أفكَار

مفكر سوداني: الثورة لا تملك أن تنهي مشروع الإسلام السياسي!!

مفكر سوداني: الثوار لا يريدون تكرار تجربة الإسلام السياسي (عربي21)

يكتنف الغموض مصير حركات الإسلام السياسي بمختلف أفرعها في السودان، بعد الإطاحة بحكم الرئيس عمر البشير، على خلفية أنهم كانوا جزءا من الحكم.

اليوم يتحدث الدكتور أحمد المصطفى دالى، وهو أحد أبرز نقاد فكر الحركات الاسلامية في السودان، وهو كذلك من كبار "الاخوان الجمهوريين"، ومن الشخصيات النادرة التي لازمت مؤسس حركة الجمهوريين في السودان، محمود محمد طه قبل إدانته بالردة وإعدامه في أواخر حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري عام 1985م، عن تجربة الإسلاميين ومستقبلهم في السودان.

والفكر الجمهوري هو مجموعة من الأفكار الدينية والسياسية التي يؤمن بها كثير من الاخوان الجمهوريين داخل وخارج السودان، ويعتبر الدكتور دالي أحد هؤلاء، إذ يقول في هذا الحوار أن مستقبل الاسلام السياسي بالرجوع إلى الإسلام ببعث سنة النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأن الفكر الجمهوري لديه حلولا للمشكلة.

وتاليا الجزء الأول من المقابلة:

س ـ ما الذي يجري في السودان، أهو نهاية لمشروع الإسلام السياسي، أم صراع سلطوي وفكري داخل المشروع نفسه، أم أنت ترى أن السلطة السياسية لقرابة 30 عاما لم تكن تعبيرا لما اصطلح عليه "الاسلام السياسي"؟ 
 ـ الإسلام السياسي كما ورد تعريفه في بعض الأوساط هو توصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام كنظام سياسي للحكم. وهو مصطلح قد ظهر حديثا كرد فعل لموقف الفهم الصوفي الذي يتبنى بعضه أن "الدنيا جيفه يجب تركها لكلابها". وهو انعزال صوفي نشأ بعد هزيمة الدولة الدينية، دولة سيدنا على بن أبي طالب، رضي الله عنه، أمام دولة معاوية. والتوصيف الأقرب في نظري لمصطلح الإسلام السياسي هو استغلال الدين لاغراض السياسة.

 

سلطة البشير أدخلت المفاهيم الوهابية وأشعلت الفتنة بين أبناء البلد الواحد

 
الذي يجري في السودان، هو احتجاج على التمسح بالدين واستغلاله لأغراض السياسة. هو ثورة على الفساد الذي نشره وينشره تنظيم الإخوان المسلمين وخلفه الفرق السلفية المختلفة المستهدية بالفكر الوهابي. وهي ثورة على كل حال قد وفقت بفضل الله، ثم بفضل مثابرة الشابات والشبان القائمين على أمرها، في مدن وقرى السودان المختلفة، حتى الآن، على إزالة أكبر رمز للفساد، وهو رئيس دولة ما سمي بالمشروع الحضاري الإسلامي، ولكنها لم توفق بعد على إقتلاع الفساد من جذوره، وهذا أمر، بطبيعة الحال، سيحتاج لبعض الوقت.
 
الذي يجري في السودان ثورة تحتاج أن تبلور فكرها لإقامة الصلاح مكان الفساد. وهذا أمر ضروري نرجو أن يجد المناخ المناسب لاستجلائه في ظل منابر حرة تتيح للجميع فرص تقديم تصوراتهم وأفكارهم.
 
الثورة في هذه المرحلة لا تملك أن تنهي مشروع الإسلام السياسي لأن الإسلام السياسي يقوم على فكرة خاطئة عن الإسلام وعن الحياة، في أذهان أصحابه، ونهايتها تعني اقتلاع الفكرة من جذورها بإقناع حامليها بخطئها وإقناعهم بالفكرة الصحيحة لبعث الإسلام في نفوس الأفراد قبل بعثها في حياة المجتمع.
 
السلطة السياسية في الثلاثين سنة الماضية كانت تعبيرا لما عرف بالإسلام السياسي في معنى ما هي تعبير عن فكر الإخوان المسلمين والفكر الوهابي إن صح أن للإخوان المسلمين والوهابية فكر. وهي سلطة استغلت الدين أسوأ استغلال وشوهته ونفرت عنه الأذكياء من الشابات والشبان.
 
