقعة الضوء. بقي مستقلا، ولم ينتسب لفصيل سياسي. لم يقترب من القيادة وأصحاب المناصب، ولم يكن من العصبة المحيطة باتحاد الكتاب والإعلام الموحد في منظمة التحرير، عاش الشاعر صالح هواري كأي لاجئ من قريته إلى مخيمه إلى مدرسة الأونروا إلى الجامعة إلى التدريس.

ركز على الشعر، وليس على الشعراء والعلاقات العامة. ثبت في الموقف السياسي ولم يعمل لفصيل محدد. تقدم وارتقى في النظم، ولم يأبه بصراعات الآخرين. فرض مستوى شعره وعمل عليه، طوّره واهتم بتراكيبه وأخيلته ومتانته وأصالته.

لم يحظَ بما حظي به شعراء الثورة في بيروت، رغم أنه سبق الكثيرين منهم.

شاركت معه في أمسية شعرية في جامعة دمشق، سنة 2008، في الذكرى الستين للنكبة. قابلته في دمشق أكثر من مرة، في مكتب مؤسسة فلسطين للثقافة، كان يلتقي مع مجموعة من المثقفين والشعراء في ذلك المكتب. 

يرى الناقد الدكتور أسامة الأشقر، مدير عام مؤسسة فلسطين للثقافة في ذلك الوقت، في رده على سؤالي عن الرجل وشعره، أنه "بلا شك، من أفضل الشعراء الحداثيين الذين استمعتُ إلى شعرِهِم، وأكثر شخص أستطيع أن أقول عنه بثقة؛ إنه شاعر متمكن في باب التراكيب وفي باب الأخيلة والصور، وله إيقاع شفاف".

ويقول عنه نُقّاد آخرون: يُحسب له تميزه وتفرده في صوغ العبارات الشعرية المبتكرة، وبراعته في توليد الصور الفنية المشحونة بظلال أحاسيسه وعواطفه... عمل جاهدا ألا يكون شعره مُبْهما مُسْتغلقا؛ لحرصه الشديد على إضاءة أفكاره وتقديمها للناس على طبق من النور، في أجمل القصائد المشبعة بنكهة الحداثة والبعيدة عن التعقيدات.

والسؤال: لماذا لم يبرز كما برز أقرانه ولم يحظَ شعره بالاهتمام الذي يستحقه؟ هذا ما تحدثنا عنه في حلقات سابقة، وهي باختصار: العلاقات والأضواء ومواقع القرار والانتماء في أوساط مؤسسات الثورة الفلسطينية.
  
من هو شاعرنا؟

ولد الشاعر صالح هواري في بلدة سمخ بفلسطين على شاطئ بحيرة طبريا عام 1938. نزح إلى سوريا عام النكبة 1948 ودرس في مدارسها. وفي دمشق انتسب إلى كلية الآداب فحاز على شهادة الليسانس في الأدب العربي 1972، ثم على إجازة في الحقوق.
 
عمل معلما في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1961 وحتى عام 1990 حيث استقال من وظيفته ليتفرغ للكتابة. انتسب إلى اتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 1972، وهو عضو في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.

بدأ بكتابة الشعر كهواية من عمر صغير يناهز أربعة عشر عاما، ونشر في الصحف والمجلات العربية واستمر بالكتابة إلى الآن. أصدر ديوانه الأول عام 1972 بعنوان "الدم يورق زيتونا"، ثم تتالت منشوراته حتى بلغت اثني عشر ديوانا. يكتب القصيدة الخليلية ذات الشطرين وقصيدة التفعيلة. وهو من الشعراء الذين يؤكدون أن الشاعر الحداثي الحقيقي، يجب أن يمرّ بمرحلة الشعر العامودي الموزون، لا أن يكتب شعرا لا يعرف أصوله.

لعلّ أكثر ما يلفت في مسيرة الشاعر هواري، هو مفردات العودة والنكبة التي تجلت حين سئل عن ذاكرته الطفولية، فكاد أن يكون رده شعرا في وصف يوم النكبة ومفرداتها:

عندما خرجت من سمخ وعمري 10 سنوات، وكنت خلالها كأنني خيط من خيوط التغريبة الفلسطينية أحمل مخدّة في يدي وصينية، وكل فرد من أفراد العائلة يحمل غرضا من أغراض البيت الذي هُجِّرنا منه رغما عنا. كانوا يقصفون المدينة على نحو لا يمكن تصوره، فالقنابل تسقط على بيوت الآمنين والجرحى والشهداء بأعداد لا يمكن حصرها. ودأب الصهاينة على ذلك لأنهم خططوا لاستخدام أسلوب الرعب حتى يهجّروا السكان عن أرضهم.

