كتب

ما علاقة آكلي اللحوم بأصل الثقافات والدول؟ كتاب يجيب (1من2)

قراءة مختلفة في نشأة الدول والثقافات

الكتاب: "التحريم والتقديس- نشوء الثقافات والدول"
الكاتب: مارفن هاريس (ترجمة أحمد م. أحمد)
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، الطبعة الأولى، أكتوبر 2020.

ما علاقة آكلي لحوم البشر، بأصل الثقافات والدول؟ هذا هو ما دفعني، لقراءة هذا الكتاب، وهو الكتاب الأول الذي أقرأه في علم الأنثروبولوجيا. وقد صدر عن سلسلة "ترجمان"، في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كتاب "التحريم والتقديس: نشوء الثقافات والدول"، وهو ترجمة أحمد م. أحمد، العربية، لكتاب مارفن هاريس “Cannibals and Kings: The Origins of Cultures” والتي تعني ترجمته الحرفية "آكلي لحوم البشر والملوك، أصل الثقافات".

يعمل، هاريس، أستاذًا في جامعة كولومبيا، ورئيسًا لقسم الأنثروبولوجيا فيها (1963- 1966)، وله كتب عدة، منها "نشوء النظرية الأنثروبولوجية: تاريخ النظريات الثقافية"، و"الثقافة، الإنسان، والطبيعة: مقدمة في الأنثروبولوجيا العامة"، ومقدسات ومحرمات وحروب: ألغاز الثقافة". اهتم، هاريس، في مؤلفاته، بتأثير العوامل الديموغرافية وعوامل الإنتاج على النظام الاجتماعي الثقافي، باعتبارها مساهِمة بشكل أساسي في تحديد الهيكل الاجتماعي للمجتمع وثقافته.

يبدأ، هاريس، مقدمة كتابه، بمناقشة وجهة نظر العلماء الفيكتوريين، التي ترى أن تطور الثقافة بدا كأنه حج إلى سفح جبل شاهق، تستطيع الشعوب المتحضرة من على قمته، أن تنظر إلى مستويات متفاوتة من الوحشية والبربرية، التي تصدر عن ثقافات "أدنى". ص (7)

ويرى، هاريس، أن الفيكتوريون قد ضخموا مسألة الفقر المادي لدى ما يسمون بـ "المتوحشين"، وفي الوقت ذاته، رفعوا من شأن مكتسبات "الحضارة" الصناعية. وأضاف إلى أن غرضه، من هذا الكتاب، استبدال فكرة التقدم، ما قبل الحقبة الفيكتورية وما بعدها، ببيان أكثر واقعية للارتقاء الثقافي.
 
في الفصل الأول "الثقافة والطبيعة" يحكى لنا هاريس عما وجدته، الرحلات الاستكشافية، في عصر الاستكشاف الأوروبي الكبير، من جماعات، ومجتمعات قروية، كانت لا تزال تعيش مثل أسلافهم المنسيين، في العصر الحجري: وجدوا منها ما هو مؤلف من عشرين إلى ثلاثين شخص، موزعين عبر أقاليم واسعة، دائمي الترحال، ومعتمدين بالكامل على صيد الحيوانات، وجمع النباتات البرية. ويحاول، هاريس اكتشاف لماذا ترك بعض الشعوب الصيد وجمع الثمار كطريقة للحياة، واستمرت بها شعوب أخرى؟ ومنها هؤلاء الذين اعتمدوا الزراعة، لماذا اقتنع بعض الآخرين بالحياة القروية، بينما انتقل، بعضهم الآخر، بخطى ثابتة إلى مرحلة الدولة؟ 

يطرح هاريس، سؤالًا مهما، وهو لماذا يقوم الناس بحل مشاكلهم الاقتصادية برفع وتيرة الإنتاج؟ ويجيب بأنه من الناحية النظرية، فإن الطريقة الأسهل لتحقيق نظام غذائي عالي المردود، وحياة خالية من الكدح والتعب، ليست في زيادة الإنتاج، بل في تقليص عدد السكان. وإن حدث، لسبب ما، شيء خارج عن سيطرة انخفضت على إثرَه حصة كل فرد من الموارد الطبيعية إلى النصف، "فلن يحتاج الناس إلى محاولة العمل بجهد مضاعف لتعويض النقص. وبدلًا من ذلك، عليهم أن يخفضوا عدد سكانهم إلى النصف، أو ـ كما يجدر بي القول ـ قد تمكنوا فعلًا من القيام بذلك حيثما لم يكن في الأمر مشكلة كبيرة لأحد". ص (15)