س ـ إذا كانت تصورات الاسلام السياسي في محك السلطة قد واجهت مطبات مرجعية، هل هو عجز في العقل الاسلامي حول مقاربتها مع الواقع؟ 


 ـ نعم لقد واجهت تصورات الإسلام السياسي، إقرأ الفهم السلفي بكل مدارسه، تحديات مرجعية. ونعم لقد عجز الفهم السلفي أو قل العقل الإسلامي السلفي عن مقاربة التصورات مع الواقع. وهذا ما لخصه وعبر عنه الرئيس المخلوع البشير "بالدغمسة" (أي الضبابية وعدم الوضوح والارتجال دون تصور مفاهيمي بائن). 

ولقد برز عجز العقل السلفي عن مواجهة الواقع في أوضح تجلياته في تعامل دولة المشروع الحضاري، على سبيل المثال لا الحصر، مع حقوق أهل الأديان الأخرى غير الإسلام مما أدى لتلك الحروب المدمرة في جنوب وغرب وشرق السودان، ومما نتج عنه قتل عشرات آلاف الأبرياء، وتشريد الملايين، وأدى في خاتمة المطاف إلى فصل جنوب السودان من شماله. 

 

سيهتدي السودانيون إلى التفريق بين الدين ورجال الدين ممن عاشوا عليه اولم يعيشوا به ولا له


كما ظهر عجز العقل السلفي في تفاصيل السياسة الخارجية التي قامت في أول امرها على تقسيم العالم إلى دار حرب ودار سلام. وأدخلت المفاهيم الوهابية في الولاء والبراء، وأرسلت على إثر ذلك التقسيم القائم على العقيدة، الإنذارات لأمريكا وروسيا بدنو العذاب. وأشعلت الفتنة بين أبناء البلد الواحد. 

ولفد ظهر العجز أيضا في تناول حقوق المرأة الحديثة التي تنشد الحرية والمساواة والعدل. وظهر في الفساد الذي شمل الحياة السياسية والإقتصادية والاجتماعية والذي مارسه قادة الإسلام السياسي قبل قواعده. 

س ـ ما يزال سؤال الدين والسياسة مسيطرا، ماذا عن الخيار المتاح، أهو "علمنة الدين" أم "أسلمة العلمنة" مع الأخذ في الاعتبار عدم الجدية الكافية في تأصيل مستحدثات الواقع؟ 


ـ سؤال الدين والسياسة سؤال مهم وهو يطرح هذه الأيام بقوة أمام جموع الثوار في هذه الثورة المباركة. فهم لا يودون تكرار تجربة الإخوان المسلمين التي أهلكت الزرع والضرع فهم قد كرهوا هذه التجربة وأخشى أن يكرهوا معها كلما هو إسلامي فيصبحون كمن صح فيهم المثل القائل: "ذاقت حنظلة وخافت من البطيخة". ولكننا نقول أنهم سيهتدوا إن شاء الله إلى التفريق بين الدين ورجال الدين ممن عاشوا على الدين ولم يعيشوا به ولا له. وسيتم ذلك إن شاء الله بإشاعة المنابر الحرة وطرح الفهم الصحيح للإسلام الذي يساوي بين الناس من حيث هم بلا تفريق بينهم بناء على العقيدة أو الجنس أو اللون أو اللغة أو العنصر. 

 

عجز العقل الإسلامي السلفي عن مقاربة التصورات مع الواقع وعبر عنه الرئيس المخلوع بـ"الدغمسة"


ومما يقول الأستاذ محمود محمد طه في هذا الشأن، شأن الدين والعلم، في كتابة الإسلام: "العلم التجريبي الروحي ليس جديدا، وإنما هو قـديم قدم العلم المادي، وبحق، إنهما توأمان، ولدا في وقت واحد، ودرجا معا، وظلا يتعاونان في مدارج النمو، فإن الإنسان الأول عندما وقف على رجليه، لأول مرة، أمام قوى الكون المادي الهائلة امتلأ قلبه بالخوف، والتقديس، فأما القوى التي أخافته هونا ما، واستطاع مناجزتها فقد هدته إلى العلم التجريبي المادي، وأما القوى التي استرهبته، واستغرقته خشيتها، فقد تزلف إليها، وتملقها، وهدته بذلك إلى العلم التجريبي الروحي.. ونحن نسمي هذين التوأمين اليوم، العلم، والدين، وقد قفز العلم قفزة واسعة جدا في العصر الحديث، وتخلف الدين، وبذلك حدث الاختلال في التوازن، وظهر الاضطراب، والقلق الذي أشرنا إليه، في صدر هذه الكلمة، وليس إلى إعادة التوازن من سبيل، إلا إذا قفز الدين هذه القفزة الجريئة نفسها، فرد قواعد الأخلاق البشرية إلى أصلها الأصيل، على نفس النحو، وبنفس القدر، الذي به ردت مظاهر الكون المادي إلى أصلها الأصيل.."