كتاب عربي 21

ركوب الصعب إلى جدة!

سليم عزوز
اقتصر لقاء السيسي على ولي العهد- واس
اقتصر لقاء السيسي على ولي العهد- واس
يقول المصريون "المضطر يركب الصعب"، ولا أحد مضطر الآن للخليج مثل الجنرال!

ولهذا ركب طائرة خردة، بدت من شكل الكتابة عليها أنها من زمن "الجمهورية العربية المتحدة"، وإن كان المكتوب على جدرانها "جمهورية مصر العربية"، لكنها بدت طائرة قديمة ومتواضعة، في حين أن الجنرال يملك طائرات حديثة، مزودة بمضادات للصواريخ، لكن الظرف القاهر هو ما كان وراء هذا الاختيار، في زيارة بدت "أخوية" غير رسمية، تحلل فيها الجنرال من الملابس الرسمية، وذهب ليتناول السحور مع شقيقه الأصغر محمد بن سلمان!

اللافت أنه لم يلتق بالملك سلمان، ولا يجوز القول إن صحة الرجل لا تسمح له بذلك، ففي مثل هذه الظروف يقتصر اللقاء على "لقطة" توزع على وسائل الإعلام، كما كان يحدث لسنوات طويلة في زيارة مبارك للمملكة، حيث كانت تلتقط له صورة بروتوكولية مع الملك فهد، وكان أيضاً مريضاً، وكان الملك سلمان قد أصدر قبل ساعات من الزيارة قرارات عدة بتعيين وإعفاء مسؤولين، على نحو كاشف بأن حالته تسمح ولو بلقاء سريع، لكن الزيارة مع الشقيق الأصغر وليس مع الأب، وهنا نكون قد وصلنا لبيت القصيد!

زيارة بعد قطيعة:
هي إدارة الهواة للعلاقة مع الخليجيين، وبدلاً من أن يخضع التعامل معهم لقواعد "العلاقات الدولية"، تم الأخذ بنظام إدارة شؤون "الضرائر"، وهي نظرة قديمة لم تتطور، كشف عنها تسريب الرز الشهير، وكيف أن النظرة إلى الخليج أن فيه مالاً وفيراً، وأن "مال الكنزي للنزهي"!

هذه الزيارة الأخوية الخاطفة، مع شقيقه الأمير محمد بن سلمان، كانت بعد قطيعة، وتنابز بالألقاب بين إعلاميي البلدين، ومنذ اللحظة الأولى اجتهدنا في إثبات أن خلافاً وقع وأن العلاقات بين البلدين ليست على ما يرام، وفي وقت كان الهجوم من طرف واحد بينما كان الطرف السعودي يقول إن الخلاف هو أُمنية إخوانية لن تتحقق، لكن دخل على خط المعركة إعلاميون مصريون آخرون، لنكون أمام حملة، وهنا شمر بعض الكتاب السعوديين عن سواعدهم، ليردوا على القصف بقصف، والحال كذلك فلم يعد هناك إنكار لوجود خلاف بين الطرفين!

القصف من القاهرة كان على عمرو أديب، مقدم البرنامج على قناة "إم بي سي مصر" السعودية، ومما قيل إنه يتبني المشروع السعودي المعادي لمصر، وبشكل لم ينكروا معه وجود خصومة، ثم تطور الإعلان عنها بعدد من اللقاءات كان آخرها قمة أبو ظبي التي غاب عنها الأمير محمد بن سلمان، وبد أن هناك محوراً جديداً يتشكل؛ السعودية ليست طرفاً فيه، وبدت رسائل السيسي الأخيرة من الإمارات عن نجاح مشروعها أنها رسائل مكايدة للسعوديين. وهي إدارة الهواة للعلاقة مع الخليجيين، وبدلاً من أن يخضع التعامل معهم لقواعد "العلاقات الدولية"، تم الأخذ بنظام إدارة شؤون "الضرائر"، وهي نظرة قديمة لم تتطور، كشف عنها تسريب الرز الشهير، وكيف أن النظرة إلى الخليج أن فيه مالاً وفيراً، وأن "مال الكنزي للنزهي"!

