سياسة عربية

تداعيات كارثية لصراع السودان على مصر تتجاوز أزمة سد النهضة

استمرار الصراع وانحداره يهدد المصالح المصرية في السودان- سونا
قبل شهر من اندلاع الصراع المسلح في السودان، أعلن وزير خارجية مصر، سامح شكري، أن كل الخيارات مفتوحة في أزمة سد النهضة وتظل جميع البدائل متاحة.. ومصر لها قدراتها وعلاقاتها الخارجية ولها إمكانياتها، وهو ما رفضته إثيوبيا واعتبرت تصريحات الوزير المصري "غير مسؤولة".

في تعقيد جديد لأزمة سد النهضة، التي تشهد فيها المفاوضات بين الدول الثلاث جمودا حاليا جاء النزاع المسلح في السودان ليلقي بظلال من الشك هو قوة الموقف التفاوضي لدولتي المصب (مصر والسودان) مع دولة المنبع (إثيوبيا) ما يوفر للأخيرة فرصة على طبق من ذهب لاستكمال البناء والملء والتخزين.

وهو ما أشار إليه وزير خارجية مصر الأسبق، عمرو موسى، من أن "احتمال استغلال إثيوبيا للوضع يفاقم مشكلة السد"، لافتا إلى أن بعض المصالح العربية قد تتعارض مع المصالح المصرية الأكثر عمقا في السودان، وكذلك الحال في أفريقيا، هنا يُتوقع من مصر وقفة صريحة وجريئة، إذ إن مصالح القاهرة الحيوية في تلك المنطقة بأسرها أصبحت مهددة وعلى المحك".

وأضاف في منشور له على حسابه الشخصي على موقع "فيسبوك": "أتوقع سياسة ديناميكية من جانبنا وجولات نشطة للدبلوماسية المصرية علي مختلف مستوياتها، علنية وسرّية في المجالين العربي والأفريقي تحجز موقعاً رئيسيا لمصر في مسار الأمور وتقضي على محاولات الاستبعاد من الاتصالات الجارية حاليا.


حقيقة الموقف السوداني

منذ بدء أزمة سد النهضة قبل أكثر من 10 سنوات، تحاول كل من مصر وإثيوبيا استمالة السودان إلى صفها لتعزيز موقفها التفاوضي، ولكن واقعيا فإن الكلمة العليا لأصحاب الأرض، ولم يحسم السودان موقفه بشكل نهائي إلا بعد اتفاق مصر مع السودان على تبني موقف مشترك في ظل قيادة المجلس السيادة العسكري في السودان.

واتفق السودان ومصر منتصف عام 2022 على العمل معا على جميع المستويات لدفع إثيوبيا إلى التفاوض الجاد على اتفاق ملزم ودعت الدولتان المجتمع الدولي للتدخل من خلال مجلس الأمن الدولي بعد مفاوضات شاقة وصفرية منذ عام 2011 دون التوصل إلى أي اتفاق.

في غضون ذلك، تستعد أديس أبابا لبدء الملء الرابع لسد النهضة وتخزين نحو 20 مليار متر مكعب من المياه خلف السد، حيث انتهت العام الماضي من تخزين 22 مليار متر مكعب بعد إنجاز المرحلة الثالثة من ملء خزان السدّ الذي تبلغ سعته نحو 74 مليار متر مكعب من المياه.

لكن بحسب مراقبين ومحللين سياسيين فإن الموقف السوداني يظل غير ثابت بما فيه الكفاية لطمأنة القاهرة، إذ إنه يختلف من الجيش إلى قائد قوات الردع السريع إلى القوى السياسية المدنية، وهو ما يثير قلق المسؤولين المصريين من انفراط التحالف الهش بينهم وبين الجيش السوداني.

أذكت تلك المخاوف ما تم إعلانه نهاية العام الماضي، إذ أعلن كل من السودان وإثيوبيا توصلهما إلى اتفاق لتسوية قضايا سد "النهضة" الإثيوبي والحدود بين البلدين بطريقة سلمية، بعد اللقاء الذي تم بين نائب رئيس مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو (حميدتي) ووزير الخارجية الإثيوبي دمقي مكونن، في العاصمة السودانية الخرطوم.