النكبة هي سهم أسود انغرس في خاصرتي وذاكرتي ولا يمكن أن يغيب أبدا، وعندما أتذكر قريتي أستعيد شريط الذكريات في سمخ تخضب الدموع وِسادتي، وأستعرض كل مكان ذهبت إليه في القرية وكل مكان لعبت فيه، وخاصة بحيرة طبرية التي كنت أسبح فيها. النَّكبة حُفرت في وجداننا ولن تزول أبدا إلا بالعودة إلى فلسطين إن شاء الله.

ويعترف أن له قاموسا لغويا خاصا به، مليئا بمفردات العودة، "فالعودة ممزوجة بكل شيء في حياتي ولا أستطيع التخلي عنها. ربما كانت بعض الكلمات تتكرر في عدة قصائد، وهذا إلحاح على العودة، فالمفردة إذا كررت، فهذا يعني أنك تلحّ عليها".

الجوائز

ـ الجائزة الأولى عن قصيدته (الفحمة والماسة) عام 1961 ـ جامعة دمشق.
ـ الجائزة الأولى عن قصيدته (أثمر ولو شوكا)، جامعة دمشق ـ عام 1963.
ـ فاز والشاعر محمود حامد بجوائز القدس في بيروت عام 2010.
ـ فاز مرات عدة بجائزة الشعر الأولى في الأعوام: 1963 و1967 و1978 عن قصائده:
العزف على سيف سعد بن ناشب
وعلى دمي فتوكئي.
الفحمة والماسة.
وأثمر ولو شوكا.
ـ فاز بجائزة أفضل ديوان شعري للأطفال 2000 في أبو ظبي.
 
مؤلفاته الشعرية

صدرت جميعها في دمشق عن اتحاد الكتّاب العرب أو وزارة الثقافة السورية:

1 ـ الدم يورق زيتونا، 1972.
2 ـ المطر يبدأ العزف، 1978.
3 ـ بطيئا يمرُّ الدخان، 1985.
4 ـ الموت على صدر البرتقال، 1982.
5 ـ عصافير بلادي، قصائد للأطفال، 1981..
6 ـ قتلوا الحمام، مسرحية شعرية للأطفال، 1986.
7 ـ هنادي تغني، شعر للأطفال، 1987.
8 ـ أم أحمد لا تبيع مواويلها، 1993.
9 ـ أغاني أيوب الكنعاني، 1995.
10 ـ مرايا الياسمين، 1999.
11 ـ ومن فرحٍ بكينا، 2000.
12 ـ ما قاله الغيم للشجر.

من شعره

غريبانِ نحنُ‏
ويبقى الجليلُ لنا قِبلةً‏
كيف ننسى الجليلا!!‏
أنا غيمةٌ من ربا طبريَّا
وأنتِ الهوى الصفديُّ الذي‏
يقهرُ المستحيلا‏

قصيدة أوراق

الورقة الأولى (نهر العصافير):

تنفستُ من رئة الليل 
خيّم فوق دمي عنكبوت الدخان 
تنفست من حبة الرمل 
شكَّلني الرمل حول الجزيره 
بحيرة وهْمٍ ضريره 
تنفست من طُحلب الماء 
أطبق كمَّاشَتَيه عَلَيَّهْ 
تنفست من رئتيه 
تدفق نهر العصافير بين يَدَيَّهْ

الورقة الثانية (الأبله والعاقل):

أقصى ما يمكن أن يفْعَلَه الأبله 
أن يكسرَ إبريقا من فخار 
ليغيظ به عقله
أن ينتف ريشة عصفور
كي يضحك مثله
أن يسرق حبة قمح مسروقه
من بيت النمله
أن يحلُم أن قطارا مذعورا
لا يقدر أن يصل القرية قبله
أدنى ما يمكن أن يفعله العاقل
أن يفتح رغبته للريح
وبِجرّة قلم أو تصريح
يطلق شهوته الرعناء
لتهدم أعشاش الفقراء
 
الورقة الثالثة (المرأة):

إلا شيئا واحد
لا تطلب تلك المرأة
فارسها القادم من
أجمل ضوء كتبتْه
بضوء يديها
فإذا جاء إليها
تُسْكِنه عينيها
أحلى ما في الدنيا تعطيه.. لكي ترضيه
زورقه في يدها أين تشأ تبحر فيه
ومن الخوف عليه
بين رموش العين
تحضنه.. تخفيه
لا تطلب إلا شيئا واحد/ آهٍ من حواء
تتمكن منه فتطلب كل الأشياء

من قصيدة: عـــروس الحجـــــارة

تركت خديجة صفها
حجرٌ يعانق كفها
ركضت، وتحت جناحها
شمس تهرول خلفها
دمها قرنفلهْ..
تشهّى الموتُ يوما قطفَها
هذا المسيّل للدموع
وكيف يوقف زحفها
وجراحها شبَّابةٌ
في القصف تبدأ عزفها
هدموا لها دارا تهجَّت
في حماها عطفها
تحت السما والطارق انتصبت
تقاوم نسفها، حتى إذا ارتجفت..
وظنوها تداري خوفها
غزلت حصيرة عمرها
الباقي.. وغطّت سقفها