فلم يعد في قصور الحكم في الخليج، هذا الجيل من الآباء المؤسسين الذين كان لديهم ضعف تجاه مصر، تأكد في الأخير بحضور الجيش المصري في معركة تحرير الكويت، وقد لعب السيسي على ذلك، بحديثه الذي بدا مقطوعاً من سياقه، عن أن الجيش المصري جاهز إذا تعرض أمن الخليج للخطر، وفي حدود "مسافة السكة"، وكان يعتقد أن بينه وبين هذه المخاطر أمداً طويلاً، لكن حدثت حرب اليمن، ليتبخر هذا الوعد. ثم إن المملكة العربية السعودية، عادت من جديد إلى مجال الاستثمار في تركيا، وبدت زاهدة في الاستثمار في مصر، وليست معنية بالتنافس مع الإمارات في هذا المجال، ولا مشغولة بذلك، وإن كان ولا بد فبشروطها، وهي ترى أن سعر الجنيه ليس عادلاً، وفي انتظار المزيد من التعويم، ثم ها هي تتقدم خطوة للأمام بالتقارب مع ايران، فليس هناك خطر على أمنها القومي، يستدعي حضور من لم يسبق له الحضور من قبل!

لم يعد أحد ينكر أن هناك خصومة بين الجانبين، وبعد المصالحة فإن الحاكم في مصر يحرص على أن تكون الزيارة الأولى من الطرف الآخر، كما حدث مع قطر، ولم يزر تركيا إلى الآن في انتظار أن يبدأ أردوغان، لاستخدام هذا في التسويق الداخلي لقوة الجنرال، لكن هذا الشرط لم يتم العمل بها لعودة المياه لمجاريها مع المملكة، فكانت زيارة المضطر الذي ركب الصعب، ليتناول سحوره مع شقيقه الأصغر محمد بن سلمان
لقد بدأ التلويح بعدم تسليم تيران وصنافير، وهي جزر صارت سعودية بموجب قرار البرلمان المصري، ولا يمكن لأهل الحكم في مصر أن يجادلوا في ذلك إذا تم اللجوء إلى أي مستوى للتحكيم الدولي، لكن السعودية لم تر في الأمر ما يمكن به إجبارها على شيء، لأن هناك طرفاً آخر هو المهم للحكم المصري في عملية التنازل، وهو إسرائيل، ومن ثم فالتسليم مسألة وقت، والمناورات لن تستمر للأبد!

الزيارة الأولى:

المهم في هذا كله أنه لم يعد أحد ينكر أن هناك خصومة بين الجانبين، وبعد المصالحة فإن الحاكم في مصر يحرص على أن تكون الزيارة الأولى من الطرف الآخر، كما حدث مع قطر، ولم يزر تركيا إلى الآن في انتظار أن يبدأ أردوغان، لاستخدام هذا في التسويق الداخلي لقوة الجنرال، لكن هذا الشرط لم يتم العمل بها لعودة المياه لمجاريها مع المملكة، فكانت زيارة المضطر الذي ركب الصعب، ليتناول سحوره مع شقيقه الأصغر محمد بن سلمان، ومع أن الزيارة لم تبدأ بالملك فكان ينبغي للبداية بعد القطيعة أن تبدأ من الأصغر إلى الأكبر!

مهما قيل عن أخوية الزيارة فإن لغة الجسد تفيد أنها ليست كذلك، وذلك بالمقارنة بجلسات أخوية سابقة كان "البساط فيها أحمدي" بحسب المثل المصري، ولم يكن كذلك في لقاء السحور الأخوي، فقد تعكر صفو الأمير بهذا التطاول من جانب إعلاميين يدرك تماماً أنهم لا يتحركون من تلقاء أنفسهم، لنصل إلى درس مفيد!

لقد ولى زمان كان فيه عبد الناصر على رأس السلطة في مصر، وهو صاحب كاريزما، وحضور، وشعبية تفوق شعبية الحكام العرب كافة في عقر ديارهم، وتنطلق من مصر إذاعة صوت العرب، التي تُسمع من المحيط إلى الخليج، والتي يمكن تسليطها على حاكم ما في الخليج أو غيره فتهز مركزه، وتضرب هيبته!

ولى زمان كان فيه عبد الناصر على رأس السلطة في مصر، وهو صاحب كاريزما، وحضور، وشعبية تفوق شعبية الحكام العرب كافة في عقر ديارهم، وتنطلق من مصر إذاعة صوت العرب، التي تُسمع من المحيط إلى الخليج، والتي يمكن تسليطها على حاكم ما في الخليج أو غيره فتهز مركزه، وتضرب هيبته!
الإعلاميون المصريون الموالون للنظام ليسوا في كفاءة الإعلاميين في عهد عبد الناصر، أو حتى في عهد مبارك، ولهذا هم يذهبون للخوض في الأعراض، وإلى أسلوب خناقات الشوارع، وفعلوا الأولى والثانية مع قطر، لكنهم فعلوا الثانية مع السعودية، فلم يخوضوا في عِرض ولم يتطاولوا على مقام!

