تقارير

شيطنة المقاومة تزداد ضراوة.. لماذا الآن ولصالح مَنْ؟

الحملات الإعلامية المغرضة غرضها تحريض الحكومات على قمع التظاهر السلمي لفلسطين، تماهيا مع تحالفها السياسي المطلق مع دولة الاحتلال..
دأبت وسائل إعلام عربية، بعد عملية طوفان الأقصى، وما تبعها من عدوان صهيوني وحشي على غزة، على مهاجمة المقاومة في غزة، وتحميلها مسؤولية الدمار الهائل، والجرائم والمجازر المروعة التي ارتكبها جيش الاحتلال على مدار أيام الحرب والعدوان خلال الشهور الستة الماضية.

ووفقا لمراقبين فإن حملة مهاجمة المقاومة ازدادت ضراوة وشراسة في الآونة الأخيرة، وتوسعت دائرتها وانضم إليها كتاب وصحفيون ومحللون باتوا يهاجمون المقاومة بصورة مباشرة، ويحذرون منها ويؤلبون بعض الدول العربية ضدها بذريعة أنها باتت تشكل خطرا يتهدد السلم المجتمعي في تلك الدول.

تواصل تلك الحملة واشتدادها في هذه المرحلة الصعبة من الحرب على غزة يثير تساؤلات عديدة حول دوافعها ومحركاتها وأهدافها، ويضع علامات استفهام وتعجب كثيرة على تلك الأصوات التي باتت تهاجم المقاومة بقوة وشراسة، فما الذي طرأ واستجد حتى تحذر تلك الأصوات من المقاومة وتصفها بالخطر الداهم الذي بات يهدد السلم المجتمعي في بعض الدول العربية كما تروج في كتاباتها ومنشوراتها؟

في رصده ومتابعاته الحثيثة للتقارير والتغطيات التي تنشرها قناة العربية، لفت الأكاديمي السعودي، أستاذ الإعلام السياسي، الدكتور أحمد بن راشد بن سعيّد إلى ما أسماه "فضيحة جديدة مدوّية: حاولت مذيعة العربية استدراج سمير الحباشنة (وزير داخلية أردني سابق)، لإدانة حركة حماس وتخوينها، والإيحاء بخطرها على الأمن الأردني، غير أنه خيّب كل آمالها، وأفشل كل محاولاتها"، على حد قوله.

وأضاف عبر صفحته على موقع (إكس): "الأسئلة التي طرحتها المذيعة على الضيف كانت سهاما موجهة إلى صدر المقاومة الفلسطينية، ونابعة من أيديولوجية التصهين، والعجيب أنها ترمي (حماس) بما تسميه (التحريض)، ومع ذلك فالعناوين التي واكبتها على الشاشة تحرض جميعها على (حماس) وهي عادة النفاق التي لخصها قول العرب "رمتني بدائها وانسلت".



في سياق الرد على تلك الحملات الرامية إلى شيطنة المقاومة، قال القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أسامة حمدان، في رده على سؤال بشأن الحملة التي تُشن على الحركة بسبب دعوتها الشعب الأردني للتضامن مع غزة: "أدعو أصحاب المعارك الدنكشوتية الوهمية أن يتوقفوا عن مثل هذه التصرفات التي لا تخدم إلا الاحتلال، إن من يطلق هذه الحملات يجد نفسه تلقائيا في مربع الاحتلال، وعليه أن يجيب عن ما إذا كان يوافق على جرائم الاحتلال أو يدعمها".


 
في هذا الإطار رأى الباحث الفلسطيني في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور منصور أبو كريم أن "الهدف من حملات شيطنة المقاومة هو التستر على العجز العربي الرسمي في ظل استمرار العدوان، وتواصل المعركة لستة شهور، وعدم تحميل الدول العربية أية مسؤولية سياسية أو أخلاقية عن ما يجري بحق الشعب الفلسطيني في غزة".

وردا على سؤال "عربي21" عن ما إن كانت المقاومة الفلسطينية باتت تشكل خطرا على السلم الأهلي في بعض الدول العربية، نفى أبو كريم أن تكون كذلك، مستدركا بأنه "لكن في المقابل حتى نكون موضوعيين، هناك دعوات إقليمية تصدر من بعض الأطراف الإقليمية تحاول زعزعة الاستقرار في الدول العربية، مثل الدعوة لتشكيل مليشيا مساندة للمقاومة الفلسطينية في الأردن، وهذا بالطبع يشكل خطرا على الأمن الأردني".

وأضاف: "بالتالي هناك محاولة إقليمية للاستفادة من حالة الصراع، وتصعيده في المنطقة، لا سيما أن الصراع في الشرق الأوسط على أوجه، فهناك صراع ما بين إسرائيل وإيران بالوكالة سواء في سوريا أو لبنان أو غزة، وهذه الحالة تشكل تهديدا للاستقرار والأمن في الشرق الأوسط، وتسعى بعض الأطراف الإقليمية للاستفادة منها لزعزعة الاستقرار في الدول العربية".

وأرجع أبو كريم اشتداد حملة شيطنة المقاومة في الآونة الأخيرة إلى "وصول الأوضاع إلى حافة الانفجار، وصعوبة الوصول إلى تهدئة، وإصرار إسرائيل على استمرار العدوان مع عدم قدرة الأطراف العربية والدولية على كبح جماح القوة الإسرائيلية، لذا فإنها تظهر حملات ومحاولات تحميل المقاومة الفلسطينية تبعات ما يحدث من قتل وتدمير للشعب الفلسطيني بما يصب في شيطنتها".


