أخبار ثقافية

قبسٌ من أغاني رمضان المصرية

الجدل الفقهي الطويل حول موقع الموسيقى من الإباحة والحُرمة لم يمنع الموسيقيِّين من تقديم أغانٍ تحتفي بمقدَّسات الدِّين- أرشيفية

في هذا المقال نحاول الدخول إلى عالَم أغاني رمضان المصرية دون مقدماتٍ طويلة. نكتفي بالإشارة إلى غرابة ظاهرة الأغنية الدينية في سياق الشَّدّ بين الدِّين الإسلاميِّ والموسيقى.

 

فالجدل الفقهي الطويل حول موقع الموسيقى من الإباحة والحُرمة لم يمنع الموسيقيِّين من تقديم أغانٍ تحتفي بمقدَّسات الدِّين، وتتحدث كلماتُها عن العبادة والاستمساك بالسُّنَّة والتقرُّب إلى الله.

 

وفي رأيي أنّ الظاهرة باختصارٍ تعبِّر عن حتميّةٍ حضاريّةٍ وتمثِّلُ تجلِّيًا لنزوعٍ أصيلٍ مركوزٍ في النفس الإنسانيّةِ إلى أن تطالَ يَدُ الفَنِّ كُلَّ ما قد يصلُ إلى محيطِها من ظواهر، كما لا تَقصُر يدُ الدِّين بدَورِها عن الحُكم على كُلّ ما في المحيط الإنسانيِّ من ظواهِر.

 

ولأنَّ الجدَل خارجٌ عن دائرة اهتمام المقال، فسننحّيه جانبًا، ونستمع إلى ثمان أغانٍ مختارةٍ من المنجز الغنائيِّ المصريِّ في النصف الثاني من القرن العشرين، على أن نتناول غيرَها إن شاء الله حين نلتقي في رمضاناتٍ مُقبِلة. 


(هلّت ليالي) لفريد الأطرش: سهولة المأخذ وروح التديُّن الشعبي:

 


تبدأ المقدمة الموسيقية بحوار بين الناي والوتريات في مقام البياتي على إيقاع المقسوم، ثم تختتم المقدمة بأداء الوتريات جملة هابطة من جواب نغمة الركوز إلى قرارِها على درجة (ري).

 

يتسلم (فريد) الغناء في سلاسة أدائه البسيط المعهودة. وقد صاغ (بيرم التونسي) الكلماتِ في بحرٍ مُوَلَّد هو البحرُ اللاحق (مستفعلاتُن مستفعلاتُن) وهو كثير الدوران في الأغنية المصرية بخاصّة.

 

ويتكرر لحن المقدمة في الفواصل بن المذهب والكوبليهات. جاءت الكلمات بسيطة للغاية، ففي الكوبليه الثاني "ليالي حلوة نشتاق إليها/ وفيها ليلة الله عليها/ القَدر فيها اللهُ أكبر/ يوعدنا بيها اللهُ أكبر/ ويا رب توبة في العمر نوبة وتكون قريبة تسعِد آمالي".


ويتحول اللحن إلى مقام الراست الفرِح في "القدر فيها" ثم يعود إلى دفء البياتي مع "ويارَبّ توبة".

جاء لحن فريد راقصًا للغاية، حتى إننا لا نشتطّ كثيرًا حين نتخيل راقصةً تصاحبُ أداءه! وفي تقديري أنّ هذا المَيل منه إلى إلباس الفرح برمضان هذا الثوب الدافئ المشبع بالرقص والمطرَّز بالفرَح يكاد يمسك برُوح الممارسة الشعبية الدينية في مصر، حيث التصوُّر العامّ للدِّين ودَورِه بسيطٌ للغاية، والناس تتبع غريزتها التي تُملي عليها أنّ المناسبات الدينية للتقارُب والاحتفال لا لإرهاق النفس والجسَد في كثرة العبادة! ولعلّ هذا يفسّر سهولة المأخذ اللحني للدعاء بقُرب التوبة، فقد جعله فريد رجوعًا إلى المقام الأساسي للأغنية، فهو لا يتشنّج ولا يتلهّف في توبتِه المرجُوَّة، وإنما هي جزءٌ بسيطٌ من نسيج حياته الدافئة لا ينِدُّ عنها.