بيد أن الخليج الآن اختلف، فعلى مدى سنوات طويلة يؤسس إعلامه، بينما انهار الإعلام المصري في السنوات العشر الأخيرة بشكل مذهل، وفضلا عن هذا فالحاكم ليس هو عبد الناصر، والجيل الحالي من حكام الخليج ليس كجيل الآباء المؤسسين، فما الذي يدفعه لقبول هذا الابتزاز؟!

لقد اندفع عدد من الكتاب السعوديين ليعاملوا القوم بالمثل، وإذا كان أهل الحكم في القاهرة يعتمدون على الذباب الإلكتروني، فالمواطنون في السعودية دافعوا عن أنفسهم، وليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة!

فكان لا بد من اللجوء إلى الحيلة الأخرى، فالظروف الاقتصادية في مصر ضاغطة، وإذا كان رعاة الانقلاب الخليجيون قد توقفوا عن تقديم المساعدات، فلا بد من نواة تسند الزير، فإن كانت قروضاً فلا بأس، وإن كانت استثمارات، فنصف العمى ولا العمى كله!

وكانت هذه الحيلة، فهذه الزيارة الأخوية للشقيق الأصغر، لعل المياه تعود إلى مجاريها، لكن هناك ما تهشم بالهجوم والمناورات لن تصلحه بيانات تفتقد للروح عن السعادة باللقاء الأخوي.

السؤال الأهم: هل سيسلم تيران وصنافير، أم سيذهب من جديد إلى المناورة، مما يزيد من الشعور بعدم الارتياح في التعامل معه؟!

في النهاية ستسلم تيران وصنافير، لكنها ستكون علاقات الحد الأدنى من الجانب السعودي.

فما في القلب في القلب!

