قضايا وآراء

حماية العَطب في فلسطين

التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال- جيتي
لم يعد ممكناً قبول الشارع الفلسطيني التصريحات السياسية المتعلقة بقضيته، مع هذا العبث والاستهتار المستمر بدماء الشعب الفلسطيني وحقوقه المهدورة كل لحظة، ولم تعد القمم والمباحثات قادرة على صون هذه الحقوق وحمايتها. فالمكابرة والعناد على ارتجال وتكرار الفشل بإدارة قضية تحرر وطني فلسطيني، يزيد الفلسطينيين قناعة بأن من يقود نضالهم التحرري ومواجهتهم للمشروع الصهيوني الاستعماري أو لتحقيق "دولة فلسطينية"، إنما يقودهم نحو كارثة وصلوا إليها منذ أوسلو، مع استمرار هذا المسار رغم ما قيل فيه من تحليلات فلسطينية وعربية حول خطورة انزلاق الحالة الفلسطينية الرسمية لتصديق ما يطرحه الجانب الأمريكي والإسرائيلي كل مرة عن الحاجة للنيات "الصادقة والحسنة" لبناء السلام، عبر الوعود والتعهدات الجوفاء التي يسعى لتبنيها والضغط بها على الفلسطينيين، وسياسات عربية توحي بحرصها على خفض التصعيد بعد كل مجزرة وجريمة إسرائيلية.

وفي تاريخ الفلسطينيين والعرب الذين جربوا الرهان على نيات المحتل، قبل وبعد "همروجة" أوسلو وما تبعها حتى يومنا هذا من جرائم، وما تخلل هذا التاريخ من اجتماعات ومباحثات ومفاوضات، ما يقود إلى جوهر تآمري بحت على قضية فلسطين، فمن لم يكتشف بعد صراحة وخطط الجرائم الإسرائيلية، هناك من يصدح داخل المؤسسة الصهيونية ومن داخل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عن ثوابت صهيونية بالتوسع بالاستيطان والتهويد وخطط التهجير والهدم.

وفي حاضر الوقائع الأخيرة بعد مذابح نابلس وجنين وحوارة، وفي اجتماعات العقبة وشرم الشيخ الأمنية بين السلطة الفلسطينية ومخابرات الاحتلال الإسرائيلي، صراحة صهيونية نُفذ منها مجازر متعددة، جرائم إعدام لمقاومين فلسطينيين وخطط استيطان وهدم واقتحام للأقصى. المراد من السلطة الفلسطينية أمريكياً وإسرائيلياً أن تعود لسابق دورها الأمني، وأي اجتماعات مع السلطة لن تثني "إسرائيل" عن القيام بعدوان واقتحام للمدن والبلدات الفلسطينية.. إلخ.

"ما قيل في العقبة وما سيقال في شرم الشيخ" سيبقى هناك حسب الثوابت الصهيونية، أمام فشل ذريعة الإصرار على التواصل بدهاليز التنسيق الأمني والمفاوضات "لإحراج إسرائيل" وإظهار عدم التزامها بأية اتفاقات ومعاهدات ومواثيق. فهذا هو التذاكي والفشل لمن يقود حركة تحرر ونضال شعب من الاحتلال

السلطة الفلسطينية تقول على لسان حسين الشيخ وماجد فرج، ما كان يقوله من اعتلى مواقعهم في السابق، كلام قيل من الرئاسة ومن أعضاء اللجنة التنفيذية ومن المجلس المركزي للمنظمة، وما قيل عن خيبة وشعور بالفشل بعد لقاء العقبة الأمني وما سيقال عن لقاء شرم الشيخ، وعما أنتجته سياسات الاحتلال وحكوماته من المراوغة التي لم تكن سراً من أسرار المشروع الصهيوني، قالها شامير في مدريد: سنجرجرهم عشرات السنين، وهو ما يتحقق في عهد حكومة نتنياهو وائتلافه الفاشي.

فـ"ما قيل في العقبة وما سيقال في شرم الشيخ" سيبقى هناك حسب الثوابت الصهيونية، أمام فشل ذريعة الإصرار على التواصل بدهاليز التنسيق الأمني والمفاوضات "لإحراج إسرائيل" وإظهار عدم التزامها بأية اتفاقات ومعاهدات ومواثيق. فهذا هو التذاكي والفشل لمن يقود حركة تحرر ونضال شعب من الاحتلال، ويتبين اليوم، رغم الاعتراف بالفشل مرات كثيرة وبالمماطلة والقرف والعبثية، أن الطرف الفلسطيني لم يغادر يوماً الرهان الضعيف على أطراف عربية تميل عن الحق الفلسطيني، وتقفز نحو التطبيع مع الاحتلال بمخاطر مرتكبة مع الاحتلال ومربكة للوضع الفلسطيني المتمحور في محور التنسيق الأمني لاجتثاث الحالة النضالية من الشارع الفلسطيني وفق الرغبة الأمريكية والإسرائيلية.

