تقارير

مفكر سوري لـ "عربي21": الهوية الفلسطينية متجذرة وتزداد رسوخا

عدنان عويد: القدس مدينة عربيّة عريقة في قدمها، وأول من سكنها هم اليبوسيون الكنعانيون

 تنشر "عربي21" في قسم "فلسطين الأرض والهوية"، توثيقا للهوية الفلسطينية، كما تبدو فكرة ومفهوما في أذهان المثقفين والسياسيين والنشطاء الحقوقيين في العالم.. على اعتبار أن هذه الكتابات هي جزء من وثائق التاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر.

اليوم ننشر رأي المفكر العربي السوري الدكتور عدنان عويد، الباحث في قضايا النهضة والتنوير على الصعيد العربي، ومفهومه لأهم القضايا التي تشغل الفلسطينيين والعرب هذه الأيام حيال القضية الفلسطينية.

ولد الدكتور عدنان عويد، في دير الزور عام 1950. وهو يحمل دكتوراه بالعلوم السياسيّة، وهو أستاذ محاضر في جامعة الفرات ـ كليّة الآداب ـ قسم علم الاجتماع. وقد صدر له العديد من المؤلفات منها: الديمقراطيّة بين الفكر والممارسة. إصدار دار العلم, ودار التكوين. دمشق. 1994 ـ 2006،  إشكاليّة النهضة في الوطن العربي من التوابل إلى النفط. إصدار دار المدى ـ ودار التكوين. دمشق. 1997 ـ 2006، التبشير بين الأصوليّة المسيحيّة وسلطة التغريب. إصدار دار المدى ـ ودار التكوين . دمشق. 2000 ـ و2007، معوقات حركة التحرر العربيّة في القرن العشرين. إصدار دار المدى. دمشق. 2002، قضايا التنوير. (ترجمة عن اللغة الانكليزية). إصدار دار التكوين. دمشق. 2011.


الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني التقى الدكتور عدنان عويد وأجرى معه اللقاء التالي لـ "عربي21"


س ـ كيف تنظر إلى الهوية الفلسطينية، المركبة من ثلاث هويات: الهوية الوطنية والهوية العربية والهوية الإسلامية، والتي تواجه التهديد من جانب الكيان الصهيوني، الذي عمل على تغيير الواقع واستطاع تحطيم دور الزراعة والاقتصاد الفلسطيني برموزه الفلاحية والارتباط بالأرض؟


 ـ بداية أتقدم بجزيل الشكر لكم على إجراء هذه المقابلة معي حول قضيّة فلسطين والقدس لما لهذه القضيّة من أهميّة بالنسبة لمشروع العرب التحرري، ونحن نرى في هذه الأيام مسيرة التطبيع تجري على قدم وساق بين العديد من الدول العربيّة والكيان الصهيونيّ من أجل القضاء على كل ما تبقى من فلسطين والقدس معاً.
 
دعنا بداية نتعرف على معنى ودلالات الهويّة الوطنيّة في سياقها العام، فالهويّة الوطنيّة في كل أمّة، هي مجموعة الخصائص والسمات التي تتميز بها هذه الأمة أو تلك، والتي تترجم من الناحية العمليّة إلى "انتماء" لدى أبنائها، ولهذه الهويّة أهميتها في رفع شأن الأمم وتقدمها وازدهارها، وبدونها تفقد الأمم كل معاني وجودها واستقرارها، بل يستوي وجودها من عدمه، وهناك عناصر للهوية الوطنيّة لا بد من توفرها، وقد يختلف بعضها من أمّة لأخرى. مثل الأرض والتاريخ المشترك والآمال والآلام المشتركة والحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة المشتركة.

هذا مع تأكيدنا بأن الوعي بالهويّة الوطنيّة والانتماء إليها من قبل أبناء الأمة، له آثاره العظيمة، التي تنعكس إيجابيّاً على الفرد والمجتمع والوطن بشكل عام، ولا سيّما عندما تقوم كل مكونات الوطن الاجتماعيّة بواجباتها خير قيام، فثمرات ذلك أكثر من أن تحصى، فالوعي بالهويّة يحقق نهضة في العلم والمعرفة على مستوى كل المجالات، وتطوراً دائماً وبناءً للوطن، والسير بركب الحضارة.
 
وبناءً على هذا الموقف المنهجي من الهويّة، دعنا ننظر في قضية الهويّة الفلسطينيّة ودورها التاريخيّ في حياة الشعب الفلسطينيّ سابقاً ولاحقاً.