twitter.com/selimazouz1
التعليقات (9)
الكاتب المقدام
الثلاثاء، 04-04-2023 02:36 م
*** 5- تحية طيبة للدكتور وليد خير، وشكراً لاهتمامك بقراءة ونقد كتاباتي الطويلة المملة، وأوافقك الرأي أنها انتقائية، فهي ليست إلا تعليقات موجزة، وإشارات سريعة لبعض حلقات الصراع المصري السعودي، وصولاً إلى الحالة المتردية تحت حكم محمد بن سلمان في المملكة اليوم، وحالة مصر تحت حكم الجنرال الانقلابي السيسي، وما يتوقع من تطورات العلاقات بينهما، وهو موضوع مقال الأستاذ عزوز، وإجابة سؤالك الأول: "استقلت عن من؟" أن الدولة السعودية الأولى (من 1744م إلى 1818م) كانت أقوى وأطول حركة استقلال عربية عن الدولة العثمانية، وهي نفس إجابة سؤالك الثاني: "لماذا أمر السلطان العثماني واليه على مصر محمد على الألباني بالقضاء عليها؟"، وحرب محمد علي في الجزيرة العربية (1811 إلى 1818م)، قام المؤرخ المصري الكبير "عبد الرحمن الجبرتي" (1754 إلى 1822م) بتسجيل تفاصيلها التي عاصرها بنفسه في تاريخه المعروف، الذي تقصى فيه الفظائع التي ارتكبها جيش محمد علي الألباني فيها هو وابنيه طوسون وابراهيم، ولتقييم الدولة السعودية الأولى يجب فهم طبيعة العصر الذي نشأت فيه، ومقارنتها مع الدكتاتوريات الغربية والكنائس المتحالفة معها التي كانت تحارب الهرطقة والبدع في زعمها بتعذيب ضحاياها في أقبيتها، التي كانت قائمة وقتها في أوروبا، وقد جاء عن الثورة الفرنسية التي واكبتها في موسوعة "ويكيبديا": "الثورة الفرنسية هي فترة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية في فرنسا (1789 حتى 1799م)، انتهت بسيطرة البورجوازية خلال التحالف مع نابليون، وانتهت بتصدير الأزمة من خلال الاستعمار بالتوسع اللاحق للإمبراطورية الفرنسية، وتوجت في دكتاتورية امبراطورية نابليون"، وعلى الرغم أن الثورة الفرنسية هي التي أسست لدكتاتورية نابليون مجرم الحرب وعنصرية الحركة الاستعمارية، فما زال العلمانيون المتطرفون العرب يقدسونها. أما عن رأيك في: "أن الحركه الوهابيه التكفيريه آفة الاسلام"، فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يؤسس لا لمذهب فقهي جديد ولا لحركة مستحدثة، ومؤلفاته منتشرة على المواقع ويسهل الوصول إليها ومراجعتها لمن شاء، وقد ذكر عنه في موسوعة "ويكيبيديا": "محمد بن عبد الوهاب (1703م - 1791م) عالم دين سني حنبلي، ولد لأسرة من علماء الدين، وكان جدُّه وأبيه من أشهر العلماء والفقهاء في الجزيرة العربية في عصره، ويعتبره البعض من مجددي الدين الإسلامي في شبه الجزيرة العربية، حيث شرع في دعوة المسلمين للتخلص من البدع والخرافات التي انتشرت في أطراف الدولة العثمانية حول ولاية الحجاز وولاية اليمن والربع الخالي"، وهو لم ينفرد دوناً عن علماء المسلمين برأي جديد بوقوفه ضد تقديس الأضرحة والقبور والمقامات والتبرك بها، ولا بتحريم دعاء الموتى، وتقديم القرابين لهم، ظناً بأنهم يستمعون إليهم ويستجيبون لدعائهم، بدلاً من دعاء رب العالمين، ولذلك فإن مشايخ الطرق الصوفية الذين كان لهم نفوذ كبير على أتباعهم من البسطاء والدهماء والدراويش والمجاذيب قد نقموا عليه، وهم الذين حشدهم الوالي محمد علي لتشويه سمعته، ولتكفير آل سعود وتبرير قتله لهم، وليس العكس، انظر تفصيل ما ذكره المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي عن ذلك، وعذراً للإطالة في شهر رمضان المبارك.
Dr. Walid Khier
الثلاثاء، 04-04-2023 09:42 ص
أما ما يثير الدهشه فعلاً فهو التعليق الذي يستعرض العلاقات السعوديه المصريه ويسرد تاريخ السعوديه بشكل إنتقائي واضح. فمثلاً يصف لنا الدوله السعوديه الأولى بأنها دوله مستقله!!!!! ولا يخبرنا استقلت عن من وكيف. ولا يخبرنا لماذا أمر السلطان العثماني محمد على بالقضاء على حركه الخوارج الوهابيه التكفيره. وهنا سأذكر فقط مذبحة تنومة لعلها تنشط ذاكرته. ثم يصف لنا نظام الحكم السعودي المستمد من القرون الوسطى إنه ديموقراطيه عربيه!!!! اية ديموقراطيه هذه التى تحرم معارضة "ولي الأمر"؟؟ أية ديموقراطيه هذه التى تحصر الحكم في عائله واحده تتوارثه فيما بينها وتحتكر ثروات البلد؟ ويصف ذلك النظام بالملتزم بنصرة الاسلام!!!! الاسلام الذي نص على أن الناس شركاء في الماء والكلأ والنار يحتكر فيه خادم الحرمين، وهو لقب من إختراع بريطانى بالمناسبه، ثروات البترول ويمنه الملك نفسه راتباً شهرياً قدره ثلاثة مليارات ريال؟؟ أما عن بقاء النظام والسعودي واستقراره فلإنه صنيعه بريطانيه وورثته الولايات المتحده وتعهدت بأمنه واستقراره، ولم يجرؤ أياً من ملوكه على مناطحة الولايات المتحده كما فعل القذافي وعبد الناصر وصدام فسحقتهم. الواقع والتاريخ ينصا على أن الحركه الوهابيه التكفيريه آفة الاسلام في العصر الحديث، ومملكه آل سعود الفاسده أكبر نكبة ابتلى بها الاسلام والمسلمين في تاريخهم.
