قضايا وآراء

ابتزاز روسي موصوف لتركيا

1300x600
ارتكبت روسيا جريمة حرب الأسبوع الماضي في سوريا، عبر قصف طائراتها عن سبق إصرار وترصد وأثناء الطابور الصباحي معسكرا لفيلق الشام التابع للجيش الوطني في محافظة إدلب، ما أدى إلى استشهاد وجرح عشرات المقاتلين. ورغم ارتكاب روسيا جرائم حرب موصوفة في إدلب وسوريا بشكل عام، كما تقول منظمة هيومان رايتس ووتش في بياناتها المتتابعة وآخرها في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، إلا أن هذه الجريمة بدت مختلفة نسبيا كونها حملت رسالة دموية مباشرة وصريحة إلى تركيا، خاصة أنها جاءت متزامنة مع رسائل سياسية مماثلة، أيضا عبر تصريح للرئيس فلاديمير بوتين أكد فيه على ضرورة إشراك تركيا في مساعي حلّ الصراع الأذري الأرمني جنوب القوقاز، وقبله كان تصريح لافت أيضا لوزير الخارجية سيرغي لافروف اعتبر فيه أن التنسيق بين روسيا وتركيا ضروري أيضا لحلّ الأزمة في ليبيا.

إذن، نحن أمام رسائل روسية مباشرة وصريحة إلى تركيا واحدة دموية تمثل جريمة حرب بحد ذاتها، ورسالتين سياسيتين تقدمان في السياق فكرة عن أهداف الرسالة أو بالأحرى الجريمة الدموية الأولى.

فيلق الشام من الفصائل السورية القريبة من تركيا وفصيل أساسي في الجيش الوطني السوري المدعوم أيضا منها، وهو ليس على لوائح الإرهاب لا القارية ولا الأممية، علما أن التفاهمات التركية الروسية الثنائية والمتعددة المتعلقة بسوريا تتحدث عن اعتماد تلك اللوائح في ملاحقة ومحاربة التنظيمات الإرهابية.

فيلق الشام كذلك من الفصائل الثورية المركزية الملتزمة بتفاهمات وقف إطلاق النار الروسية التركية في إدلب ومحافظات سورية أخرى. وهو غير هامشي، وغير مارق، واستهدافه بهذه الطريقة الدموية البشعة يسعى إلى استدراج تركيا لحوار موسع مع روسيا ليس حول سوريا فقط، وإنما حول ليبيا وأذربيجان أيضا.

يجب الانتباه طبعا إلى حقيقة أن تركيا منفتحة أصلا للحوار مع روسيا حول سوريا وملفات إقليمية مختلفة، وبالتالي فإن الطابع الدموي الصارخ للجريمة يهدف إلى ابتزازها والضغط عليها لتقديم تنازلات في ملفات أخرى.

بتفصيل أكثر، تعتبر روسيا نفسها في موضع قوة في سوريا يسمح لها بالضغط على تركيا وابتزازها، عبر قصف حلفائها مباشرة أو حتى تحريض النظام ومليشياته لفعل ذلك، وربما تكون فهمت بشكل خاطئ القرار التركي الأحادي الخاص بتفكيك بعض نقاط المراقبة العسكرية التي فقدت أهميتها وجدواها/ وربما أرادت استغلال حالة التوتر والشد والجذب في علاقات تركيا مع أمريكا وأوروبا. وفي هذا الصدد بدا لافتا طبعا الصمت الأوروبي الأمريكي والدولي، أو ردّ الفعل الخجول جداً على جريمة الحرب الروسية، وكأنّ الأمر لا يعنيهم.

في المقابل، تعتقد روسيا أن وضع تركيا قوى في أذربيجان وهي لا تستطيع إرسال رسائل دموية بهذا الشكل، خاصة أن التصعيد الأرمني الأخير له علاقة أكثر بالتحريض الإماراتي الفرنسي ضد تركيا، ومع ذلك تحاول روسيا الاستفادة منه كونها تفهم، ولأسباب سياسية وجغرافية وواقعية، صعوبة تدخل الدول الأخرى مباشرة ضد أذربيجان وحليفتها تركيا، ولأنها تملك أصلا معاهدة دفاع مشترك مع أرمينيا، كما أن علاقاتها مقبولة عموما مع أذربيجان.

