مقابلات

قيادي بـ"النهضة": سنجري مراجعات شاملة وتونس بمرحلة حساسة

لطفي زيتون: ثورة مصر لم تفشل - عربي21
أولويتنا ترسيخ الديمقراطية والانتخابات وليس تحقيق مكاسب حزبية

الإخوان المصريون في أزمة حاليا ويتعرضون لمحاولة استئصال

ثورة مصر لم تفشل.. والارتدادة التي حدثت سببها اجتماعي واقتصادي

أكد القيادي في حركة النهضة الإسلامية، وعضو مجلس شورى الحركة، والمسؤول السابق في الحكومة التونسية لطفي زيتون أن "النهضة" عازمة على إجراء مراجعات شاملة بما في ذلك انتخاب قيادة جديدة، وذلك للتماهي في مع التطورات الكبيرة التي شهدتها تونس في السنوات الأخيرة، مؤكداً أن "البلاد تعيش مرحلة حساسة".

واعترف زيتون في حوار خاص مع "عربي21" أن حركة النهضة شهدت خلافات حادة وعاصفة عندما تركت الحكم، لكنه أكد أنها تجاوزت كافة الخلافات السابقة، وتسير حالياً بخطى ثابتة باتجاه عقد مؤتمرها العام قريباً والذي سيشكل بداية المراجعات وقد ينتهي بانتخاب قيادة جديدة للحركة.

ورداً على سؤال لــ"عربي21" أكد زيتون صحة الأحاديث التي أشيعت سابقاً عن وجود محاولات لشق صف الحركة وإحداث شرخ فيها عندما شهدت خلافات داخلية، وعندما سألت "عربي21" عما إذا كانت قوى خارجية، ومن بينها إحدى الدول العربية، تقف وراء هذه المحاولات اكتفى بالقول: "نعم".

وفي ما يأتي النص الكامل لحوار "عربي21" مع لطفي زيتون:

• هناك حديث عن أن حركة النهضة ستخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة في تونس، فهل حسمتم الجدل واتخذتم القرار؟

- لا لم يحسم الجدل حول هذا الأمر حتى الآن، بل ما زلنا لم نناقش الموضوع أصلاً، والانتخابات الرئاسية القادمة ستكون بعد خمس سنوات، ومن المبكر اتخاذ قرار الآن.

• لكن في حال شاركت "النهضة" بالانتخابات الرئاسية واستلمت الرئاسة في تونس.. ألا تخشون من تكرار السيناريو المصري؟

- بلى.. توجد خشية من تكرار السيناريو المصري. 

علينا أن ندرك أولاً أن انتخابات الأنظمة الرئاسية في العالم قليلة، وهذا كان جزء من تحلينا الذي دفعنا لعدم المشاركة بالانتخابات الرئاسية الماضية، فهناك تحليل عام يتعلق بالنظام الرئاسي، كنظام سياسي، وهناك تحليل آخر يخص تونس بالذات في تلك المرحلة، فما يخص الانتخابات الرئاسية أولاً، أن الأنظمة الرئاسية قليلة في العالم، والنظام الرئاسي يحتاج مؤسسات مستقرة جداً، ويحتاج شعباً موحداً، سواء موحداً في مستوى العيش أو مستوى الوعي السياسي، وفي العادة فإن الانتخابات الرئاسية تقسم الشعوب إلى قسمين، وعندما يحدث ذلك الانقسام المؤقت فإنه يجب أن يكون هناك ثقافة سياسية مترسخة، ومؤسسات سياسية وقانونية قوية تمنع تحولها إلى انقسام دائم في البلد، والانقسام الدائم يتراوح بين التوترات الفئوية والجهوية وبين الوصول إلى حرب أهلية. ونحن رأينا كيف أدت الانتخابات والانقسامات الأخيرة في المنطقة العربية إلى ما يشبه الحرب الأهلية. فضلاً عن أن تونس في ذلك الوقت (خلال الانتخابات السابقة) لم تكن فيها مؤسسات أصلاً، باستثناء مؤسسة واحدة وهي "المجلس التأسيسي"، حيث إنه لا يوجد فيها محكمة دستورية تقضي بالخلافات، والدستور لم يكن مفعلاً بعد، إضافة إلى الأوضاع غير المستقرة في البلاد والمنطقة، وكان كل هذا لا يسمح لنا بخوض معركة سياسية كبيرة بحجم الانتخابات الرئاسية، فضلاً عن أن موقع الرئاسة لم يعد يحوز على تلك الصلاحيات الكبيرة، فصلاحيات السلطة التنفيذية الآن مقسمة بين صلاحيات كبرى لرئيس الحكومة التي تنبثق عن البرلمان، وصلاحيات متقلصة لرئيس الدولة تقتصر على تمثيل الدولة، وإشرافه على مؤسسات القوة في البلاد، وإشرافه على العلاقات الخارجية للبلاد. 

