قضايا وآراء

مومياوات الماضي والحاضر بعد تحنيط الديمقراطية

1300x600
شهدت القاهرة مساء السبت الماضي نقل 22 من المومياوات الملكية بالمتحف المصري في التحرير؛ إلى موقعها الجديد في المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط، ليتفاعل المصريون مع الحدث بشكل مكثف، ظهرت آثاره على وسائل التواصل الاجتماعي معبرة بوضوح عن الانقسام الموجود بالمجتمع بين فريقين؛ أحدهما فخور بالحدث وما سينتج عنه من زخم يعيد مصر إلى سابق عهدها على خارطة السياحة العالمية، وآخر يراه نوعا من التبذير في غير محله، وخاصة مع وجود أوجه أخرى لصرف هذه الأموال لتعود بالنفع على الأحياء بدلا من الاحتفاء بالأموات.

لست بصدد التوسع في الحديث عن أخلاقيات عرض المومياوات المصرية القديمة، وما يجب للميت شرعا من معاملة كريمة، واحترام يتضمن دفنه وإبقاء جثمانه بعيدا عن الأعين ولو بدافع الفضول العلمي، فالقوم لديهم من يفتيهم بالشيء وضده بمجرد صدور الأوامر، رغم أن الرئيس السادات قد أمر بإغلاق غرفة المومياوات الملكية في المتحف المصري، في عام 1980، بداعي أنها بمثابة إهانة للموتى، وكان عازما على إعادة دفن هذه المومياوات، لكنه تراجع عن ذلك.

وإحقاقا للحق، يتعين الإشادة بالتنظيم الشديد لهذا الحدث، فقد وضعت المومياوات بعناية في كبسولات خاصة مملوءة بالنيتروجين لضمان سلامتها وعدم تضررها من الرطوبة، والبكتيريا والفطريات، وأحيطت الكبسولات بمادة ناعمة لتوزيع الضغط وتقليل الاهتزازات أثناء النقل، ثم حملت على عربات مصممة خصيصا لذلك لضمان ثباتها واتزانها.

إخراج الحفل تم بشكل احترافي ضمن خط سير محدد، وباستخدام عربات مزينة بزخارف ذهبية فرعونية، مع وسائل الاتصال اللاسلكي بين العربات، لعمل محاكاة لما كان يحدث من نقل المومياوات في العصر الفرعوني، مع عربات تجرها الخيول وجوقات تغني باللغات القديمة، وألوان زاهية وتنظيم دقيق احتفت به وسائل الإعلام العالمية.. يؤكد إمكانية وجود خبرات مصرية يمكنها صناعة الفارق، بعيدا عن هيمنة ذوي الخلفية العسكرية، الذين شوهوا كل جميل في مصر.

المشهد الأكثر استفزازا جاء من متعهد الحفلات وصاحب "اللقطة"، الذي لم يترك الحدث يمر بشكل عفوي، فكان له حضوره بمتحف الحضارة، من أجل استغلاله سياسيا، وإضافته إلى قائمة إنجازات الطرق والكباري ومؤتمر الشباب، بعدما وقف وحيدا في استقبال هؤلاء الملوك، وكأنه من نسلهم أو ورث حكم البلاد منهم.

تخيلت ردة فعل هؤلاء إذا أتيحت لهم الفرصة لمعرفة ما يدور حولهم؛ فكيف سيتصرف سقنن رع الذي تهشمت جمجمته دفاعا عن مصر إذا علم أن من يستقبله فرط في أرضها وباع جزرها؟ وماذا عن القادة العظام كتحتمس الأول، وأمنحتب، وسيتي الأول، الذين صنعوا العربات الحربية وطوروها؛ ماذا سيفعلون إذا علموا أن جثامينهم محمولة على مركبات صنعت في شتى بقاع الأرض إلا مصر، التي لم تقدم شيئا يعود إليها غير الخيول المشاركة بالعرض؟ هل يتخيل ملوك مصر وهم يمرون على النيل، الذي قدسوه وحافظوا عليه، أن يأتي من بعدهم من يفرط في مياهه؟! وكيف سيتصرف رمسيس الثاني، الذي وقع أول اتفاقية سلام بالتاريخ، إذا علم أن هناك من أوقع الفتنة بين المصريين وفرّق بين المرء وزوجه، وزرع العداوة بين الأخ وأخيه؟!

