قضايا وآراء

قانون قيصر الأمريكي لقطع طريق الحرير الإيراني

محمد موسى
1300x600
1300x600
منذ العام 2016 واللاعبون في ساحات الشرق الأوسط يخيطون قانون قيصر الذي أقره الكونغرس الأمريكي نهاية العام 2019، على أن يدخل حيز التنفيذ في حزيران/ يونيو القادم 2020.

وتنص الصيغة النهائية لمشروع قيصر على فرض عقوبات على الرئيس السوري بشار الأسد ومختلف أطياف النظام السوري من وزراء ونواب وغيرهم، إضافة إلى الأفراد والشركات الذين يمولون الرئيس السوري أو يقدمون المساعدة له.

كما يفرض المشروع عقوبات على المصانع السورية، خاصة تلك المتعلقة بالبنى التحتية والصيانة العسكرية وقطاع الطاقة، وغيرها من القطاعات الحيوية ضمن نطاق الدولة المركزية السورية.

قوة المشروع

وبما لا يقبل الشك، فإن المشروع سيف مسلط على رقبتي روسيا وإيران بشكل واضح وظاهر، وتلوح بكل وضوح من الكونغرس الأمريكي إمكانية فرض عقوبات عليهما؛ مرتبطة بدعمها لسوريا. فينص القرار بشكل واضح على أن العقوبات ستفرض كذلك على مسؤولين إيرانيين وروس، وكأني بالمشروع أداة ابتزاز للروس المسيطرين على الأرض، وأداة ضغط هائلة لإنهاء الدور الإيراني في سوريا في أسرع وقت ممكن.

إن المشروع يرسم عدة أهداف تضاف إلى تضييق الخناق على طهران المستمر من إدارة الرئيس ترامب، منذ الخروج من اتفاق الخمسة زائد واحد الشهير، وذلك عبر قطع طريق الحرير الإيراني الممتد من طهران عبر بغداد ودمشق، وصولا إلى لبنان أو ما يعرف بمسمى محور المقاومة، عبر ضرب الشبكات الاقتصادية والمالية والنقدية، وقتل أي تعاون قائم بين هذه الدول التي تغدو شيئا فشيئا تحت مظلة العقوبات الأمريكية المعلنة والمستترة؛ تارة بالتهديد وطورا بالوعيد. والناظر في الحالتين العراقية واللبنانية، يلمس بما لا يقبل الشك أن الضغوط الأمريكية والغربية عموما، هدفها الأول هو تقليم أظافر إيران في المنطقة.

يرى الكثيرون أن المشروع قد يأخذ الكثير من سوريا وحلفائها، وفي مقدمتهم إيران، كيف لا ونحن نعلم أن المشروع يفرض عقوبات على كل من يتعامل مع الحكومة السورية أو يمولها، وتشمل هذه العقوبات مصرف سوريا المركزي. كذلك أن العقوبات الواردة في المشروع تنطبق على الأفراد الأجانب الذين يدعمون الدولة السورية القائمة ماديا. وتتضمن العقوبات تجميد الأصول المالية، ومنع هؤلاء الأشخاص من الدخول إلى الولايات المتحدة، وإلغاء تأشيرات سفرهم، وفي ذلك دعوة واضحة لكسر اليد لكل من يفكر في متابعة علاقته التجارية والاقتصادية. ومرة أخرى، المقصود الدائرة الضيقة لسوريا، وهما الدولة العراقية والدولة اللبنانية عبر معابرهما التي تعتبر الرئة التي تتنفس منها اقتصاديا.

