قضايا وآراء

قواربُ يقظةِ فِكرٍ

تتزاحم الأفكار والأيديولوجيات
القوارب:

الأمة بكافة اتجاهاتها علمانية بمسمياتها وإسلامية بفروعها، تعبر عن حالة غرق لقوارب مهترئة لم تعد صالحة للإبحار في الحياة، والحديث عن الأفضلية هو حديث في الصندوق واجترار للفشل المنطلق من نقطية التفكير لا شموليته، والحاجة ماسة ليقظة فكر جديدة للأمة وفكرها الحضاري الممثل لحالتين:

1- الحالة الأولى أنه فكر يمثل حضاريا هوية الأمة، وفيه قيم تعرّف السلوك.

2- الحالة الثانية أنه يمثل مفهوما حضاريا أيضا يراد أن يكون له واقع مدني، وهو العدل وواقعه يكون بالإنصاف للإنسان بما كرمه الله تعالى، وكدولة تطرح المساواة أمام الناس بالعدل وليس بفكرة المساواة بالعطاء. وتحدثت عن هذا في مقال سابق (مواضع العدل والمساواة والإنصاف).

نحن اليوم نحتاج إلى ثورة فكرية حقيقية لنفض غبار التاريخ وركوب قوارب تمخر في الفكر وتنقي ما رسبه التاريخ من كوارث فكرية مزقت الأمة بسيف حاد شتت الإنسان بين ازدحام الأيديولوجيات، وتتبع كتبا بشرية حتى في الدين وضعت كشروحات بعلم زمان مضى نفعت حينها وأضر الأمة أولئك المقلدون الذين وضعوها في قدسية تغلبت على كلام الله، وهي فعل أو كلام بشر، وتركوا القرآن وطياته (مثانيه)، ومر الزمن ولم يفتحوه وإنما استمروا بمنهج الشروح على الشروح، بل باتت مقولة كل جديد محدث وضلالة والضلالة وصاحبها في النار تكرر إلى يومنا، وبقينا نرفض الجديد إلى أن يتمكن فنبرر له وجوده، لكن بقيت التربية النفسية والعصبيات تصيب الجميع إسلاميين وعلمانيين، حتى باتت العلمانية دينا ضد الدين بفهم المتخلفين ممن يصفون أنفسهم بها.

كيف نقيم اليقظة بفكر الأمة؟

أولا: الإسلام منهج حياة: الفهم ضرورة، فإن الإسلام منهج حياة بمعنى أنه دليل وليس مجموعة من القوانين التي يقولها مفسرو عصر سابق أو اجتهادات لخلفاء أو ملوك، وإنما نحتاج إلى فتح طية كمنهج لعصرنا، وهذه تليها طيات وطيات ليستمر متجددا وبمفكرين مجددين على مر الزمن.

ثانيا: العدل وليس الكرسي: إن مفهوم الحكم ليس بتسميته وإنما بماهيته، فالحكم أساسه العدل والعدل هو حكم الإسلام وإن لم يكنَّ بالإسلام، فليس حكم الإسلام أن يسمى بالإسلام بلا محتواه ويعمم الظلم.

ثالثا: الإسلام صالح لكل زمان ومكان: إن الحكم مؤسسة وليس شخصا، وبوجود التقنيات الحديثة فهي منظومات تباعدت أم تقاربت تكوّن مؤسسات لا قدسية لها ولا طاعة عمياء، وإنما تحاسَب كما تعمل ضمن نصوص قوانين توضع وفق مقتضيات الزمكان، وهذا معنى الإسلام صالح لكل زمان ومكان.

رابعا: الأهلية والكرامة الإنسانية: إن الإنسان لكي يحاسبه الله فلا بد أن تكون له كامل الأهلية، وهو ما ينبغي أن يوفره له "نظام العدل والإنصاف"، وخياراته محترمة ككرامته، والدولة توجه نصحا وليس بفرض القرار. فالله جل وعلا وعظ عباده ولم يأمر إلا بضروريات لا تقبل الهوى، كالعدل والإحسان والصِلات بين الناس، والدولة تحمي مواطنيها من التغرير بهم أو الضعف من خلال ضعفها هي، بتحسين معاشهم وتغذيتهم أخلاقيا لتساعد سلوكهم إلى الصواب.

خامسا: الدولة تخطط (ولا تسمح باستنزاف مواردها البشرية من جشع الشركات المستثمرة): الدولة لا بد أن تضع تخطيطا لكل شيء وتوظف عندها من يتطوع للعمل معها، وتتيح منافذ العمل بتسهيلات للأعمال والاستثمارات وفق نظام يجعل لمواردها البشرية أن تُستثمر من كل داخل للاستثمار في البلدان، لا أن يستعبدوا ويمتصوا ثم يتركون بلا حقوق أو مصدر عيش بعد أن يُستنزفوا.

سادسا: جدلية الحضارة والمدنية: كما لا يحقق الهوية ولا العدل أن تستورد فكر الأمة وهو من أسباب الازدواج الذي فيها وتبلد الإحساس وهلامية حضورها، بينما أبناؤها يبدعون حيث وُجد القانون والنظام ويحترمونه، وهنا تأتي المدنية وقوانينها، وأن لا يبنى شيء كنقل عشوائي وإنما وفق تخطيط وتدريب مجتمعي وتوعية، والانتباه لكل حركة وخطأ مهما كان صغيرا، وتربية النشأة على المصداقية والصراحة لا المراوغة وكيف يتخلص من أثر القوانين. وهذا كله مرة أخرى يحتاج للعدل والمصداقية وإزالة أثر المحسوبية والانحراف وخيانة الأمانات ثم الذهاب بعدها والنوم مرتاحي الضمير. ولكي يكون المعنى واضحا ألخص معنى الحضارة: "إنها فكر الأمة وهي تتوسع وتنمو ولا يتغير أصلها وجذرها"، والمدنية "هي تراكم الجهد البشري وتجاربه في العلوم والإدارة والسياسة والتكنولوجيات وغيرها".

سابعا: الجميع عليهم أن يفكروا وأن يرتقوا بعيدا عن تقليد الماضي أو الشرق والغرب، حتى بات الجميع رجعيا متخلفا عن جدلية يقظة الفكر المطلوبة.

خلاصة القول: نحن بحاجة إلى تمرد على تخلف أنفسنا، واستعادة الهوية وإقامة العدل بالإنصاف، وإزالة الرواسب والكف عن تقديس التاريخ وتقليد تجارب الآخرين بعبودية وإغلاق للمنظومة العقلية، فقد قدّم كل مجتهد لعصره سواء إسلاميا أم ليبراليا أم شيوعيا، ونحن أمة لم ولن تنهض بالتقليد والتبعية العمياء، وإن ما نحتاجه هو الاجتهاد ويقظة المنظومة العقلية في مسار نهضة الأمة، والحديث مَنْطِقُهُ الحاجة والأمل.