وفي محاولة لتدارك الجدل الذي أثاره الاتفاق الأخير، أصدر حميدتي، بيانا صحافيا نشرته وكالة الأنباء السودانية، أشار فيه إلى أن "التوصل إلى اتفاق في شأن سد النهضة ينبغي أن يضمن حقوق مصر والسودان وإثيوبيا في حصص نهر النيل"، مؤكدا على أهمية التوصل إلى اتفاق بين الدول الثلاث في شأن سد النهضة حتى يمكن ضمان حقوق جميع الأطراف.


خسائر مصر أبعد من أزمة سد النهضة

في تقديره، يقول مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير عبد الله الأشعل، إن "استمرار الصراع وانحداره على هذا النحو يهدد المصالح المصرية في السودان، ويضر بموقف مصر والسودان في مفاوضات سد النهضة، ولن تدخر إثيوبيا جهدا في استغلال ما يجري لصالحها حيث إنها ستقوم بعملية الملء الرابع دون أي عوائق سياسية".

واعتبر في حديثه لـ"عربي21" أن "ما يجري في السودان يستهدف البلدين مصر والسودان على حد سواء لأن السودان هو العمق الاستراتيجي لمصر، لكن هذا الصراع قد يؤدي إلى تقسيم المقسم وتفتيت السودان وهذا خطر داهم يتهدد البلدين".

وطالب السفير المصري بأن يكون لمصر دور في الصراع العسكري هناك "من خلال العمل على دعم استقرار السودان عبر مساعدة الجيش الذي يمثل البلاد بشكل شرعي محليا وإقليميا ودوليا، ولكن بشكل غير مباشر كما هو الحال مع قوات الدعم السريع التي تدعمها عدة دول بما فيهم إسرائيل للقضاء على ما تبقى من وحدة السودان حتى لا تخسر معركتها في سد النهضة وأمنها القومي أيضا".

وبحسب وزارة الري المصرية، فإن مصر تُعد من أكثر دول العالم التي تُعاني من الشح المائي، وتعتمد بنسبة 97% على مياه نهر النيل، وتصل احتياجات مصر المائية إلى نحو 114 مليار متر مكعب سنويا فيما لا يتجاوز حجم الموارد المائية الـ 60 مليار متر مكعب سنوياً، بعجز يصل إلى 54 مليار متر مكعب سنويا، ويتم سد هذه الفجوة من خلال إعادة استخدام المياه، واستيراد محاصيل زراعية بما يعادل نحو 34 مليار متر مكعب سنوياً.

صراع سوداني وورطة مصرية وفرصة إثيوبية

على الجانب السوداني، يرى الأكاديمي والباحث في الشأن الأفريقي محمد أحمد ضوينا، أن "الاحتراب الداخلي سيكون له تأثيرات كبيرة جدا على الأوضاع في سد النهضة؛ لأن الصراع يشغل دول المصب عن المحاولات المستمرة لإيقاف المراحل النهائية للملء والتشغيل".

وأضاف في حديثه لـ"عربي21" أن "السودان بحربه هذه لا يهتم لأمر سد النهضة، أما مصر فسوف تتأثر على أكثر من جهة، أمنيا واقتصاديا ومائيا، ما يجعلها حريصة على علاج الأزمة السودانية أكثر من اهتمامها بالسد في المرحلة الراهنة، هذا بالإضافة إلى أن مصر وحدها لا تستطيع التعامل مع أزمة السد وحدها دون السودان".

وتابع: "وعليه فإننا نتوقع من إثيوبيا أن تستفيد من هذا المناخ لتكمل عمليات الملء والتشغيل في الشهرين القادمين وهما موسم الأمطار في الجبال الإثيوبية وستمضي بصورة أحادية دون حاجة للحوار مع الدول الأخرى، لاسيما أن السد في مراحله الأخيرة لتمام العمل وربما نشهد في الشهر السابع إنتاج كامل الكهرباء في إثيوبيا".