     د. منصور أبو كريم، باحث فلسطيني في الشؤون السياسية والعلاقات العامة

من جانبه لفت الكاتب والمحلل السياسي الأردني، حلمي الأسمر، إلى أن "شيطنة المقاومة كانت منذ عملية طوفان الأقصى، لكنها ازدادت شراسة في الأيام الأخيرة، وغايتها حرف بوصلة "الطوفان"، التي كانت من أجل الأقصى والتي يجب أن تبقى كذلك، وهنا يجب الحذر الشديد من الوقوع في مخططات الكيان الصهيوني، الذي يسعى في إطار تصدير أزماته للخارج إلى افتعال الفتن في العالم العربي وتأجيجها، لحرف البوصلة عن فلسطين والأقصى ونصرة غزة ودعمها".

وأضاف: "ولا يخفى أن اشتداد حملة شيطنة المقاومة يرجع إلى صمودها البطولي وصلابتها في مواجهة العدوان والاحتلال، وفاعليتها في أرض الميدان، وثباتها في مناجزة العدو خلال أشهر الحرب التي تقترب من شهرها السابع، وأما دوافع المنخرطين في تلك الحملة فتستهدف إضعاف المقاومة بكل الطرق وكشف ظهرها، وتسعى ثانيا، إلى حرمانها من قطف ثمار النصر، وهذا هو الهدف الأسمى والأهم لهم".

وواصل الأسمر حديثه لـ"عربي21" بالقول: "يتمثل قطف ثمار نصر المقاومة بترسيخ نهجها المقاوم، وإعادة رسم خارطة المنطقة، وتغيير البيئة الاستراتيجية للمفاعيل التي توجه الأحداث وترسم السياسات، لذا فإن الجهود كلها الآن تتركز للحيلولة دون تمكين المقاومة من قطف ثمار نصرها، مع أنها انتصرت فعلا بصمودها وثباتها وتصديها البطولي للعدوان".

وعن اتهام المقاومة بإشعال الفتن الداخلية، وتهديد السلم الأهلي في الدول العربية، بدعوة الشعوب لنصرة غزة والتضامن معها، أوضح الأسمر أن مثل هذه التوجهات ما هي إلا "ترسيخ لذهنية سايكس بيكو التي قسمت المنطقة إلى جزئيات صغيرة لا تتوافر لديها مقومات الدولة، وترتب على هذا مصالح عديدة وطبقات من المستفيدين الذين رأوا في الزلزال الذي ضرب المنطقة خطرا يهدد مصالحهم ومكتسباتهم التي أحرزوها في المدة السابقة، ما حركهم بشراسة لمهاجمة المقاومة ونهجها".

وتابع: "تلك الطبقات والنخب المستفيدة من تقسيمات سايكس بيكو ترى أن خط التحرير والمقاومة يتناقض مع مصالحها التي تحققت لها من قبل، ومع أنها كانت تتحدث كثيرا عن الوحدة العربية، والمصير المشترك، والأمة العربية الواحدة، إلا أننا حينما اقتربنا من أن نكون بالفعل أمة عربية واحدة حركتها المقاومة، وجعلت مشاعرها تتجه إلى الأقصى كنقطة مركزية جامعة انكشفت عورة تلك الطبقات والنخب، بما تقوم به من حملات شيطنة المقاومة ومحاربة نهجها".


                                  حلمي الأسمر، كاتب ومحلل سياسي أردني

بدوره أكدّ الكاتب والباحث المغربي في العلوم السياسية، الدكتور عبد الرحمن الشعيري منظور، أن دوافع حملات شيطنة المقاومة، وتحريض بعض الأنظمة العربية لقمع الفعاليات الداعمة لها "نابعة من الاصطفاف السياسي لممولّيها وتحالفهم مع دولة الاحتلال، وهي من استحقاقات توجهاتها في استئصال إرادة الشعوب في الوحدة والاستقلال والتحرر من الاستبداد السياسي، ومن هيمنة الاستكبار الغربي الذي تعد "إسرائيل" عنوانه الأبرز في المنطقة العربية".

وتابع في حواره مع "عربي21": "المقاومة الفلسطينية في صيغتها الإسلامية نأت بنفسها منذ التأسيس عن التدخل في الشأن الداخلي للدول العربية، ودعوات قادة المقاومة الشعوب العربية إلى مزيد من الحراك والضغط السياسي لإيقاف اتفاقيات التطبيع مع دولة الاحتلال تذكير لهذه الدول والشعوب بواجبهم تجاه فلسطين المحتلة، وثوابتها التاريخية المجمع عليها عربيا وإسلاميا".

وأردف: "لكن الحملات الإعلامية المغرضة تحاول استغلالها لتحريض الحكومات لقمع التظاهر السلمي لفلسطين، تماهيا مع تحالفها السياسي المطلق مع دولة الاحتلال بخلاف دول مثل المغرب والأردن اللذين توجد فيهما قوى سياسية مناهضة تاريخيا للتطبيع والاحتلال، وفيهما تقاليد سياسية تعد التظاهر السلمي من عناوينه البارزة رغم محاولات المنع والتضييق".

وأرجع منظور اشتداد حملة شيطنة المقاومة، وتوسع دائرة مهاجمتها إلى "صمود المقاومة والشعب الفلسطيني أمام وحشية جرائم الاحتلال، التي كشفته أمام شعوب العالم، وأظهرت هزيمته الأخلاقية، وكذلك إلى فشل خيارات الضغط السياسي لتصفية القضية الفلسطينية عبر المفاوضات الأخيرة، ثم انكشاف مخططات هذه الدول المتحالفة مع (إسرائيل) في القضاء على المقاومة، وفي استئصال القوى السياسية العربية المناهضة للاستبداد السياسي والاحتلال الإسرائيلي".