فلسطين الأرض والهوية

رشدي ملحس.. فلسطيني لم يستطع الملك عبد العزيز الاستغناء عنه

رشدي ملحس.. أديب كاتب وباحث جغرافي ومحقق ومؤرخ، وكاتب صحافي فلسطيني شغف بتاريخ الجزيرة العربية
رشدي ملحس.. أديب كاتب وباحث جغرافي ومحقق ومؤرخ، وكاتب صحافي فلسطيني شغف بتاريخ الجزيرة العربية

أديب كاتب وباحث جغرافي ومحقق ومؤرخ، وكاتب صحافي، شغف بتاريخ الجزيرة العربية قديمها وحديثها وبجغرافيتها.

ومن الشخصيات العربية المثقفة التي استعان بها الملك عبد العزيز لدعم حركة الصحافة والتأليف في المملكة العربية السعودبة.

ولد رشدي ملحس عام 1899 في مدينة نابلس، ودرس في مدارسها وتخرج من مدرسة العلوم المالية في إسطنبول. وأدار خلال دراسته مجلة "لسان العرب" لمحررها أحمد عزة الأعظمي، والتحق بالجندية خلال الحرب العالمية الأولى.

وكان ملحس قد سجل في شبابه المبكر نشاطا سياسيا تمثل في الانضمام إلى الحركات السرية لمقاومة الاحتلال الفرنسي وللاحتجاج على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وحقق خبرة صحافية تمثلت في إصدار جريدة "الاستقلال العربي" الدمشقية عام 1918 . 

عمل في الصحافة في دمشق وانخرط في العلم السياسي مع انطلاقة الثورة العربية الكبرى وانتهاء الحكم العثماني عام 1916، ما أدى إلى الحكم عليه بالإعدام، ومن ثم الهروب إلى فلسطين بعد الاحتلال الفرنسي لسوريا عام 1920، وتبعها نزوح إلى الحجاز بتشجيع من صديقيه محب الدين الخطيب ويوسف ياسين.

وما لبث أن توجه إلى السعودية عام 1926، واستقر في مكة بعد دعوة تلقاها من صديقه السياسي والأديب السوري يوسف ياسين رئيس الشعبة السياسية بالديوان الملكي السعودي في الرياض ليتولى تحرير صحيفة "أم القرى" في مكة والتي كانت البداية في نيله ثقة الملك عبد العزيز بن سعود حتى عينه نائبا ليوسف ياسين في الشعبة السياسية.

 

 

                       صحيفة "أم القرى" التي أشرف ملحس على تحريرها

وبوقت قصير أصبح ملحس من الشخصيات التي لا يستغني عنها الملك عبد العزيز، وهو من الشخصيات العربية المثقفة التي استعان بها مؤسس السعودية لدعم حركة الصحافة والتأليف. ومما يروى عن الملك عبد العزيز أنه قال عنه: "إني استغني عن أي شخص عندي فأجد من يحل محله أما رشدي ملحس فلا".

وكلف ملحس فيما بعد ذلك برئاسة الشعبة السياسية وكان ذلك في عام 1947.

وتعد الشعبة السياسية أحد أقسام ديوان الملك عبد العزيز وكانت تختص بالشؤون السياسية التي كان الملك يباشر العمل فيها بنفسه علاوة على ما كانت تقوم به مديرية الشؤون الخارجية في تلك الفترة، ويرى باحثون أنها تشكل في الواقع أمانة سر أعمال المستشارين والساعد الأيمن للملك في معظم الأمور.

استمر ملحس في رئاسة الشعبة لمدة أربع أو خمس سنوات أكد فيها جدارته في الاضطلاع بالمسؤوليات الملقاة على عاتقه، فصدر إنعام ملكي باستحقاقه رتبة وزير مفوض من الدرجة الأولى بصفته رئيسا للشعبة السياسية تقديرا لإخلاصه وتفانيه في خدمة الملك عام 1950.