 

إن ما يجري اليوم من تآمر عربيّ على القضيّة الفلسطينيّة ما هو إلا محاولة لدق آخر مسمار بنعش القضيّة الفلسطينيّة على المستوى العربيّ، أما على المستوى الفلسطينيّ فإن روح المقاومة وممارستها مستمرة عندهم بهذا الشكل أو ذاك

 



لا شك أن الهويّة الفلسطينيّة هويّة متجذرة في الحياة الماديّة والروحيّة للشعب الفلسطينيّ تاريخيّاً، مثله مثل أي شعب له جذر حضاريّ الذي يمتد آلاف السنين في عمق التاريخ، كونتها عناصر القومية التي أشرنا إليها أعلاه، كالأرض المشتركة، والتاريخ المشترك لمكونات هذا الشعب وغيرها، فالأصول الكنعانيّة غذت الحضور الفلسطينيّ عبر التاريخ بسمة العروبة لاحقاً شأن الفلسطينيين هنا شأن كل من عاش على الأرض الكنعانيّة وتطبع بسماتها وخصائصها، وعندما جاء الإسلام عمق هذا الحضور وأضفى عليه سمات وخصائص وقيما جديدة هي قيم الإسلام. 

ومن هذه الأرضيّة الحضاريّة الصلبة التي يتمتع بها الفلسطينيون، استطاعوا أن يواجهوا أعتى وأقوى قوة عنصريّة في العالم حتى اليوم، وهي العنصريّة الصهيونيّة التي راحت تشتغل منذ قرن تقريباً حتى اليوم على تفتيت الهويّة الفلسطينيّة بكل أساليب العنف والإرهاب الوحشيّ من قتل وتدمير وتشريد وسجن وشراء ذمم وضمائر ضعيفي النفوس من الفلسطينيين أنفسهم، ويساعد هذا الكيان الصهيوني في ممارسة هذا القهر على الفلسطينيين أمريكا والغرب والكثير من الأنظمة العربيّة، ومع ذلك لم تزل هذه الهويّة الفلسطينيّة فاعلة ونشطة في كل مسامات حياة الشعب الفلسطيني، على مستوى المقيمين في الداخل الفلسطينيّ أو المهجرين خارجه.. ففي كل مناسبة نجد الهويّة الفلسطّينيّة طافية على السطح تعبر عن ذاتها وعن طموحات حامليها من كل الأعمار والأجناس، وعن تحديهم لكل المعاناة التي يتعرضون لها. 

نعم.. إن الهويّة الفلسطينيّة تزداد كل يوم عمقاً وحضوراً على الساحة الفلسطينيّة ذاتها، فثورات وانتفاضات ومقاومة الإرهاب الصهيونيّ من قبل الفلسطينيين إن كان على المستوى الفرديّ أو الجماعيّ هي ملاحم بطوليّة لشعب يرفض الذوبان بالآخر المختلف عنه جذريا والمغتصب لحقوقه، كما يرفض الضعف والانكسار أمام ظلم الكيان الصهيونيّ له الذي تجلى من تكسير العظام إلى قطع أشجار الزيتون وتهديم المنازل وصولاً إلى قتل الأطفال والنساء.. 

أما على المستوى الخارجيّ فقد أصبح الفلسطينيّ سفيراً متقداً بالحيويّة والنشاط في التعبير عن هويّته في كل المحافل التي يستطيع حضورها، حتى ولو كان هذا التعبير في حمل علم فلسطين والتلويح به تعبيراً عن قوة انتماء حامله وعمن يعبر عنهم من الفلسطينيين.
  
س ـ كيف تنظر إلى الهيمنة الصهيونية على ثقافة البناء في الأراضي المحتلة الذي يشكل خطرًا على الهوية الوطنية الفلسطينية بالقدس في المدى البعيد، عن طريق هذا الأبارتايد الهندسي الذي يعزل الفلسطينيين بعنصرية ويمنعهم حقوقهم في مدينتهم التاريخية؟


 ـ عموماً إن المخطط الصهيونيّ في فلسطين لا يقتصر على جزء من فلسطين أو ما جاء بـ (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 لعام 1947)، المتضمن تقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة للصهاينة والثانية للفلسطينيين، بل هو مخطط يرمي إلى أخذ فلسطين كلها وطناً قومياً لليهود، وتحقيق مشروعهم المجسد في شعار من البحر إلى النهر وفقاً لتعاليم التوراة التي تعتبر فلسطين والكثير من أراضي الكنعانيين أرض الأجداد. 