تنتهي اللازمة الموسيقية الثانية بالنزول إلى درجة (ري) بطريقٍ مختلفةٍ عن سلّم البياتي، حيث ينحرف اللحن إلى مقام الحجاز بحمولته الحزينة.

 

وهو تصرُّف لحني قد يبدو غريبًا، حيث تقول كلمات الكوبليه الثاني "في كل لحظة أقول يا ربي/ إنت اللي إسمك يسُرّ قلبي"، لكن يبدو أن (فريد) رأى من اللائق أن يُلبِس هذه المناجاة ثوب الخشية المرتبط بمقام الحجاز وإن كان الحديث عن سرور القلب باسم الله.

 

ثم إنه يعود إلى الراست في "على جمالك الله أكبر/ على جلالك الله أكبر" ليعود إلى البياتي في "كل التمنّي لو ترضى عنّي واعيش مهنّي ولا أُبالي". وفي تقديري أنّ سير اللحن على هذه الوتيرة في هذا الكوبليه يجعله يبدو غريبًا بعض الشيء مع كلماتٍ تحتفي بالمناجاة بين فردٍ وربِّه، لاسيّما مع ردود الكورّس بعبارة (اللهُ أكبر)، حيث نستشعر غياب الآخَرين في هذه الكلمات، لاسيّما بعد حضور الكلام بصيغة الجمع في المذهب والكوبليه الأول "نشتاق إليها".

 

إلاّ أنّ هذه المراوحة بين لسان الفرد وحضور الجماعة في نفس الجو اللحني الدافئ الراقص يكرّس فكرة سهولة المأخذ التي أسلفنا الكلام عليها، فكأنّ المناجاة الفردية جزءٌ لا يتجزّأ من الحياة الاجتماعية الدافئة للمصريين.  

في الفاصل الآلي الأخير يمنح فريد الناي صولو راقصًا في مقام الراست (يبدأ في الثانية 12:17 من هذا الفيديو) قبل أن يتسلم منه الغناء في نفس المقام حيث تتحول الكلمات إلى البحر البسيط "ساعة رضاك يا إلهي أسعد الأوقات"، قبل أن يعرّج (فريد) على النهاوند متأمّلاً ما يقوله ومكررًا إيّاه، ليعود إلى الراست في موّال طويل يُبرز فرادة (فريد) ومقدرته الأدائية الاستثنائيّة "وإنت سلطان جمالك يتعبد بالذات/ أنا أسألك يا رفيع العرش والدرجات/ بجاه نبينا محمَّد سيّد الكونين" ليعود إلى البياتي في "تنعِم على المؤمنين باليُمن والبركات".  

(اصحى يا نايم) لكارم محمود – روحانيّة صافية:

 


مدخل في مقام الهُزام، تقوم بدور طبلة المسحراتي فيه الطبلة مع القانون والكونتراباص بينما تصاحب الكمنجات صوت كارم. تنساب كلمات الشاعر (عبد اللطيف البسيوني) في مجزوء الوافر "يا رُوح من فوق نازل هايم/ يقول للصاحي والنايم/ مافيش دايم غير الدايم" على إيقاع رباعي رصين يكرّس رُوحانيّةَ الكلمات.

 

يتحول اللحن الذي وضعه (كارم) إلى مقام الراست مواكبًا للفرح الساكن في الكوبليه الأول "روايح هابّة مِ الجَنَّة/ يا عِزّ اللي حيتهَنّا"، ثم يعود إلى الهُزام مع قوله "دانا طمعان وباتمنّى/ أشوف نورها واطول خيرها" حيث يبدو إحساس الإشفاق الملازِم لهذا المقام مناسبًا تمامًا لشعور الخشية والخوف من تفويت أنوار رمضان وأجواء التقوى المهيمنة على الكلمات. 

