قضايا وآراء

إنسان التغيير المنشود.. تدقيق المفاهيم (2)

1300x600
من الإشكاليات الكبرى في مسيرة الجماعات الإسلامية؛ إشكاليات المفاهيم والمصطلحات المكونة لجزء كبير من لغة الخطاب والثقافة السائدة في مجتمع التنظيمات، والتي تحولت إلى مسلّمات في ميدان المقدسات وغير قابلة للنقاش، يتعامل بها الأعضاء باعتبارها مسلمات شرعية لا فكرية، ما أوجد فجوة شاسعة ليس بينهم وعموم جمهور المسلمين بل أيضا علمائهم الذين اختلفوا معهم حول هذه المسلمات ومنها:

العزلة الإيمانية واستعلاء الإيمان، والذي تحول من الاستعلاء بالإيمان ليكون عاصما وواقيا من الوقوع في المعاصي والذنوب والمخالفات واستعلاء الإيمان للرقي بالسلوك والممارسات؛ إلى الاستعلاء على باقي الخلق باعتبارهم إما خارج حظيرة الإيمان لدى بعض الجماعات أو خارج معسكر التنظيم لدى البعض الآخر.. إشكالية أوجدت حالة من التقوقع والانعزال المجتمعي فصار المجتمع المسلم عدة مجتمعات، ولكل جماعة مجتمعها الخاص وروابطها الخاصة ومعاييرها الخاصة، ووقعت الجماعات في ما وقعت فيه أنظمة الاستبداد والفساد بتقريب أهل الولاء والثقة بدلا عن أهل الخبرة والكفاءة؛ ليس الذين خارج الجماعة والتنظيم بل في داخله أيضا حين تم تصنيف الأعضاء بمعايير شخصية بعيدا حتى عن معايير التنظيم المعلنة، ما ترتب عليه شقاق وعدم وفاق داخلي، أيضا في بعض الأحيان شقاق مجتمعي وكراهية مضرة غيرت النفوس تجاه هذه الكيانات.

وكانت بعض الشواهد حاضره بالتزامن مع مقدمات الانقلاب العسكري وبعده، بالاستعلاء على الآخر من كيانات ترى نفسها عن باقي الخلق بزعم أنها صاحبة دعوة وفكرة ومشروع ورسالة، وأن أعضاءها ورثة الأنبياء من دون باقي الخلق، حتى كانت عدوى هذه النظرة وهذه الرؤية تجاه الجماعات بعضها البعض.

في هذا المربع ولا شعوريا ترسخ في نفوس عدد غير قليل من أبناء الحركة الإسلامية الثقة المطلقة في النفس وفقدان الثقة المطلقة في الآخر، الآخر الحزبي المعارض والحزبي الموالي والآخر في السلطة. وهذا يناقض كل معطيات السياسة والسلطة والحكم لمن قبل التواجد في مربع السياسة والسلطة والحكم. عدد غير قليل ينظر للآخر المعارض العلماني أو الليبرالي أو المدني، أو أيا كانت الأسماء، نظرة الشك تارة والاستخفاف والاستصغار تارة، رغم كارثية تجربة السنوات القليلة الماضية التي أكدت أن مصر دولة أكبر من مكوناتها في جميع المربعات، وأن التغيير المنشود لا يقوى عليه أي فصيل منفرد مهما كانت إمكاناته المادية والبشرية والتنظيمية.

الجيش منذ 70 عاما لم يقوَ عندما أراد العزف منفردا، وتجربة ما بعد ثورة يناير أكدت أن أكبر الكيانات التنظيمية المصرية وحدها لم تقوَ ولن يقوَ غيرها، مهما استدعى البعض الأعذار والتأويلات التي تدعي أن التجربة لم تستكمل وأن الجيش انقض على التجربة عندما شاهد مؤشرات النجاح، وغير ذلك مما يدخل في مربع الدفاع والتبرير بعيدا عن الشجاعة في المراجعة والتقويم.

نحن بحاجة لمواقف الشجاعة والمسؤولية، تراجع فيها القرارات والسلوك والممارسات والأفكار والأفهام والمصطلحات، لنتوافق حول منظومات القيم والمفاهيم التي تقوم عليها المجتمعات، مجتمعات بناء إنسان التغيير المنشود الساعي لحياة حرة كريمة.