وبناءً على ذلك نجد الصهاينة منذ وعد بلفور وحتى اليوم وهم يشتغلون على هذا الأساس مستخدمين كل الوسائل المتاحة لديهم، إضافة للعون الدوليّ الذي يُقدم لكيانهم من أوروبا وبعض الأنظمة العربيّة الرجعيّة من أجل محاصرة وإجهاض الأنظمة التقدميّة ذات التوجهات القوميّة المعادية للصهيونيّة وتوجهاتها التوسعيّة، حيث وجدت هذه الأنظمة الرجعيّة الداعمة لهذا الكيان في الكيان الصهيونيّ أداة فعالة لتضييق الخناق على هذه الأنظمة كي لا تؤثر عليها وعلى وجودها. 

وبناءً على هذا الدعم كانت تقوم الدولة الصهيونيّة بحروبها ضد هذه الأنظمة العروبيّة بين كل فترة وأخرى كي تحقق أهدافها في تجذير هذا الكيان. فحرب 1948، تبين فيها خيانة العديد من الحكام العرب، وتنسيقهم مع قادة الكيان الصهيونيّ وأمريكا والغرب على أن لا تكون هذه الحرب جديّة في طموحاتها التحريريّة. فكانت تجليات الخيانة تظهر في فساد الأسلحة على الجبهة المصريّة، وماكو أوامر على الجبهة العراقية وغير ذلك. 

 

إرادة المقاومة قويّة ومتجذرة عند كل أبناء فلسطين دون تمييز في العمر أو الجنس. وإن الفلسطينيين قد قرروا منذ انعقاد مؤتمر القمة العربيّة في الجزائر في تشرين الثاني 1973، أن يعتمدوا على أنفسهم أولا وعلى بعض القوى التي تؤمن بعدالة قضيتهم من الخارج ثانياً.

 



وبناء على هذه الحرب ثبت قرار التقسيم كأمر واقع. ومع حرب 1967 التي شنتها إسرائيل يوم 5 يونيو / حزيران على ثلاث من دول جوارها العربيّ، دامت ستة أيام وهزمت فيها الأطراف العربيّة هزيمة ساحقة. وكان من نتائجها خسائر بشرية ومادية كبيرة، واحتلال أجزاء واسعة من الأراضي العربية، وتدمير أغلبية العتاد العسكري العربي وآلاف القتلى والمهجرين من داخل فلسطين والضفة الغربيّة ومن المناطق العربيّة التي احتلتها إسرائيل من الدول العربيّة التي دخلت الحرب. ومن الأراضي التي احتلت في هذه الحرب شبه جزيرة سيناء، هضبة الجولان، الضفة الغربيّة بما فيها القدس الشرقيّة وقطاع غزة. ومن نتائج هذه الحرب طُرح مشروع الأرض مقابل السلام. 

ومع حرب تشرين التي ظهرت فيها الخيانة واضحة ومحاولة تحويلها من حرب تحرير إلى حرب تحريك، ورغم ما حققته هذه الحرب من كسر لهيبة الكيان الصهيونيّ في قناة السويس والقنيطرة، إلا أن الكيان الصهيونيّ بالدعم اللامحدود من أمريكا والغرب والأنظمة الرجعيّة العربيّة أعاد ترتيب بيته وحقق انتصارات سياسيّة كبيرة تركت آثارها السيئة على الخطاب السياسيّ العربيّ، حيث تم عقد اتفاقيّات كامب ديفد، ووادي عربة، وأسلو لاحقاً، كما خرجت مصر من المعركة أو المواجهة العسكريّة المباشرة وغير المباشرة مع الكيان الصهيونيّ. وعلى هذا الخروج لم تقم حرب مواجهة بين العرب والكيان الصهيوني حتى اليوم. 

هذا وقد بدأت تُطرح مشاريع لحل الصراع العربيّ الصهيونيّ، كمشروع السعوديّة أو ما سمّي بمشروع الملك فهد في قمة بيروت. مثلما راحت تُطرح مشاريع تسويات هنا وهناك من أجل التطبيع مع الكيان الصهيونيّ, كان آخرها مع الإمارات والبحرين والسعوديّة.