في الكوبليه الثاني "يا مدبولي يا عبد الله/ يا بخته من بنى وعَلَّى" يقطّع كارم الكلمات مؤكِّدًا النبرات القوية ومتماهيًا مع أداء المسحّراتي بالفعل، ويعرّج اللحن هنا على العجَم، ثم يكرر الكورَس الشطر الثاني "يا بخته من بنى وعلَّى" هابطًا إلى قرار العجم (درجة دو) بطريق الراست ثم يصعد إلى جواب (دو) على الراست كذلك، ويسبح (كارم) مع الشطر الثالث من الكوبليه "وشوف نورُه بيتجلَّى" إلى الديوان الأعلى في مقام الراست، حيث ينقل إلينا بذلك شعورًا بفرَحٍ شبيهٍ بما يصفه الصوفيّة من فرَحٍ مقام المُشاهَدَة.

 

أما في الشطر التالي "ونام ساعة وقام ساعة وقال دي الدنيا خدّاعة" فاللحن يبدأ في العجَم ثم يعرّج سريعًا على النهاوند المرصَّع في "دي الدنيا خدّاعة" حيث تنقل المسافات النغمية النصفيّة في المسافة المحصورة بين نغمتَي (سي بيمول وفا دييز) شعورًا بالتأمُّل الحزين الذي لا يخلو من صدمةٍ مناسبةٍ لخداع الدنيا.

 

ثم يعود كارم إلى المذهب في الهُزام المقام الأساسي للأغنية. والحَقّ أنّ هذه الأغنية بكلماتها ولحنها ربما تُعَدُّ الأوفر حظًّا من الروحانية الصادقة بين أغاني رمضان الشائعة في مصر، ولاريبَ أنّ أداء (كارم) السلِس إلى درجة الكمال قد آزرَ اللحنَ المخلِص للتعبير عن هذه الروحانية. 

(باب الغفران) لليلى مُراد:

 

 

من كلمات محمد مراد فؤاد ولحن سيد مكاوي. أتت الكلمات في بحر الخَبَب "باب الغفران بخَمَسْةِ اركان .." وقد واكب (مكّاوي) الكلمات البسيطة "وتلاقي الحُور داير ما يدور يتمنوا أوامرك وكلامك" بلحن راقص في مقام الراست، أما أداء ليلى مراد فقد جاء على مقاس الأغنية البسيطة التي لم تتطلّب بالضرورة أداءً استثنائيًّا، وربما جاء هذا مناسبًا للمرحلة العُمرية التي غنّت فيها هذه الأغنية حيث لم تعُد قدراتها الأدائيّة في تلك المرحلة كما كانت في بداياتها. 

(أهلاً رمضان) لعبده السروجي –  مجلس أُنس:

 


المقدمة للوتريات والناي هنا أيضًا في مقام الهُزام، وهو يبدو مقامًا مغريًا جدًّا بالتلحين فيه إذا تعلّق الأمر برمضان، لكنّه كذلك مقام (غريب الدار) الأغنية الأشهر لـ(محمد قاسم) ملحّن هذه الأغنية.

 

لكنّ اللحن هنا راقصٌ تمامًا بعكس (اصحى يا نايم) لكارم محمود، والإيقاع السائد رباعيٌّ هو المصمودي الكبير.

 

يبدأ كورَس الآنسات الغناءَ ويرُدّ (السروجي) أولاً بكلمة (أهلاً) فقط ثم يتسلّم الدفّة مع الغصن الأول. الكلمات التي كتبَها الشيخ (محمد الفيومي) بسيطةٌ، هنا أيضًا في بحر الخبب "أهلاً أهلاً يا رمضان/ بعد الغيبة هلالك بان/ شهر عبادة وزِكا وصيام".

 

والملمح الأبرز هو بصمة صوت (السروجي) المتفرّدة، فهو صوتٌ بالغ الطلاوة وإن افتقد القوّة التي نجدُها في أداء كارم أو فريد الأطرش، ما يجعله يبدو لمستمعِيه واحدًا منهم، كأنه يغنّي لهم في مجلس أُنسٍ بين صُحبةٍ من الأهل والأصدقاء.

 

والوزن يختلّ أحيانًا كما في نهاية شطرَي "هلّ هلالك شهر النُّور/ عُمره ما يخلِف المواعيد"، وهو ما يدعو الملحّن إلى إشباع كَسرَة اللام في (يخلِف).