يرفض، هاريس، في بداية الفصل الثاني "القتل في عدن" الفكرة التي درج التأكيد عليها في البحوث الأنثروبولوجية، بأن نشوء القرى الزراعية كانت بسبب عدم استطاعة جماعات الصيد إنتاج فائض يفوق حاجتهم، وهو ما دفعهم إلى البحث عن الاستقرار في قرى دائمة، قبل أن يقرر "عبقري مجهول" رمي بعض البذار في أحد الترب، الأمر الذي جعلهم يكتشفون الزراعة لاحقًا مما جعل هذه الجماعات القروية ترنو إلى الاستقرار بدلًا من الخروج يوميًا بحثًا عن الطرائد.
 
يأتي رفض، هاريس، لهذه النظرية؛ من الدلائل الأثرية التي تعود إلى 30 ألف عام، قبل الميلاد، والتي أوضحت أن الصيادين الذي عاشوا، في تلك الحقبة البعيدة الزمن، "تمتعوا بمستويات عالية نسبيًا من الرخاء والأمان"، كما أن علماء الآثار وجدوا في أماكن مختلفة "كميات هائلة من عظام الحيوانات المكدسة، في مواقع قتل متعددة، تعود للعصر الحجري القديم"، وهو ما قاد، هاريس، إلى الاستنتاج بأن الصيادين، وجامعي الثمار نعموا، معًا، بمستوى معيشة جيدة، بسبب إبقائهم على تعدادهم السكاني منخفضًا، ليتناسب مع صيدهم اليومي. وأكد أن السؤال هو: كيف حافظوا على انخفاض تعداد سكانهم؟ ويرى هاريس، أن هذا الموضوع يبرز على أنه الحلقة المفقودة الأكثر أهمية في محاولة فهم تطور الثقافات.

في الفصل الثالث "أصل الزراعة" يقدم، هاريس، مجموعة من الأدلة على أن تطور الزراعة لم يتسبب في زيادة عدد السكان بقدر ما كان ابتكارها، أساسًا، لمواجهة نقص الغذاء الناتج عن قتل الثدييات المحلية الكبيرة منذ آلاف السنين، فضلًا عن النقص الذي سببته موجه الاحتباس الحراري، التي أنهت العصر الجليدي الأخير منذ حوالي 13000 سنة. ويوضح هاريس أن نشوء الحياة القروية كان استجابة لاستنزاف الموارد الذي حل عندما زادت كثافة العيش على أسلوب جمع الثمار والصيد. فيقول "إن ما يمنع الصيادين وجامعي الثمار من الانتقال إلى الزراعة ليس الأفكار، بل التكلفة/ المكاسب. إن فكرة الزراعة لا جدوى منها عندما تستطيع الحصول على كل اللحوم والخضروات التي تريد، عبر الصيد، وجمع الثمار، لمدة ساعات قليلة في الأسبوع". ص (45) 

يعارض، هاريس، في الفصل الرابع "أصل الحرب" فكرة أن الحرب بدأت مع استيطان القرى ونمو الدولة، وأن الصيادين وجامعي الثمار، ليسوا تعبيرًا حقيقيًا عن شعوب ما قبل التاريخ. حيث يرى، هاريس، أن الحرب ممارسة موغلة في القدم، غير أن سماتها اختلفت في حقب التاريخ، وما قبل التاريخ المتلاحقة. ويعترف هاريس، بأن الحرب ربما كانت أقل تواترًا وأقل فتكًا في العصر الحجري القديم. ففي المجتمعات القديمة، كان ثمة حاجة أقل إلى الصراع على الأرض، وإحساس أقل بالهوية المشتركة، ومن ثمّ تقل احتمالية كره الآخر. وأن من المرجح أن الحرب أصبحت أكثر شيوعًا وأشد ضراوة بعد تطور الزراعة.