أمام المخاطر الكبيرة التي يحملها هذا التنافس في دولة ما زال في أذهان الناس أن موقع رئيس الجمهورية هو الموقع الأول، وخارجة من أنظمة رئاسوية، أمام المكاسب لو تحقق الانتصار، هذا لا يستحق هذه المغامرة والمقامرة على استقرار البلد.

هذا الوضع قد يكون على حاله بعد خمس سنوات، ونتخذ نفس قرارنا السابق. وقد نقدر بأن الأوضاع تغيرت واتجهت نحو الأفضل، فيمكن أن نأخذ قراراً بالمشاركة في حينه.

• بالحديث عن صلاحيات الحكومة.. ما هو تقييمكم لمشاركة "النهضة" في الحكومة، وهي المشاركة التي يعتبرها كثيرون ضعيفة؟

- المشاركة ضعيفة فعلاً وهذا صحيح، ولا تتناسب مع حجم حركة النهضة، لأننا الحزب الثاني في البلد. ولكن هناك قوى داخل الحزب الأول وخارجه، وربما خارج البلد أيضاً، دفعت باتجاه أن تكون حركة النهضة خارج الائتلاف الحكومي وأن يتم دفعها إلى المعارضة. نحن تقديرنا أن البلد أيضاً في مرحلة سياسية واجتماعية حساسة جداً وغير مستقرة، وهذه المرحلة لا تحتمل وجود معارضة بحجم حركة النهضة، ونحن نعتبر أن المكسب الرئيس الذي نسعى من أجل تحقيقه هو ترسيخ الحريات وترسيخ العملية الديمقراطية والعملية الانتخابية وليس تحقيق مكاسب للحزب، ورأينا أن وجودنا في الحكومة وتوفير الدعم السياسي لهذه الحكومة سيساعد على استقرار الوضع ومنع انتكاسته. والتقييم ليس بالمكاسب والتكاليف الآن، وإنما العملية مستمرة أم لا، لأن من يتحدث عن مكاسب الآن لا يعي حجم المخاطر التي تهددنا. المكسب الآن هو عدم العودة إلى الديكتاتورية.

• تحدثت عن ضغوط داخلية وخارجية لإقصاء حركة النهضة.. لكن هناك حديث عن مساعي دولية واقليمية لإحداث شق في صف الحركة، فهل هذا صحيح؟ وكيف تمكنت الحركة من تجاوز ذلك؟

- في مرحلة الخروج من الحكم وقع خلاف جديد داخل الحركة، وفي القيادة. كان هناك اختلاف في تقدير الموقف، لكن الآن بالنتيجة، وبالمقارنة مع بقية الأوضاع التي مرت بها دول الربيع العربي، ومقارنة بوضعنا الذي تحول من ضغوط سياسية في الشارع تمارسها كل القوى السياسية والاجتماعية إلى أن أصبحنا بالانتخابات القوة الثانية في البلد، فهذا اعتبرناه إعادة ثقة من الشعب، وتتويجا لخط سياسي غلب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية الضيقة، والآن الحركة موحدة حول هذا الخط السياسي، ولا تعاني الحركة أية خلافات سياسية حالياً، وهي أخطر الخلافات. وحالياً نجهز لمؤتمر عام وكبير للحركة سيتم فيه طرح ومناقشة رؤى الحركة من مختلف الجوانب وفي مختلف الملفات، وهذا طبعاً يعيد الاختلافات والتنوع داخل الحركة إلى وضعه الطبيعي. لكن في الملف السياسي فالحركة الآن موحدة خلف رئيسها.

• لكن خلال فترة الخلافات كان هناك محاولات خارجية، وتحديدا من دول عربية، لإحداث انشقاق في الحركة.. أليس كذلك؟

- نعم. كلما تتوفر الأرضية، ستجد من يستغلها ويوظفها، وقد حدث ذلك.