 

يتحوّل اللحن إلى الراست وأداء السروجي معه إلى التطريب في "كل مُنانا ايّامُه تطول/ وف لياليه نسمع قرآن" ليعود إلى الهُزام في "وفرحنا بك يا رمضان/ بعد غيابك يا رمضان/ يا مفضّل عند الرحمن/ بعد الغيبة هلالك بان". 

(حلّو يا حلّو) لـ(صباح) – قومية عربية على لحن تراثي مُنذِر:

 


من كلمات (محمد حلاوة) ولحن مرتكِز على تيمة تراثية لمحمد الموجي، تمهّد الوتريات أولاً ثم يدخل الناي ثم يتسلم كورّس البنات الغناء، وفي هذه المراحل الثلاث القصيرة المتقاربة ليس إلاّ اللحن التراثيّ المرتكِز على درجة (ري) قرار مقام حجاز الـ(ري)، حيث تتراوح نغمات اللحن صعودًا وهبوطًا بين ري – مي بيمول – فا دييز – وهبوطًا إلى دو دييز، وهو تتابع نغميّ لا يقَرّ على قرار، ويكاد في ظروفٍ سياقيّةٍ أخرى يوحي بشِدّة الخوف والإنذار! والحقيقة أنّ الكلمات نفسَها منذرةٌ بشكلٍ ما "حِلّ الكيس وادّينا بقشيش لا نروح ما نجيش يا حَلُّو"، وهي المفترَض ورودُها على لسان الأطفال، فهي تُحيلُنا إلى تراث أغاني الأطفال في الهالُوين في العالَم الأنجلوفونيّ "بقشيش أم خُدعة Trick or Treat". ويكاد المرءُ يتساءل هنا أيُّ التهديدَين أكثرُ غموضًا وأجدر بإلقاء الرُّعب في النفوس؟ تهديد أطفال الإنجليزية بالخداع والتنكُّر في أزياء مرعبة، أم تهديد أطفال مصر بالذهاب إلى غير رجعة؟! في تقديري إنّه الأخير. لا يمكن التكهُّن بوِجهتِهم المُعتَزَمة. أين سيختفون إن ذهبوا ولم يعودوا؟!

 

المهم أن صوت صباح يَدخُل ليعلننا باتجاه البوصلة السياسية للأغنية حين تقول "لياليك الحلوة الزينة ع الجمهورية هَلُّوا" فالأغنية موجهة إلى (جمال عبد الناصر) بالطبع. يستمر اللحن في حجاز (ري) والكلمات تنحو ناحية الوطنية "عادت وبلادي ف خير وسعادة/ وآيات المجد شموع منقادة/ والراية فوق قنالي/ منوّرة الليالي/ وأرضنا الحبيبة/ مافيهاش إيد غريبة." في "الراية فوق قنالي منورة الليالي" يصعد اللحن إلى جنس النهاوند على درجة الصول، وهو الجنس الفرعي من مقام حجاز (ري)، وهو يوحي هنا بقدرٍ من الصرامة، وحين تكرر البنات الشطرين وراء (صباح) نشعُر أننا بالفعل إزاء نشيدٍ وطنيٍّ صِرفٍ لا أغنيةٍ لرمضان. 

يتحول اللحن إلى العجم في "عادت وبلادي الغالية بقت حاجة تانية"، ثم يعبر على قنطرة جنس النهاوند من جديد في "وف كل يوم جهادنا بيزيد أنوار بلادنا" ليعود إلى الحجاز الأصلي مع المذهب "وأرضنا الحبيبة مافهاش إيد غريبة والمجد للعروبة طول السنين يا حلّو".

 

ثم يتحول اللحن إلى نهاوند كردي صُراح في الغصن التالي "عقبال ما تجينا ف العام الجاي ونغني معاك على دق الطبلة وصوت الناي"، ليعود إلى الحجاز مع المذهب من جديد.  

(كريم يا شهر الصيام) لنجاة الصغيرة – توليفة الفرح والدفء والخشية:

 


الكلمات لعبد المنعم السباعي منضبطة في البحر البسيط "كريم يا شهر الصيام والصبر والبركات/ كريم يا شهر السلام فى أرض والسموات/ كريم يا شهر الهنا يا للى بقى لك سنة/ غايب بعيد عننا/ كريم يا شهر الصيام يا رحمة مِ الرحمن/ فيك نَوّر القرآن عَ الأرض مِ الجنة/ يا مفرح المحروم بالبرّ يوم ورا يوم.. إلخ".


