كتاب عربي 21

ما بين المحور الإيراني وعبد الفتاح السيسي!

1300x600
قال بشار الأسد في تصريح كان قد أدلى به الشهر الماضي في سياق حوار أجرته معه مجلة «فورين أفيرز»: "إن الولايات المتحدة والدول الغربية ليست في وضع يهيئها للحديث عن حقوق الإنسان"، وكان مما استدل به للتأكيد على هذه الفكرة ما اعتبره دعم الولايات المتحدة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، مساويًا ذلك مع غزو الولايات المتحدة للعراق!

يتضمن هذا التصريح ثلاثة عناصر أساسية لا تخلو من الغرابة والطرافة، فهو أولاً يعتبر أن جماعة الإخوان المسلمين تتعارض في ذاتها مع حقوق الإنسان ولذلك لا بد من منعها من الفوز في الانتخابات، ولو كان ثمن ذلك آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين، وكأنه يوضح ضمنًا أن أفعاله وأفعال شريكه عبد الفتاح السيسي تقصد حصرًا الحفاظ على حقوق الإنسان، وحماية هذه الحقوق بسياج من الجماجم والأشلاء والجثث المحرقة والأجساد المقطعة، وبهذا يتضح القاسم المشترك الأول بين بشار الأسد وعبد الفتاح السيسي!

وثانيًا؛ ورغم أن اتهام جماعة الإخوان المسلمين بتلقي الدعم من أمريكا عنصر ثابت في خطاب خصوم الجماعة من تابعي أمريكا أنفسهم، بما يشكل مفارقة لافتة فعلاً، ورغم أن خصوم الجماعة من فريق في اليسار العربي بات يشكل مكونًا تابعًا في المحور الإيراني يستندون إلى محض الادعاءات حين إطلاق هذا الاتهام ارتكازًا إلى حالة من الفصام يعتبرون فيها أنفسهم سدنة العداء للإمبريالية الأمريكية، فإنه لا يمكن لبشار الأسد أن يقدم دليلاً واحدًا على دعم أمريكا لجماعة الإخوان المسلمين، على خلاف مئات الأدلة على علاقة أمريكا المركبة بالمحور الإيراني والتي تضمنت تعاونًا وثيقًا في ملفات إقليمية كبرى منها ملفه هو شخصيًا.

وثالثًا؛ إن الدليل الوحيد الذي يمكن لبشار الأسد أن يقدمه على دعم أمريكا لجماعة الإخوان المسلمين، هو فوز الإخوان المسلمين بالانتخابات الرئاسية، وهذا يكشف عن تصور كامن في وعي بشار الأسد، مفاده أنه لا يمكن الوصول لرئاسة أي دولة عربية دون دعم أمريكي، وبالتالي فإنه لا يمكن الاستمرار في حكم أي دولة عربية دون دعم أمريكي، ولكن هل ينسحب ذلك على استمرار بشار الأسد في الحكم؟! وعلى وجود شريكه عبد الفتاح السيسي في حكم مصر الآن؟!

لم يخف المحور الإيراني ارتياحه منذ البداية للانقلاب على الرئيس محمد مرسي، على الأقل من خلال وسائل الإعلام التابعة للمحور، وهو الارتياح الذي استمر في صورة دعم مفتوح للحكم الانقلابي والدفاع عن سياساته ضد خصومه وبالذات جماعة الإخوان المسلمين عبر عدد من الصحف والأقنية التلفزيونية التي تدور في فلك المحور الإيراني، ولم يؤثر على هذه السياسات الإعلامية لـ "محور المقاومة والممانعة" الإجراءات العدوانية التي اقترفها عبد الفتاح السيسي بحق المقاومة في قطاع غزة وبما يشكل تهديدًا بالغ الخطورة لقدرات المقاومة ومستقبلها. 

هذا التناقض المحرج دفع بعض كتاب المحور إلى القول، في محاولة تبريرية رثة، بأنه لا ينبغي الهجوم على عبد الفتاح السيسي لأنه في النتيجة تابع للسعودية ومنفذ لإملاءاتها ومتمول منها، فهي التي تتحمل المسؤولية عن سياسات السيسي العدوانية تجاه المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. مثل هذا التبرير لا يمكن الوقوع عليه إلا لدى الناطقين غير الرسميين للمحور الإيراني، والذين يجدون في الخليج دائمًا فرصة للقفز البهلواني على حبال تناقضاتهم الكثيرة بما يعيدنا أخيرًا إلى الحرص الذي أبداه نصر الله على السعودية حينما حذرها من التكفيريين، والذين هم ذاتهم كان قد حذرهم في بدايات الأزمة من نوايا الولايات المتحدة في ضرب أعدائها ببعضهم (أي التكفيريين وحزب الله!)، وذلك قبل أن يصنفهم أخيرًا كعملاء لأمريكا والعدو الصهيوني ويشبههم بجيش لحد العميل!