في ليبيا تشعر روسيا أنها باتت مهمشة أو محجّمة بعد تراجع مشروع خليفة حفتر، وتمكن حكومة الوفاق الشرعية المدعومة تركيا من تكريس مكانتها وتراجع الخيار العسكري بشكل عام لصالح الخيار السياسي، كما أن الدخول الأمريكي على الخط والضغط على حفتر (يحمل الجنسية الأمريكية) قلّل من النفوذ الروسي، وبعد التوافق الليبي- الأممي الأخير على إخراج المرتزقة الأجانب باتت روسيا نظريا بدون أي تأثير أو نفوذ في المشهد الليبي.

بناء على المعطيات السابقة، تريد روسيا التفاوض مع تركيا من موقع قوة بمعنى أنها تضغط وتبتز في سوريا لتليين مواقف تركيا والحصول على مقابل وتنازلات في أذربيجان وليبيا.

عموما، نحن أمام لعبة روسية مكشوفة ومفضوحة وإجرامية أصلاً، وهنا يمكن تذكر رد الفعل التركي على الرسالة/ الجريمة الأخيرة في إدلب، والذي أشار إلى أن روسيا لا تعمل من أجل الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة، وأن تركيا مستمرة في محاربة الإرهاب والدفاع عن مصالحها والمتطابقة أصلا إلى حد كبير مع مصالح حلفائها.

ولا بأس كذلك من التذكير بالمقاربة التركية تجاه الملفات الثلاثة: سوريا، تتمسك أنقرة بالتفاهمات الثنائية مع روسيا والشرعية الدولية وقراراتها، ورغم تفكيك بعض نقاط المراقبة إلا أنها أرسلت مزيدا من العتاد والجنود إلى إدلب ومناطق خفض التصعيد وقوَّت خطوط دفاعها، ولا تبدو بوارد تقديم أي تنازلات، خاصة بعد تجربة تصعيد آذار/ مارس الأخير، والذي لقّنت فيه بشار الأسد درسا حسب تعبير الرئيس رجب طيب أردوغان، ومع الانتباه كذلك إلى ما يقوله المبعوث الأمريكي جيمس جيفري دائما عن تحاشي روسيا الدخول في صدام مع تركيا؛ حتى لا ينكشف مرة أخرى اهتراء منظوماتها التسليحية أمام نظيرتها التركية الحديثة والمتفوقة.

في أذربيجان تدعو تركيا إلى تنفيذ عادل ونزيه لقرارات الشرعية الدولية. وكانت طرحت أصلاً على لسان الناطق باسم الرئاسة إبراهيم كالن فكرة الجلوس مع وروسيا والطرفين المتصارعين لحلّ القضية دون مماطلة، على قاعدة الانسحاب الأرمني من الأراضي الأذرية المحتلة الدولية. وما ردده بوتين أخيرا جاء بناء على الانتصارات الميدانية الأذرية، وإثبات باكو قدرتها على تحرير أراضيها عسكريا إذا تعذّر ذلك سلميا.

أمر مماثل يمكن قوله عن المقاربة التركية للمشهد الليبي، حيث دعت أنقرة موسكو مرارا للتخلي عن الخيار العسكري، ودعم العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة وفق القرارات الدولية ذات الصلة، إلا أن روسيا فضّلت دائما الخيار العسكري وأرسلت مرتزقتها لإنقاذ حفتر ومشروعه المدمر، وخسرت وسيتراجع نفوذها طرديا "مقابل ازدياد النفوذ التركي" مع تقدم العملية السياسية واستمرار وقف إطلاق النار، وفشل الخيار العسكري وإزاحته عن الطاولة، وهو الذي تتغذى وتقتات عليه روسيا في ليبيا وحيثما حلت في الحقيقة.

عموما، لن تسقط جريمة إدلب الأخيرة بالتقادم كما جرائم الحرب الروسية الأخرى، وستظل وصمة عار على جبين موسكو، وستتم المحاسبة عليها ولو بعد حين، وبالتأكيد لن تحقق الأهداف السياسية المرجوة منها. وكان بإمكانها ببساطة الجلوس للحوار بعيدا عن الذهنية الدموية المتغطرسة، وفي كل الأحوال لن ترضخ تركيا للابتزاز، ورغم أنها تدخلت متأخرة في سوريا نتيجة نفوذ جماعة غولن الانقلابية، إلا أنها استردت إرادتها ولم تعد مرتهنة لأي طرف كان، وباتت لاعبا مركزيا لا غنى عنه في سوريا، كما في محيطها الجيوبوليتيكي الممتد من أذربيجان شرقاً إلى ليبيا غربا مرورا بشرق البحر المتوسط طبعا.