وهي كلمات على بساطتها تحتفي بالقرآن بصورة أظنُّها بعيدةً عن الشُّيوع، وذلك في عبارة "فيك نوّر القرآن عَ الأرض مِ الجنَّة"، حيث فكرة أنّ الجَنّة هي نبع القرآن أو مصدرُه تبدو غير مطروقةٍ كثيرًا في الأدبيات الإسلامية الشعبية.

أمّا اللحن فهو لأحمد عبد القادر مُطرب الأغنية الرمضانية الأشهر (وحوي يا وحوي). جاءت المقدمة في الراست، حيث حوار الناي والوتريات يسلّم كورَس الرجال ثم تتسلم (نجاة) الغناء.

 

ينعطف اللحن مع جملة (يا مفرّح المحروم بالبر يوم ورا يوم. ياما بهواك غنّى" إلى جنس الحجاز على درجة صول ليتحول المقام إلى سوزناك، وهو فرع من الراست. في الكوبليه الثاني يتحول اللحن إلى البياتي مع "يا دنيا كلك عجب فيكي الزمان ألوان"، وكذلك في الثالث "يا شهر فيك الكرَم/ يا جّنّة للّي انحرَم".

 

تستقر (نجاة) في الأداء على درجة السيكا في نهاية الكوبليهين الثاني والثالث، تحديدًا في "يا شهر فيك الرضا والتوبة والغفران" و"تيجي تلاقينا هنا في العِزّ يا رمضان" موحيةً بتحول اللحن إلى مقام الهُزام، ليتسلّم الكورَس منها الدفّة عائدًا إلى درجة (دو) مستقرًّا عليها لنكتشف أنّنا لم نغادر دائرة الراست/السوزناك.

 

وخلاصة هذه التصرفات اللحنية أنّ أحمد عبد القادر يؤسس جوًّا فرِحًا مسيطِرًا على الأغنية من خلال الراست، ويزرع خلالَه بعض الدفء من خلال البياتي ف الكوبليهين الأخيرَين، كما لا يحرمنا من مسّ الخشية الضروري في رمضان بتحولاته إلى مقام سوزناك واستقرار الغناء مؤقتًا على درجة السيكا.

 

والحَقُّ أنّ أداء (نجاة) المنضبط والعُرَب التي تحقِنُها في عباراتها – تلك التي تبدو مَقيسَةً بميزانٍ حسّاسٍ – يُضفي شكلاً من أشكال الاتّزان الشعوريّ على الأغنية. 

(كُلّك معاني يا شهر الصيام) لفايزة أحمد – رمضان أرستقراطي:

 


في حالة تأمّلية قرر (محمد فوزي) أن يواكب كلمات (عبد الفتاح مصطفى) بمقدمة قصيرة جدًّا في النهاوند تبدأ على درجة (ري) وتصعد إلى (فا) لتستقر على أساس المقام (دو)، ويستمر المقام مع المذهب الذي يؤديه الكورَس ثم مع غناء فايزة أحمد. والكلمات نفسُها تبدو وَصفِيّةً متأمّلةً لا تخلو من حيادٍ شُعوري، وتنساب بسيطة في البحر المتقارب "كريم المعاني ودايمًا كريم/ روايحك بشاير وفرحة ونعيم/ وأنوار هلالك وبدرك وقدرك/ أشارة لنور ابتسام اليتيم".

 

وإلى هنا تبدو الأغنية معبّرةً عن تفاعل أرستقراطي مع رمضان يتميز بالتأمل الهادئ. في الكوبليه الثاني يتحول اللحن إلى الراست قبل أن يرتكز الناي في قنطرة قصيرة على درجة السيكا، وتتسلم (فايزة) منه الغناء في مقام الهُزام "يا شهر العبادة لراكع وساجد/ دي حتى قلوبنا بتصبح مساجد".