وأثناء عمله رشدي في الشعبة السياسية عهد إليه الملك عبد العزيز بمهمة تربوية تعليمية هي الإشراف على مدرسة الأمراء، وهي مدرسة مقرها في قصر الحكم بالرياض مخصصة للأمراء وأتباعهم وبعض أبناء موظفي القصر، وقد فوض إليه الملك كل ما يتعلق بشؤون المدرسة ووجه مديرها وزملاءه بمراجعته. وتشير مذكرات العاملين في المدرسة إلى دوره الكبير في الارتقاء بمستوى المدرسة من خلال زياراته وتوجيهاته، بل ومرافقته للملك أو لرجال التعليم والإدارة لتفقد المدرسة والاطلاع على أوضاعها أو قيامه بتنسيق زيارات طلاب المدرسة وأساتذتها لعرض مواهبهم وأنشطتهم أمام الملك أو ولي العهد، كما كان يقوم بإرسال خطب الطلاب وكلماتهم وقصائدهم التي يلقونها إلى جريدة "أم القرى" لنشرها تشجيعا لهم.

لا شك أن رشدي ملحس كان يتكئ على قاعدة معرفية متينة ونضج فكري مبكر تكونا نتيجة الدراسة والقراءة والبحث والتحقيق، وربما حفزته ممارسته الصحافة في وقت مبكر على الكتابة دون توقف. 
وبالإضافة إلى الجانب الإداري والسياسي والتعليمي كان رشدي ملحس يتولى مهمة الإشراف على مكتبة قصر الحكم في الرياض ويهتم بها، وهي مكتبة ضخمة، تضم نوادر المخطوطات التي ورثها الملك عبد العزيز عن آبائه، وما أضيف إليها من الكتب في عهد الملك عبد العزيز، حيث زودت بجميع الكتب المطبوعة.

وبعد وفاة الملك عبد العزيز عام 1953 ظل ملحس في خدمة الملك سعود محتفظا بمكانه كرئيس للشعبة السياسية حتى وفاته في 23 كانون الثاني/ يناير عام 1959 إثر نوبة قلبية حادة في مدينة جدة ودفن فيها وبعد حياة حافلة بالعطاء قضاها بين مسؤولياته الرسمية وبين ميوله العلمية والأدبية طيلة 33 سنة هي مدة مقامه في السعودية.

وركز رشدي ملحس طيلة حياته على ثقافته وأبحاثه، وهو الذي وصف بأنه دائرة معارف متحركة،  وكان من أهم المخطوطات التي حققها: كتاب "أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار" للأزرقي، وكتاب "جزيرة العرب" للأصمعي.

 أما كتبه التي قام بتأليفها فمنها: "سيرة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي" و"أخبار مكة" للأزرقي، و"معجم منازل الوحي"، كما قام بإجراء بحوث عدة منها بحث عن المعادن، وآخر عن مسافات الطرق وعن تقويم الأوقات لعرض المملكة العربية السعودية، وكان كان أول من وضع تقويم أم القرى، الذي يعتمد عليه حاليا إلى درجة كبيرة في تحديد أوقات الصلاة وأهلة الصيام والحج.

 

                  سيرة عبد الكريم الخطابي تأليف رشدي ملحس

المصادر

ـ بدر الخريف، رشدي ملحس.. دائرة المعارف المتحركة ورائد المخطوطات والمعاجم والموسوعات، صحيفة الشرق الأوسط السعودية، 14/1/2011.
ـ نيف خضير، الملك عبد العزيز وضع اللبنات الأولى للإعلام في المملكة، صحيفة الجزيرة السعودية، 26/9/2012.
ـ عبد الرحمن الشبيلي، لقراءة رشدي ملحس.. سيرة شخصية وسياسية من نابلس حتى الرياض، صحيفة الأنباط الأردنية،2021.
ـ رشدي ملحس 1899 ـ 1995، موقع مدينة نابلس.
ـ قاسم خلف الرويس، رشدي ملحس من نابلس إلى الرياض، دار جداول للنشر والتوزيع، 2011.


النقاش (0)
الأكثر قراءة اليوم