تقارير

هل "المدخلية" خادمة بالفعل للأجندة الإسرائيلية في المنطقة؟

طاعة التيار المدخلي المطلقة للحكومات، حتى المؤيدة لـ"إسرائيل" بشكل واضح تثير علامات استفهام كبرى..
طاعة التيار المدخلي المطلقة للحكومات، حتى المؤيدة لـ"إسرائيل" بشكل واضح تثير علامات استفهام كبرى..
ظهر التيار المدخلي في المملكة العربية السعودية مطلع تسعينيات القرن الماضي، كردة فعل على آراء ومواقف الاتجاه الصحوي السعودي الذي برز كمعارض للموقف الرسمي في الاستعانة بالقوات الأجنبية للمشاركة في الحرب ضد العراق بعد غزو صدام حسين للكويت عام 1990، ولعب دورا هاما في تسويغ الموقف الرسمي والدفاع عنه، والهجوم على معارضيه والرد عليهم.

ووفقا لباحثين فإن التيار المدخلي معروف بولائه التام للأنظمة السياسية، بوصفها أنظمة شرعية، تجب طاعتها وموالاتها، كما يعرف في الوقت نفسه بعدائه الشديد للتيارات الإسلامية الحركية، كالتيار القطبي والتيار السروري، وعموم الحركات الإسلامية السياسية، والتي يشنع عليها ويهاجمها بسبب مواقفها السياسية المعارضة للأنظمة، ويتهمها بحمل الفكر الخارجي والترويج له.

وفي مقال مثير نشرته مؤخرا صحيفة (تايمز أوف إسرائيل)، وصف كاتبه "المدخلية" بأنها "الأكثر ملاءمة للأهداف والغايات التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية لـ"دولة إسرائيل"، وليس لدى هذه المجموعة أي مشاكل مع تطبيع العلاقات معها، كما أنه ليس لديها أي مشاكل مع الدول العربية التي تبيع وتشتري مع "إسرائيل"، وبالتالي تعزيز الاقتصاد الإسرائيلي، وتأمين مصالح "إسرائيل" في جميع أنحاء العالم الإسلامي وحتى خارجه".

ولفت المصرفي السابق والكاتب زالغي خان، في مدونة له منشورة على الموقع العبري إلى أن "طاعتهم المطلقة للحكومات، حتى المؤيدة لـ"إسرائيل" بشكل واضح، مثل الإمارات العربية المتحدة والأردن ومصر والمغرب والسودان وغيرها، تعني أن السياسات الرسمية التي تفيد "إسرائيل" لن تتم معارضتها بل دعمها، لأنه على حد تعبيرهم يعود القرار للحكام".

وبحسب مراقبين فإن ما ورد في المقال المذكور يقدم توصيفا بعيون إسرائيلية للنسق الديني وما يتبعه من مواقف دينية وسياسية للتيار الدعوي المعروف باسم (المدخلية)، وهو تيار يُنسب إلى الداعية السعودي، المتخصص في العلوم الشرعية، الدكتور ربيع بن هادي المدخلي.

في تحديد العلاقة بين التيار المدخلي والأنظمة السياسية الحاكمة، يبرز بصورة واضحة مفهوم "طاعة ولي الأمر"، الذي يغالي التيار فيه "إلى حد قد يلتبس بتقديس مكانتهم، واعتبارها كأساس للدين بحسب فهمهم"، وهذا ما يعده الباحث في الفكر الإسلامي المغربي، مصطفى بن عمور "هو المفتاح لفهم مواقفهم، وتحديد منطلق مذهبهم".


                           مصطفى بن عمور.. باحث مغربي في الفكر الإسلامي

وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "وعليه يكون ما جاء في المقال المنشور عنهم في الموقع العبري نتيجة موضوعية لمواقفهم من الحاكم ولو كان ظلوما غشوما يأتي المنكرات جهارا نهارا كما عبر عن ذلك أحد كبرائهم"، واستدرك: "لكن لا يعني ذلك أنهم متواطئون مع الصهاينة بصورة مباشرة، لأنهم لا يملكون سبيلا لذلك وهم يدعون متابعة ولي أمرهم، والذي له وحده الأمر والطاعة".

وتابع: "ولكنهم ينطلقون في مواقفهم تلك المساندة لكل حاكم.. فإذا كان عدوا للصهاينة كانوا أعداء لهم، وإن تحول إلى معين للصهاينة وأداة في أيديهم فسيطيعونه ويتبعون أمره وخطته، ولو على حساب الإسلام والمسلمين، فهم أداة في يد أي حاكم ولسان له ينطقون بما يقول ويتبعون ما يأمر به، ولا يجدون حرجا في لي النصوص وتحريف معانيها لتحقيق ذلك، ومن هنا تظهر خطورة اتجاههم المنحرف وتبعاته".