أما على مستوى الداخل الفلسطينيّ فقد راح الكيان الصهيونيّ يمارس كل أساليب القمع والعنصريّة بحق الشعب الفلسطينيّ من قتل وتدمير للمنازل وشن حروب على قطاع غزة ونهب الأراضي وبناء المستوطنات وتكسير العظام وتحد للقرارات الدوليّة وضربها عرض الحائط.. والأهم ما يجري اليوم من العمل مع أمريكا على جعل القدس عاصمة للكيان الصهيونيّ، وطرح مشروع الإبراهيميّة، وصفقة القرن، لتحقيق هذا المشروع وبرضى عربي لأنظمة سارت بخط التطبيع إلى الأخير دون وجل أو حياء من الدماء الفلسطينيّة التي تهدر يوميّاً داخل الضفة والقطاع.

س ـ كمفكر عربي كيف ترى أساليب المقاومة الفلسطينية للاحتلال ومشاريعها؟


 ـ يظل هذا السؤال الكبير في تفرعاته وبما يحمل من دلالات سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة قائماً ومشروعاً.. وربما ما قام ويقوم به الفلسطينيون من مقاومة لهذا الاحتلال على مستوى الداخل الفلسطينيّ بشكل يوميّ بهذا الشكل أو ذاك، يؤكد وبقوة أن مشروع المقاومة بالنسبة للفلسطينيين أصبح ثقافة، تحوز على قسم كبير من وعي أبناء فلسطين، ولم تعد الشهادة بالنسبة لكل فرد منهم إلا أمراً حتمياً التزم به الجميع وساروا فيه حتى النهاية، تحت شعار الشهادة أو النصر.

إن ما يجري اليوم من تآمر عربيّ على القضيّة الفلسطينيّة ما هو إلا محاولة لدق آخر مسمار بنعش القضيّة الفلسطينيّة على المستوى العربيّ، أما على المستوى الفلسطينيّ فإن روح المقاومة وممارستها مستمرة عندهم بهذا الشكل أو ذاك، فرديّا كان التحدي أو جماعيّا. فإرادة المقاومة قويّة ومتجذرة عند كل أبناء فلسطين دون تمييز في العمر أو الجنس. وإن الفلسطينيين قد قرروا منذ انعقاد مؤتمر القمة العربيّة في الجزائر في تشرين الثاني 1973، أن يعتمدوا على أنفسهم أولا وعلى بعض القوى التي تؤمن بعدالة قضيتهم من الخارج ثانياً، بعد أن قرر الحكام العرب في هذا المؤتمر التزامهم باستعادة الحقوق الوطنيّة الفلسطينية وفق ما تقرره منظمة التحرير الفلسطينيّة بعد أن أعطوها حق التمثيل الشرعيّ لمصالح الفلسطينيين في مسألة الصراع مع الصهيونيّة. 

فهذا الموقف من الحكام العرب فهمه الفلسطينيون أنه تخلٍ عنهم بشكل غير مباشر. الأمر الذي دفع قادة منظمة التحرير الفلسطينيّة في كانون الثاني 1973 لإصدار قرار بضرورة الاتصال مع حركة المقاومة في الأرض المحتلة لمواصلة النضال عبر التنسيق المشترك بين مقاومة الداخل والخارج. ثم القيام بتأسيس "الجبهة الوطنيّة الفلسطينيّة" في الضفة الغربيّة وهذا ما تم بالفعل. فكانت الانتفاضة، وجاء من نتائجها "أوسلو" التي حررت قطاع غزة وشرعنت السلطة الفلسطينية دوليّاً، وبالتالي إعطاء الفلسطينيين الحق في إقامة دولتهم. وعلى هذا الأساس راح الفلسطينيون جميعاً يناضلون من الداخل ويعملون على تطوير أساليب نضالهم سياسيّاً وعسكريّاً بعد أن رفضتهم الحكومات العربيّة وراحت تفاوض الكيان الصهيونيّ في السر والعلن.

س ـ كيف تنظر لمكانة القدس فلسطينيا وعربيا وإسلاميا؟


 ـ لا شك أن للقدس أهميتها التاريخيّة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً بالنسبة للعرب والمسلمين وحتى بالنسبة لليهود أنفسهم. وأقول هنا اليهود ولا أقول الصهاينة فالصهاينة استغلوا الموقف الدينيّ من القدس ليستثمروه سياسيّاً واقتصاديّاً.. استثمروه سياسيّاً لكسب المسيحيّة /اليهوديّة إلى جانبهم واقتصاديّاً كون القدس تحقق لهم موارد ماليّة ضخمة إذا ما وقعت تحت سلطتهم على اعتبارها محجّاً دينيّاً للديانات الثلاث.