 

وهنا تتلاقى رؤية (فوزي) التلحينية مع كارم محمود ومحمد قاسم وأحمد عبد القادر، فحين تستحضر الكلماتُ مقامَ الخشية والإخلاص في العبادة يبدو مقام الهُزام الأقربَ إلى فكر الملحِّن وذائقته. 

أما في الكوبليه الأخير حيث يتأمل (عبد الفتاح مصطفى) مكانةَ القرآن "كتاب الهداية لكلّ العصور/ نزِل آية آية بحكمة ونُور"، يعود (فوزي) إلى النهاوند محافظًا على أرستقراطيّة الأغنية إلى النهاية، وإن كان يعرّج على البياتي تعريجًا قصيرًا في "وكنت البداية لأكرم سطور/ تنوّر قلوبنا وتشفي الصدور" قبل أن تعود فايزة إلى النهاوند في عبارة "يا شهر الصيام".

 

ولا شكّ أنّ رقّة صوت (فايزة) كرّسَت هذا الإحساس بأرستقراطيّة الأغنية ووجهة النظر المتأمّلة التي تنطلِقٌ منها. 

والله بعودة يا رمضان لمحمد قنديل – كلمات عاديّة ولحن عبقري:

 


دون مقدمة آليّة خالصةٍ في بعض التسجيلات، أو بعد مقدمة قصيرةٍ جدًّا في تسجيلاتٍ أخرى، نسمع أولاً صوت المجموعة على إيقاع المقسوم الراقص، والغناء يبدأ على درجة (ري) صاعدًا جنس النهاوند وهابطَه في حيرة، حتى إننا لا نعرف أين سيستقر اللحن ونعرف مقام الأغنية، ولا نعرف أننا في مقام الحجاز على درجة (لا) إلاّ حين يختم قنديل عبارة "وهبّت علينا نفحات الإيمان" حن يستقرّ أخيرًا على درجة (لا) بعد أن يهبط (ري – دو دييز – سي بيمول – لا). 
   
الكلمات مباشِرة وصريحة تمامًا، كما أن الشاعر الراحل (عبد الوهاب محمد) لا يعبأ كثيرًا باطّراد الوزن في عباراته، فتأتي تفاعيلُ الكلمات مضطربةً بين "مفعولُن وفَعِلاتُن وفَعُولُن ومُفتَعِلُن"، وربما يكون مرجِع هذا الاضطراب إلى أنّ الكلماتِ وُضِعَت وَضعًا على لحنٍ تَمَّ أوّلاً كما يُشاعُ عن هذه الأغنية. لكنّ عبقرية الأغنية ترجع إلى اللحن بالدرجة الأولى وإلى صوت (قنديل) الأبويّ الدافئ ثانيا.

 

ولدينا الشاهد الذي سُقناه أوّلاً من بداية الأغنية، حيث يبدأ اللحن بالنغمة الرابعة في سلّم (حجاز لا) وهي نغمة (ري)، وموقعُها من السلّم هو (تحت الغمّاز Subdominant)، وتنساب الجملة اللحنية الأولى عابرةً غمّازَ المقام (مِي)  Dominant إلى فوق الغمّاز (فا) إلى حسّاس المقام/ درجته السابعة (صول)، فنحن بالكامل في جنس نهاوند على درجة (ري)، لكن مشاعرنا تتأرجح حول غمّاز المقام (مي) وهو درجته الخامسة المسيطرة على مقام حجاز (لا).

 

والخلاصة أنّ (جمال سلامة) يلقي بنا في عرض تجربةٍ شعوريةٍ موّارةٍ منذ البداية ويجعلنا ننتظر مُستقَرًّا لعواطفِنا أطول وقتٍ ممكنٍ في أغنيةٍ قصيرةٍ كهذه.

 

وبعد صعود (قنديل) الواثق المتحمّس لسلّم حجاز (لا) وهو يقول "والله بعودة بعودة بعودة بعودة والله، يا رمضان" ، يعزف الپيانو أرپيچًا بليغًا (النغمة الأولى للسلم ثم الثالثة فالخامسة فالثامنة أو جواب الأولى) يلخّص إحساس المقام ويُشعرُنا بذلك الاكتمال الذي حَبَسْنا أنفاسَنا من البداية في انتظارِه.