• الشيخ راشد، ومتحدثون كثر من حركة النهضة تحدثوا عن أخطاء تم ارتكابها في مصر، وأن هذه الأخطاء هي التي أدت إلى المشهد الحالي.. لكن السؤال: ما هي الأخطاء التي ارتكبها الإخوان في مصر.. أو لماذا فشلت الثورة في مصر بتقديركم؟ 

- الثورة في مصر لم تفشل، لأن ثورات الربيع العربي هي ثورات اجتماعية وليست سياسية، وهي مستمرة ما دامت المطالب الاجتماعية الكبرى لم تتم تسويتها، وهي مطالب أصلاً تتمثل بتحقيق العدل ومقاومة الفقر والبطالة، والنخب السياسية العربية التي عانت طويلاً من الديكتاتورية أعطت نكهة سياسية لهذه الثورات فقط، وقامت بترجمتها إلى عملية ديمقراطية وانتخابات ودساتير وما إلى ذلك. في بعض الأماكن مثل تونس استمرت العملية، ونجح التحول السياسي، لكن ما زالت البلاد غير مستقرة لأن المطالب الاجتماعية لم يتم تحقيقها بالكامل بعد، وهذا الذي يفسر عدم الاستقرار في مصر أيضاً.

كنا نقول ونحن في الحكم بأن من يعطلنا هم "الثورة المضادة"، أما الآن فمن كنا نتهمهم بذلك يحكمون، والوضع أقل استقرارا، والمطالب أشد.

• إذن .. ما هي المشكلة؟

- المشكلة في الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي غفلنا عنه. النخب السياسية، بالتوازي مع إنتاج سياسي جديد كان ينبغي أن تنتج نظاماً اقتصادياً جديداً مبنيا على العدل وإنتاج الثروة، ومبنيا على تشجيع المبادرات الفردية، والعدالة الضريبية، وإيقاف التواكل على الدولة، ومبنيا على محاولة التقليص من الاعتماد على الخارج. بل إنها حافظت النخب السياسية على النمط الاقتصادي وتقدمت في موضوع التغيير السياسي. ما يحدث الآن، بحسب تحليلي الشخصي، هو أن النمط الاقتصادي هذا منتج للديكتاتورية، فليس ممكناً أن يستمر هذا النمط المبني على انعدام العدل إلا بقبضة حديدية، فهو يتناقض مع المؤسسات الديمقراطية والرقابة البرلمانية، وبالتالي هو منتج للديكتاتورية. 

• بالعودة إلى تجربة الإخوان في مصر.. ما الخلل؟

- أهم عامل كان خلال تجربة الإخوان، ودفع الناس للتعاطف مع الارتداد الذي وقع، هو الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي عانت منها حكومة الإخوان. هذا جانب مهم جداً، وهذا موضوع يتعلق بكل النخبة السياسية وليس بالإخوان فقط. أما الجانب الآخر فهو أننا لسنا بوارد التقييم، لأن الإخوان في أزمة الآن، ويتعرضون الآن لمحاولة من أجل استئصالهم. 

• هناك حديث عن مراجعات ستجريها حركة النهضة التونسية، وربما بدأت بالفعل هذه المراجعات، فما هو مضمون هذه المراجعات؟ هل هي فكرية أم سياسية؟

- نحن بعد الثورة انتقلنا من جماعة شمولية إلى حزب سياسي شارك في الانتخابات وأصبحت له كتلة برلمانية، وشارك في الحكومة كبقية الأحزاب السياسية، وهذا التحول في الممارسة لم يصاحبه تحول في الفكر. المؤتمر القادم الذي ستعقده الحركة سيحاول وضع الأسس الفكرية والسياسية لهذا التحول، لأن الرؤية السياسية وما هي نظرتنا للدولة والعلاقات الخارجية والمؤسسات، كل هذا يحتاج إلى وضع أسس، وهذا ما سنحاول القيام به، ونتمنى أن ننجح، حتى يتواكب الفكر والممارسة معاً. 

• هذا سيكون المؤتمر العام للحركة.. أليس كذلك؟

- نعم. وسيتم انتخاب قيادة جديدة للحركة خلال المؤتمر.