يميل هاريس إلى إنكار فكرة أن التوازن بين الناس والموارد هو سبب الحرب بين الجماعة والقرية، حيث يعتقد أن سبب كارثة الحرب ينبع من عدم قدرة شعوب ما قبل الصناعة على تطوير وسائل حصيفة وقليلة التكاليف تحقق كثافات سكانية منخفضة. ص (56)

لإثبات وجهة نظره، ناقش هاريس بعض التفاسير البديلة، وحاول أن يثبت أنها لا تفي بالغرض، فناقش فكرة الحرب كتضامن، والحرب كلعب، والحرب كطبيعة بشرية، والحرب كسياسة.

 

يكشف، هاريس، في الفصل السادس "أصل التفوق الذكوري وعقدة أوديب"، عن أن ممارسة الحروب هي المسؤولة عن منظومات التفوّق الذكوري؛ فقد نشأت هذه النظم نتيجة الحروب واحتكار الذكور الأسلحة، واستعمال الجنس لتغذية الصفات الذكورية العدوانية.

 



في مقدمة الفصل الخامس" البروتينات والشعب العنيف" يشير هاريس، أن المقصود بالشعب العنيف هو شعب اليانومامو، الذين يعيشون في الغابات، على امتداد الحدود بين البرازيل، وفنزويلا، قرب منابع نهري ريو نجرو، وأورينوكو. وهو لقب أطلقه عليهم عالم الأنثروبولوجيا، نابليون شاغنون، لما تمثله الحروب والمعارك من دور بارز بالنسبة لهم.

يرى هاريس أن التنافس على الموارد، لا يبدو سببًا مقنعًا للحروب بين قرى اليانومامو، فهناك رقع شاسعة من الأرض، قابلة للحراثة وزاخرة بالصيد، بين القرى. ولكنه يعتقد بأن السبب الرئيسي، لهذه الحروب، يكمن في النمط القاسي من السيطرة الذكورية، التي يمارسها اليانومامو، من تعدد للزوجات، وقتل للأطفال الإناث، وهو ما نتج عنه نسبة جنسية متفاوتة بشكل كبير، ويقول هاريس "إن النقص في عدد النساء، هو نتيجة غير مباشرة للموقف الذي يقدر الذكورة، يؤدي إلى منافسة شرسة، وبذلك تعزز عقدة وايتري بكاملها (عقدة العنف الذكوري) بما ينتج عنه اقتتال واعتداء." ص (73)

حاول، هاريس، في هذا الفصل، أن يقدم، دليلًا وافيًا، لتبيان أن حالة اليانومامو تدعم نظرية أن الحرب في مجتمعات القرية والجماعة هي جزء من نظام لتفريق السكان وإبطاء معدل النمو.

يكشف، هاريس، في الفصل السادس "أصل التفوق الذكوري وعقدة أوديب"، عن أن ممارسة الحروب هي المسؤولة عن منظومات التفوّق الذكوري؛ فقد نشأت هذه النظم نتيجة الحروب واحتكار الذكور الأسلحة، واستعمال الجنس لتغذية الصفات الذكورية العدوانية. ويؤكد، هاريس، على أن الحرب ليست تعبيرَا عن الطبيعة البشرية، بل استجابة للضغوط البيئية والانجابية.

ناقش هاريس الاختلافات بين المجتمعات الأبوية والمجتمعات الأمومية، وحاول تفسير التنوع في كثافة الحروب ومجالها، وحاول الكشف عن أسبا نزوع بعض الجماعات إلى الحروب أكثر من غيرها؟ ولمَ يمارس البعض أشكالًا خارجية من الغزو والآخر يمارس أشكالًا داخلية منها؟ ويصل هاريس إلى استنتاج بأن " لم تكن عقدة أوديب سبب الحرب؛ بل الحرب هي سبب عقدة أوديب" ص. (95)

يختتم هاريس الفصل بقوله "لا تعني حقيقة أن الحرب والتحيز الجنسي أديا دور مهيمن في العلاقات الإنسانية، أنهما يجب أن يستمرا كذلك في المستقبل، ويضيف أن ستتوقف ممارسة الحروب والتحيز الجنسي عندما تتحقق وظائفهما البيئية والإنتاجية والانجابية ويُستعاض عنها ببدائل أخرى أقل كلفة، ورأى أن هذه البدائل في متناولنا الآن لأول مرة في التاريخ". ص (96)، ولكنه لم يذكر لنا هذه البدائل.