وعن فتوى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حول جواز هجرة أهل فلسطين منها بسبب ظلم اليهود لهم، والتي ورد ذكرها في المقال، أوضح بن عمور أن "الشيخ الألباني لم يكن مدخليا أبدا، ولا سلفيا تابعا للتيار الوهابي، وفتواه تلك رغم خطئها كانت عن قناعة منه، ولم يكن أبدا مؤيدا للصهاينة ولا للحكام المطبعين مع الصهاينة، وإنما استغلوا فتواه للعبث بعقول المتلقين ليس إلا".

من جانبه رأى الباحث في العقائد والفرق، محمد القحطاني، أن "مضمون المقال المنشور في الموقع العبري يقدم بالفعل توصيفا دقيقا لحال المدخلية في ما يتعلق بموقفها المتماهي مع السلطات الحاكمة في تصادمها مع حركات المقاومة والإسلام السياسي وفي تأييدها لإسرائيل، ومن ثم فهي يمكن أن تخدم الأجندة الإسرائيلية في المنطقة".

وردا على سؤال "عربي21" عن ما إن كان شيوخ المدخلية ودعاتها يقومون بذلك بناء على قناعات ذاتية يرونها تمثل الفهم الصحيح لمنهجية السلف الصالح بحسب قراءتهم أم إنهم يدركون الدور الوظيفي الذي يقومون به وإن تستر برداء عقدي ديني، قال: "لا يمكن الجزم بالنوايا ولا الدوافع، ومجال الاختلاف فيها من شخص لآخر وارد ومتوقع".

وتابع: "والنفس تميل كثيرا لتبرير وإضفاء المشروعية لما يوافق أو يتفق مع هواها في نيل المكاسب والحظوة عند من يملك ذلك من سلطان ونحوه، كما أن بعض العقد النفسية تجعل صاحبها يميل للمتسلط الظالم المؤذي والتبرير له، لا سيما عند العجز عن مواجهته" على حد تعبيره.

لكن ما يثير الاستغراب في هذا السياق مسالك المدخلية في تجويز التعامل مع العدو المحتل (الصهيوني) بكل ما يترتب على ذلك من إلحاق الضرر والأذى إلى حد القتل الوحشي، والتدمير الفظيع لإخوانهم المسلمين في غزة وعموم فلسطين، وهو ما يجيب عنه الباحث القحطاني بالقول: "هم يرون بحسب قراءتي لطريقتهم في فهم الأمور أن ضرر حركات المقاومة والإسلام السياسي أكبر من ضرر الكفار".

وأكمل فكرته بالقول: "هذا طبعا بالنظر إلى كون الحكومات الإسلامية قادرة على التعامل مع خطر الكفار بأدوات سياسية وغيرها لتحجيمه أو تقليله، وأما خطر هؤلاء فهو، وفق فهمهم، يستعصي التعامل معه إلا بالبتر، لا سيما وهم على علاقة بالمنافس الإقليمي (إيران) التي تسعى لابتلاع المنطقة، وله علاقات خفية بمن يتظاهر بعداوتهم".

يُذكر في هذا الإطار أن توظيف الجماعات والاتجاهات الدينية الإسلامية لخدمة أجندات سياسية معينة سواء أكانت داخلية أم خارجية لا يشترط فيه عمالة تلك الاتجاهات، أو عمالة بعض رموزها وأفرادها، "إذ تكفي انحرافاتها عن جادة الطريق حتى تستغل الأطراف المعنية ذلك وتستثمره لصالحه، كانحرافات المداخلة مثلا فهي تصب في مصلحة إسرائيل، والتي بدورها استثمرت ذلك استثمارا جيدا" وفق الكاتب والباحث العراقي إياد عطية.


                                                إياد عطية، كاتب وباحث عراقي

وأردف في حواره مع "عربي21": "المداخلة لعبوا دورا كبيرا في تثبيط عزيمة الثائرين والمجاهدين، لا سيما في الدول التي احتلت مؤخرا، أو تلك التي خرجت شعوبها ثائرة تطالب حكوماتها بالإصلاح والتغيير، فقد كان موقف المداخلة مساندا للحكومات التي مارست أنواع الظلم والبطش ضد شعوبها، كما حدث في مصر وكذلك في ليبيا عندما حملوا السلاح ضد خيارات الشعب الليبي، وقبل ذلك في العراق حينما ساندوا الاحتلال ضد المقاومة".

ونبَّه عطية في ختام حديثه إلى أن "مواقف المداخلة في معظم الدول غالبا ما تصب في مصلحة الأنظمة الظالمة، وهي مواقف ترسخ وجود تلك الأنظمة وتضفي عليها شرعية دينية، ولأمريكا وإسرائيل مصلحة في تثبيت تلك الأنظمة وبقائها، ما يعني أن التيار المدخلي بفكره وسلوكه ومواقفه يخدم الأجندات الإسرائيلية في المحصلة النهائية، وهو بالفعل الفكر الديني الملائم للأهداف والغايات والأجندات الإسرائيلية في المنطقة".
التعليقات (0)