تقارير

سيرة مؤسس عائلة البديري ومكتبتها بفلسطين محمد أفندي

اللوحة الخاصة بالمكتبة البديرية على مقربة من المسجد الأقصى.. (عربي21)

لم يكن مجرد شاعر، بل هو مؤسس عائلة ومكتبة وطريقة صوفية في القدس وفلسطين. إنه الشاعر الشيخ المفتي (غير المرسّم) محمد بدير بن سيرين الشهير بابن حبيش الشافعي المقدسي (1747ـ 1805).

هو محمد بدير بن سيرين، هاجرت عائلته من المغرب إلى مصر وهو ابن سبع سنين، فقرأ القرآن وحضر دروس الشيخ عيسى البراوي فتفقّه عليه. وأمضى في القاهرة أعواماً كثيرة يدرس في الأزهر وفي غيره من دور العلم. واتصل بالشيخ محمود الكردي الكوراني (العراقي)، شيخ الطريقة الخلوتية، فأخذها منه حيث لقّنه أسرار الذكر، وأمره بالتوجّه إلى بيت المقدس، فجاءها سنة 1870م واتخذ مقاماً في الحرم (أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني ـ عادل مناع).
 
تولى التدريس والإرشاد في المسجد الأقصى. كان حاد الذهن فصار له القبول عند الأمراء والوزراء. وقُبلت شفاعته عندهم لكنه لم يقبل المناصب الرسمية. ولأنه لم يدخل حلبة التنافس على الوظائف العلمية الرسمية، اكتسب احترام الأهالي وتقديرهم. بل لقد ورد اسم البديري أيضاً إلى جانب المفتي أبو السعود في عدد كبير من الأوامر السلطانية ومراسيم ولاة الشام وعكا أيام الحملة الفرنسية.

لقد كسب البديري احترام أهالي القدس وحكامها إذن بسبب وفرة علمه وكراماته كشيخ للصوفية وابتعاده عن الصراعات على الوظائف الحكومية. (لواء القدس في أواسط العهد العثماني ـ عادل مناع).

وكما ذكرت المصادر، فإنه درّس في مختلف العلوم ومنها الفلك، وعقد حلقات الذكر في المسجد الأقصى المبارك، وفي بيته الملاصق لسور المسجد الأقصى من الجهة الغربية، عند باب المجلس.

 


 
وقد بقي محمد أفندي في القدس يدرّس ويعظ ويرشد ويقيم الأذكار حتى وافته المنية في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 1805م، فدُفن في داره التي بقيت مسكناً لأفراد العائلة وزاوية للصوفية أجيالاً كثيرة.

وإلى محمد أفندي البديري يُنسب سبيل البديري أو سبيل الشيخ بدير، والذي يُعرف أيضاً بسبيل عثمان بك، في القسم الشمالي الغربي لساحة المسجد الأقصى وتبعد حوالي 20 متراً إلى الجنوب الشرقي من باب الناظر. ويرجح الباحثون أن يكون سبب هذه التسمية هو تملّك وإقامة الشيخ بدير في زاوية تقع قبالة هذا السبيل. (أعلام القدس في القرن الثالث عشر ـ موقع أخوات الأقصى).

كتب محمد البديري عدة مؤلفات في شؤون الدين والأدب حُفظت كمخطوطات في مكتبته التي سميت فيما بعد مكتبة البديري التي أصبحت من مكتبات القدس المعتبرة التي كان فيها ألف مخطوط. (راجع تقرير: كنوز مكتبة البديري ـ موقع مدينة القدس).

 



نظم البديري الكثير من الشعر الذي اندثر بسبب الظروف وعدم العناية بالطباعة والنسخ في تلك الأيام. ومما يدلل على اهتمامه بالشعر وأهميته عنده وإدراكه لتأثيره، أنه حين أراد أن ينصر الجزار بعد صموده في عكا بوجه نابليون لم يكتب رسالة أو خطبة، بل نظم قصيدة اشتهرت وعمّت الأمصار، كتبها في مدح أحمد باشا الجزار بعد تغلبه على الفرنسيين، وذلك رغم شهرته كفقيه وشيخ طريقة.

وهي قصيدة تتألف من 157 بيتاً من بحر البسيط، وقد أثبت القصيدة الباحث محمد سعيد رمان في كتابه (أخبار الحملة الفرنسية على مصر وفلسطين في سجلات محكمة القدس الشرعية). حيث تحدث فيها البديري عن المصيبة النازلة بالمسلمين بوصول الفرنسيين إلى بلاد الشام، وقال إنها لما توجّهت إلى عكا أرسل الله عليها شهب انتقامه، ومكّن منها أعناقها بحسامه فرُدّت خاسئة خاسرة، ويقول فيها:

اللهُ أكبرُ دينُ اللهِ قَد نُصِرا               وَأَشرقَ النَّصرُ في الآفاقِ وانتَشَرا
وكانَ هَذا بِفضلِ اللهِ مُنتَظَراً                     بِنَصرِ أحمدَ باشا سَيَّدِ الوُزَرَا
الله أكبر ما عكا ووقعتها                                 إلا كوقعة بدرٍ زادها كبرا
وعادَ للدّينِ إعزازٌ سَما وَنَما                  وَباءَ بالخِزيِ والخُذلانِ مَن كَفَرا
آياتُ فَتْحٍ أَبَانَ اللهُ عزَّتَها                     بِنور هَديٍ عَلَى الآفاقِ قَد نُشِرا
وَما دَرَى أَنَّهُ يَوماً سَيَهلَكُ في                مَهَالِكِ السُّوءِ فِيها عَمَّهُ ضَرَرا
وَجَالَ في خَوضِهِ فِيما يُوَصِّلهُ          خَوضاً، وَكانَ قُصارى خَوضِهِ قَصرا
وَرامَ أَدنى بِلادِ الشَّامِ فَانبَعَثَتْ              إِليهِ أَحْجَارُ خِزيٍ تُشبِهُ المَطَرا
فَزَلْزَلَتْ مِنهُ أَركاناً كَما اتَّصَلَت         عَلَيهِ شُهْبُ لَظى تَرْمي بِهِ الشَّرَرا
فَاسْتُشهِدَ المُسلِمونَ الطَّيِّبُونَ بِها     وأُلبِسوا حُللاً مِن سندسٍ خُضرا
فازوا بِنَيلِ المُنى لله ما فَعَلوا              وَباءَ بِالخُسرِ مَن بِالدِّينِ قَد مَكَرا
أَذَاقَهُ اللهُ ذُلَّ اليَأسِ مُذْ رَحَلَتْ               عَنه الأَمَاني وَبِالضَّرَّاءِ قَد غُمِرا


وقد حظيت عائلة البديري بحماية آل الحسيني ودعمهم مما عزز من مكانة هذا الشيخ في المدينة. وقد سار أولاده على خطاه، وعرف منهم عبد االله أفندي أحد زعماء ثورة ١٨٣٤ ضد الحكم المصري. 

ومما يدل على مكانة الشيخ محمد أن عائلة البديري، كما ذكر بحث (النخبة المقدسية، علماء المدينة وأعيانها ـ حوليات القدس)، قد قُبلت في مجتمع القدس ونخبتها وتم اندماجها بنجاح. مثل هذه الحالة كانت نادرة منذ أواخر القرن الثامن عشر وخلال القرن الذي تلاه.

 



لم تصلنا أشعار البديري التي بقي معظمها مخطوطاً في مكتبته، إلا أن الشعر عنده كان له مكانة خاصة لم تظهر في آثاره العلمية والأدبية.

 

*كاتب وشاعر فلسطيني