اختتم الحفل وانتهى العرض، ولم تتوقف السجالات الفكرية حول أهميته بالنسبة للسياحة المصرية، وتركزت تصريحات المسؤولين على جدواه في التسويق للسياحة؛ فهل تحتاج الآثار المصرية حقا إلى دعاية؟

لا أعتقد أن البلد الذي يملك ما يقارب ثلث آثار العالم يحتاج إلى دعاية؛ فإذا سألت من لم يخرج من بلده قط أو يتكلم لغة أخرى عن مصر سيجيب بكل بساطة "بلد الأهرامات". فهناك شغف كبير في بلاد الغرب بالحضارة المصرية، ولا تكاد تخلو جامعة من مركز بحثي لعلم المصريات أو متحف صغير، كما أن الآثار المصرية تزين كبرى المتاحف العالمية، مثل: اللوفر، والمتحف البريطاني، ومتحف برلين، والمتروبوليتان. وبدون الآثار المصرية تفقد تلك المتاحف بريقها، فلا مجال للحديث عن دعاية، لأن الآثار المصرية لا تحتاج إلى ذلك. لكن ما تحتاجه حقا هو العناية بها، وعرضها بالشكل اللائق كما يحدث في المتاحف الكبرى، وإبقائها بعيدا عن عشوائية الجهاز الإداري في مصر، والتي تسببت في فضيحة دولية مؤخرا بعد محاولة أحد الموظفين لصق قناع توت عنخ آمون -التحفة الأبرز عالميا - بمادة الإيبوكسي. كما تحتاج الآثار إلى إعادة تأهيل الشرطة المصرية، لتتعامل مع السياح بشكل آدمي بعيدا عن منطق الجباية، أو فرضية الاشتباه في كل من يحمل كاميرا بأنه إرهابي محتمل.

وبالنظر إلى العوامل الدولية الأخرى المؤثرة على حركة السياحة، فإن تداعيات أزمة كورونا قيدت الحركة بين الدولة، لتصل إلى حدودها الدنيا؛ فكان لها أثرها السلبي على النشاط السياحي بسبب سياسة الإغلاقات المتوالية، التي تتخذها الدول كوسيلة لحفظ أرواح مواطنيها والحد من انتشار المرض، مما يحتم البحث عن بدائل أخرى لإنعاش الاقتصاد المصري وتنويع مصادر الدخل لتشمل قطاعات أخرى غير المتعارف عليها حاليا.

تكلف العرض الضخم لنقل المومياوات لمسافة خمسة كيلومترات، والضجة الكبيرة التي صاحبته ملايين الدولارات، شملت إعادة رصف بعض الطرق للحفاظ على سلاسة الرحلة، في وقت تعرضت خلاله مصر لسلسلة من الكوارث في الأسبوع الماضي، راح ضحيتها العشرات في حادث قطار سوهاج، فيما قضى قرابة 18 مواطنا حتفهم إثر انهيار عمارة سكنية في القاهرة، كما وقفت الملاحة في قناة السويس لعدة أيام.

وهذه ليست لعنة الفراعنة كما يحلو للبعض تسميتها، وإنما تمكن تسميتها بـ"لعنة العسكر"، التي أصابت مصر منذ ما يقارب سبعة عقود، بعدما أحكم الجيش قبضته على المحروسة، وبدد الجنرالات مواردها ونهبوا خيراتها، حتى باتت مصر على موعد مع مومياوات تاريخية لملوك ساهموا في ازدهارها وتقدمها، ومومياوات أخرى في سدة الحكم، لا يمكن الإحساس معها بتقدم، أو إدراك تغيير، أو إحداث أثر إيجابي في حياة المواطنين، في ظل تحنيط كامل لمختلف آثار الديمقراطية.