ما يدعو للأسى والشفقة، الاستماع بعد كل اجتماع رسمي فلسطيني يعقب جرائم الاحتلال أو يسبقها، لبيانات وتصريحات لا قيمة فعلية وسياسية لها على أرض الواقع، ولا دور مفصليا لها في الحياة السياسية الفلسطينية. وتلك بعض من أزمات أدت بالقضية الفلسطينية إلى مجهول إقصائي لمصلحة مجموعة متنفذة بالقرار في السلطة الفلسطينية؛ التي سئم الشعب الفلسطيني تعاطيها معه كشعبٍ قاصر، وتقتضي مصلحتها ووظيفتها ممارسة الاستغباء عليه. فأمام تجربة الفشل والرهان على نوايا إسرائيل، كم من المرات كانت مطالب الشارع الفلسطيني تدعو لممارسة مشابهة على الذات الفلسطينية بإنهاء الانقسام الفلسطيني بشكل سريع وعاجل، وكم من المرات أطلقت الدعوات المطالبة بإعادة هيكلة وإصلاح منظمة التحرير على قاعدة الثوابت الفلسطينية وبث الروح لفصائل العمل الفلسطيني؟

كل شيء معطل في فلسطين، المنظمة والسلطة أصابهما عطب، وأعضاء اللجنة التنفيذية حاضرون كديكور في البيانات السياسية، كما فاعلية المجلسين التشريعي والمركزي وبقية الفصائل المقتصر دورها على بيانات شجب وإدانة سلوك السلطة والاحتلال. والأخير فاعليته الإجرامية تطغى على كل فعلٍ مواجه له، وفاعلية الرد على جرائم الاحتلال تُنهض كل مفاعيل العمل السياسي الفلسطيني نظرياً، التي سرعان ما يتم محاصرتها ووضع الخطط للنيل منها وإجهاضها فعلياً على الأرض، بتوجيه كل خطط التنسيق الأمني والضغوط الأمريكية والإسرائيلية والعربية لهذا الغرض الذي يفشل كل مرة أيضا في محاولاته قتل جذوة النضال والكفاح في صدور الفلسطينيين.

العاجل والسريع، أن يلتفت الفلسطينيون إلى بديلهم الوطني ومرجعياتهم النضالية والتأسيس عليها، لوضع الاحتلال أمام مسؤولياته، وليتحمل العالم والعرب مسؤولية ما آلت إليه كذبة "الأرض مقابل السلام"،

أخيراً، من لا يرى ثمناً لاستمرار احتلاله لا يمكن له الإقرار بحق الشعب المحتل بتقرير مصيره عبر الأمنيات والوعود الفارغة، ومن يرضخ لأكاذيب واشنطن بشأن "الخطوات الأحادية الجانب" سينتهي إلى مزيد من التراجع والمراهنة على إدارة الأزمة؛ لا حسم المواقف فلسطينيا.

العاجل والسريع، أن يلتفت الفلسطينيون إلى بديلهم الوطني ومرجعياتهم النضالية والتأسيس عليها، لوضع الاحتلال أمام مسؤولياته، وليتحمل العالم والعرب مسؤولية ما آلت إليه كذبة "الأرض مقابل السلام"، فمن لا يستخدم أوراق قوته سيبقى دائما يدور في المجال الذي يحدده من يوجه ويدير الأزمة عبر مبعوثيه من واشنطن ونيويورك وتل أبيب، فليسأل القائمون على السلطة أنفسهم سؤالا واحدا: ما الذي سيفعله هادي عمرو، مبعوث الرئيس بايدن للمنطقة، في شرم الشيخ؟ وما الذي فعله مبعوثو مصر والأردن وكل من ادعى الوساطة بين الضحية والجلاد غير مطالبة الأولى بخفض التصعيد وقبول الجريمة؟ والإجابة عند كل المبعوثين الدوليين في العقود الثلاثة الماضية ولدى خبراء الصمت العربي والدولي عن جرائم الاحتلال؛ أن يبقى العطب مسيطرا على الأدوات التي تقود نضال الشعب.

twitter.com/nizar_sahli