في الحقيقة، وبصرف النظر عن التبريرات البهلوانية، و"قفشات" الأسد الطريفة ، فإن امتناع المحور الإيراني، أو بعض من إعلامه، من اتخاذ موقف جاد للدفاع عن المقاومة في قطاع غزة، على النحو الذي كان موجودًا فترة حسني مبارك، واضح ويخلو من الأسرار أيضًا، وذلك لأن القضية في الأساس لدى هذا المحور لم تكن، أو على الأقل لم تعد، هي قضية المقاومة، كما يوضحها واحد من كتابهم، إيلي شلهوب، في مقالة له نشرتها صحيفة الأخبار اللبنانية الموالية للحزب في التاسع من الشهر الماضي، يقول فيها: "هذا إن لم نقل إن حكام القاهرة، إذا ما جرى تقييم سلوكهم من زاوية أمن قومي مصري بحت، تصبح تصرفاتهم مبررة ومفهومة. السبب من وراء ذلك الخطيئة التي ارتكبتها «حماس» في سوريا. لا يمكن لهذه الحركة أن تكون «إرهابية» في دمشق ويطلب من القاهرة أن تعاملها على أنها فصيل مقاوم".

يقوم هذا الكاتب باستعارة مفهوم "الإرهاب" من قاموس السياسة الأمريكية/ الصهيونية وتوظيفه ضد حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، بذات التكنيك الأمريكي/ الصهيوني في الحرب على حركات المقاومة، لسبب واحد مباشر وهو موقف حماس من الثورة السورية المتمايز عن المحور الإيراني بما يجيز لهذا المحور التفريط في المقاومة الفلسطينية والتي لا وزن لها دون عمودها الفقري ومتنها الأساسي المتمثل بحماس، بل والدفاع عن كل ما من شأنه أن يستفيد منه العدو الصهيوني مما يهدد قدرات هذه المقاومة جديًا طالما أن حماس "إرهابية" في سوريا بما يبرر اعتبارها إرهابية في أي مكان آخر وإن من طرف العدو الصهيوني حتى!

لكن هذا السبب المباشر يندرج في سبب أكثر عمومية، وهو طبيعة العلاقة مع المحور الإيراني من حيث الأصل، إن كانت علاقة تبعية وتماهي أو علاقة تتمتع بالاستقلالية، فالمحور الإيراني وخاصة من بعد تطورات الثورة العربية، لم يعد يتقبل علاقات دعم لا تقوم على أساس من استقلالية حركات المقاومة، خاصة وأن كل من يدور في فلكه أضحى تابعًا له وبصورة نهائية كما هو الحال في سوريا ولبنان والعراق واليمن وفلسطين، بينما بقيت حماس مصرة على التمسك بأهم ما يميزها من ذات مستقلة، ولا سيما أن سياسات هذا المحور تعبر عن مشروع خاص مفارق لعموم الأمة، ولا تبدو بالضرورة دائمًا في مواجهة مع الاستعمار أو العدو الصهيوني، ما يجعل قضية دعم المقاومة في فلسطين في آخر أولويات هذا المحور ما لم تكن جزءًا من مشروعه الخاص، ومن هنا يمكن أن نفهم الهجوم المستمر من طرف المحور على شخص خالد مشعل، رئيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

أما بالنسبة للسيسي ومرجعياته وطبيعة علاقته بها، فقد بات واضحًا أن كل هذه العلاقات قابلة للتغير، بما في ذلك علاقته بالسعودية رغم احتياجه إلى أموالها، إلا أن علاقته بمرجعيته الصهيونية والمتجلية في سياساته العدوانية ضد المقاومة في قطاع غزة هي الثابت الوحيد غير القابل للتغير بالرغم من أن الكيان الصهيوني لا يقدم أي دعم مالي لنظام السيسي، ما يثير التساؤل حول العلاقة الحقيقية التي تربط شخص السيسي بالكيان الصهيوني، إلا أن هذه الحقائق في النهاية تبدد كل ادعاءات المحور الإيراني المبدئية بخصوص المقاومة في فلسطين.