لبنان وإيران في المرمى

عراقيا، يبدو الأمريكان عبر قانون قيصر أنهم أعدوا العدة مع حكومة الكاظمي الجديدة بشكل يحمي توازن الرعب القائم مع إيران، منذ اغتيال أمريكا الجنرال سليماني مطلع العام، وتاليا قد أوصلت الرسالة ببقاء الخطوط مفتوحة مع طهران في التفاهمات العراقية الداخلية، أما التي تعني المحور ككل وامتداداته ومعابره، فلأمريكا رأي آخر عبّر عنه مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شنكر، بقوله للبنان الرازح تحت أزمة اقتصادية ومالية خانقة وغير مسبوقة، الذي ينشد رزمة مساعدات عبر صندوق النقد الدولي؛ "أن يطلبوا مساعدة أمر جيد، لكن المسألة لا تقتصر على الطلب فحسب. هذه خطوة أولى ضرورية"، مشيرا إلى أنّ بلاده تراجع الخطوة وتنتظر إجراء إصلاحات كبرى. وتوقع شنكر شروطا قاسية لجهة تنفيذ الخطة الإصلاحية، وهو ما يستوجب التزام مختلف الأطياف السياسية اللبنانية، على حدّ ما رأى.

وفي هذا السياق، تحدّث شنكر عن حزب الله قائلا: "لا يُعرف عنه دعمه للإصلاحات"، وهذه اللهجة العدائية لحزب الله هي مربط فرس الكلام الأمريكي الحالي والقادم في الأيام المقبلة، الذي بطبيعة الحال سيكون مدار نقاش حاد في أروقة السياسة اللبنانية.

ثم تابع المسؤول الأمريكي؛ "إن الهدف من إجراء إصلاحات في المرافق التي تجمع الإيرادات، لن تحظى بتقدير الجميع"، لافتا إلى أنّ السيطرة على الحدود وإغلاق المعابر غير الشرعية ومكافحة التهرب الجمركي؛ تُمثّل جزءا من الإصلاحات التي يطلبها المجتمع الدولي وأمريكا، وتاليا المطلوب هي القوى القادرة على تقويض نفوذ "حزب الله" في لبنان، ثم إغلاق المعابر تجاه سوريا، التي هي جوهرة طريق الحرير الإيراني السياسي والأمني والعسكري بين دول المحور.

المساعدات رهن المغامرة

إن قانون قيصر القادم في حزيران/ يونيو على صهوة جواد أمريكي مدعوم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، قد يشكل عبئا جديدا على لبنان المنهك، الذي عليه بطبيعة الحال مواجهة مفترق طرق؛ إما إلى جانب أمريكا وصندوق النقد الدولي والمساعدات الموعودة من أموال مؤتمر سيدر والدول الغربية والكثير من المنظومة العربية، وإما الحلف مع دول المحور؛ حيث لا مكان للمعادلة الميقاتية (نسبة إلى الرئيس نجيب ميقاتي)، أي سياسة النأي بالنفس التي انتهجتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة، ولم تشف صدور المطالب الأمريكية من لبنان الدولة. فهل الحكومة اللبنانية ومعها العهد وصلا إلى الخيارات الصعبة والطريق المسدود؟

إنجاز تسوية أمريكية إيرانية

وبالعودة إلى قانون قيصر الأمريكي، نرى أنه رغم اللهجة القاسية والحادة للمشروع، إلا أن أبوابه غير مغلقة للاختراق دبلوماسيا، فهو يسمح للرئيس الأمريكي برفع هذه العقوبات في حال لمس جدية في التفاوض من قبل سوريا، بشرط وقف الدعم العسكري الروسي والإيراني. كما يمكن للرئيس الأمريكي رفع العقوبات لأسباب تتعلق بالأمن القومي الأمريكي.

وأعتقد جازما، أن نظرة الأمن القومي الأمريكي لن تعدل مثقال ذرة من مساراتها قبل إنجاز تسوية أمريكية إيرانية على مستوى المنطقة برمتها من اليمن وصولا إلى بيروت، وعلى ما يبدو أن تكاليفها ستكون باهظة على كل المستويات.

إن الجمهورية الإسلامية في إيران وكل الدول التي تدور في محورها أمام لحظات حاسمة ومفصلية، عنوانها الرئيسي أمريكيا: ما لم نأخذه بالسياسية والحروب، سنأخذه بالاقتصاد والمال والأعمال. فهل الخيار القادم من الإدارة الأمريكية إسقاط السلاح مقابل رغيف الخبز؟!
التعليقات (0)