إن نظرة تاريخيّة سريعة لأهميّة القدس بالنسبة للعرب أولا ولبقية المسلمين والديانات الأخرى ثانياً، تتبين لنا أن القدس مدينة عربيّة عريقة في قدمها، وأول من سكنها هم اليبوسيون الكنعانيون وأسموها "يبوس" أو "أور سالم"، وقد دخلت القدس عبر التاريخ في حكم عدد من الإمبراطوريات، ما أدى إلى تغير اسمها أكثر من مرة تاريخيّاً، ففي العهد الروماني صار اسمها "إيليا" وحصلت على اسمها القدس منذ العهد العباسيّ، إذ كانت في ذلك الوقت مشمولة بالحكم الإسلاميّ الذي عم المنطقة، كما وتغيرت حدود القدس أكثر من مرة وصولاً إلى حدودها الحاليّة، كما شغلت على مر التاريخ مكانة خاصة في نفوس أتباع مختلف الديانات السماويّة وتكثفت هذه المكانة مؤخراً بسبب الاحتلال الذي تتعرض له هذه المدينة. ومن الجدير بالذكر أنّه لم يثبت في تاريخ القدس شيء يُشكِّك في عروبتها، حيث إنّها ما زالت مدينة عربية بلغتها، وسُكّانها، وحضورها في وجدان العرب كلّهم. (1).

الأهمية الدينيّة للقدس:

للقدس أهميّة خاصة لدى أتباع مختلف الديانات السماويّة، وتتمثل بالآتي:

أ ـ الأهميّة الدينيّة للقدس لدى المسلمين: للقدس مكانة دينيّة مهمّة تتمثّل بكونها مكاناً مُقدَّساً للمسلمين؛ نظراً للعوامل الآتية: فيها المسجد الأقصى المبارك: ويعتبر المسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني مسجد بني في الأرض، وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، وهو منتهى الإسراء ومبتدأ المعراج، وأرضه أرض مباركة. في قوله تعالى: (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين)، وقال الله تعالى على لسان نبيه موسى: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم)، وقد سميت مقدسة لأن الله جعلها مسكناً للأنبياء وطهرها من الشرك. (2).

ب ـ أهميّة القدس لدى اليهود: لقد عاش على أرض القدس النبي إبراهيم، ومن بعده ولده إسحاق، وابن إسحاق يعقوب، كما قامت دعوة موسى وقام داوود بفتحها، وعاش أيضاً من بعده سليمان ملكاً ونبياً على أرض القدس. واليهود يقدسون مدينة القدس ويعتبرون أنها وردت باسمها صراحة بشكل متكرر في الكتاب المقدس، ويزعمون أن الملك سليمان بنى فيها معبداً لليهود وأن الرب وعدهم بأن تكون هذه الأرض لهم ولنسلهم كما يورد العهد القديم بأنه سيعطي هذه الأرض لإبراهيم ولنسله من بعده. (3).

ج ـ أهميتها بالنسبة للمسيحيين: حيث احتضنت القدس آل عمران الذين بعث منهم زكريا ويحيى وعيسى أنبياء في أرض القدس، كما عاشت على أرض القدس مريم ابنة عمران أم النبي عيسى. وهي تعتبر عند المسيحيين مدينة مقدسة في الديانة المسيحيّة ففيها عاش المسيح, ويرى أتباع الديانة المسيحيّة أن المسيح صلب في القدس وقام منها إلى السماء، وفيها كنيسة القيامة وطريق الآلام الذي يرى أتباع الديانة المسيحيّة أن المسيح سار عبره إلى موقع صلبه، كما تشكل القدس وجهة حج للمسيحيين، وفيها عدد كبير من الكنائس التي حافظت على وجودها في ظل الحكم الإسلاميّ لمدينة القدس بسبب العهدة العمرية.(4).

إذن بناءً على هذه الأهميّة التاريخيّة والدينيّة لمدينة القدس تأتي المسؤوليّة الكبيرة لدى العرب والمسلمين وحتى المسيحيين تجاه القدس وضرورة تحريرها من الصهاينة الذين عاثوا فيها فساداً، وهم يعملون بكل ما يمتلكون من قوة لتحويل معالمها التاريخيّة والدينيّة معاً من أرض مقدسة لكل الديانات الثلاث إلى مدينة تجاريّة يستغلون فيها عواطف أصحاب الديانات الثلاث بغية تحقيق ثروات ماديّة ضخمة تخدم بالتالي مشروعهم الاستعماري وتحقيق أهدافهم التوسعية من الفرات إلى النيل.