Dr. Walid Khier
الثلاثاء، 04-04-2023 09:22 ص
من قال أن الاعلام أيام عبد الناصر كان أرقى من اعلام السيسى؟ ومن قال أن عبد الناصر لم يقذف حكام العرب و يسبهم علناً؟ من إذن الذي كان يصف الملك حسين بإبن زين كناية عن غموض النسب؟ ومن كان يتوعد الملك فيصل بنتف ذقنه؟ ومن وصف أنتوني ايدن إنه خرع؟ ومن قال أنه طار لهناك في طائره خرده؟ الطائره الظاهره في الصوره داسو 7X، طارت لاول مره عام 2005 و واحده من ضمن أربعة طائرات رئاسيه جديده اشتراها بعد استيلائه على السلطه.
أنثروبوليجيست
الثلاثاء، 04-04-2023 08:17 ص
كلامك على العين والراس ياأستاذ سليم.ولكن الحالة المبهدله التى ذهب..سواء فى اللباس أو العربيه الكارو الطائرة دي،فشى عادى..فهل عمرك فى حياتك،شفت شحات يجيك كاشخ ومتهندم؟؟متسول.. رايح يشحت..وخصوصا فى رمضان موسم الصدقات وإخراج الزكاة. وتيران وعاصفير..إتباعت بحتة فطير..(وياريت بفطير مشلتت!!!!) خليها مستور يابيه.
الكاتب المقدام
الثلاثاء، 04-04-2023 07:30 ص
*** 4- توالى أبناء عبد العزيز على حكم المملكة، وكانت البيعة تتم بعد تشاور، والمشاركين في تلك المشورة، وإن كانوا في غالبيتهم من آل سعود، فإنهم ممثلين لكل القبائل العربية في المملكة، وكان حرصهم على استمرار ملكهم، يدفعهم على تقديم ذوي الرأي والخبرة الطويلة والحكمة من بين الإخوة، ولذلك كان ملوك آل سعود النموذج للملك الحكيم الذي تربى من صغره على شئون الحكم، والحائز على رضى الأغلبية، وعندما وصل الحكم إلى يد الملك سلمان بن عبد العزيز (88 عاماً)، كان خرف الشيخوخة قد بدأ يصيبه بعد أن طعن في العمر، وأراد أن يستأثر أبنائه بالحكم دون إخوته وأبنائهم، والملك سلمان تزوج من ثلاث نساء، وانجب منهن 12 ولداً وبنتاً واحدة، وقد مات منهم أثنين في ظروف غامضة في سن صغيرة مثيرة للتساؤل (فهد توفي 45 سنة، واحمد توفي 42 سنة)، ومن أبناء سلمان الأكبر سناً الأمير سلطان وهو أول رائد فضاء عربي وتولى منصب رئيس الهيئة السعودية للفضاء، ولا يعلم كيف وقع الاختيار على محمد بن سلمان وهو من أصغر إخوته (37 سنة اليوم)، وأقلهم في المؤهلات العلمية والخبرات في مناصب الدولة، ليكون هو ولي العهد دوناً عن إخوته، فضلاً عن افتقاره للخبرة بالمقارنة بأبناء عمومته، وقد دفعه شعوره الدفين بالنقص إلى اللجوء إلى العنف الدموي، فرغم أن الصحفي خاشقجي كان مؤيد لحكم آل سعود، فقد قام محمد بن سلمان بتنظيم غزوة في تركيا لقتله وتقطيع جثته وإذابتها في الأحماض، حتى يخيف كل من يعترض عليه، كما اعتقل خمسين من أبناء عمومته لأشهر، الأعلى مكانة ونفوذاً وثروة، وقام بابتزازهم والاستيلاء على غالبية أموالهم، فدمر بذلك ما كان يعرف من تكاتف آل سعود واحترامهم لبعضهم البعض، واستغل تلك الأموال في إنفاقها خارج البلاد على مظاهر للبذخ والإسراف غير مسبوقة، ثم عمل على اعتقال المئات من خيرة علماء المسلمين في المملكة، واعتقال كل من وجه إلية نصيحة أمينة، فنقض بذلك عهد آل سعود مع علماء الإسلام، فهرب كثيراً من خيرة مواطني المملكة للجوء إلى دول أجنبية هرباً من إجرامه، وتعدى على حرمات النساء وأساء إليهن وتحرش بهن في معتقلاته، وفتح أبواب المملكة للغواني ولحفلات العهر والعري والشذوذ، وأنفق عشرات المليارات من أموال المملكة على مشاريع أوهامه كمدينة نيون الخيالية، غير آبه أن موارد المملكة من النفط لم تعد تكفي لتغطية نفقاتها، وأن موازنات المملكة في عجز منذ سنوات، وبدأت المملكة في الاستدانة والاقتراض من الخارج بفوائد ربوية باهظة لتغطية عجز الموازنة، وورط بلاده في الاستمرار في حرب عبثية خاسرة في اليمن مضحياً بأبناء وطنه دون هدف، ولعلمه أن التيار الإسلامي هو الذي يحوز على رضى شعبه، فقد عمل على وصمه بتهم الإرهاب الباطلة، وهو بذلك يدمر كل أسس الشرعية التي قامت عليها حكم دولة آل سعود، وتحالف مع متصهين أبو ظبي بن زايد، والجنرال المنقلب السيس، لمحاربة التيار الإسلامي بكل فئاته، ولكن اختلاف المصالح فرق بينهم، ومطامع كل طرف المتزايدة جعلتهم ينقلبون على بعضهم، وبذلك نضب المعين الذي كان الجنرال السيس يغترف منه ليهدره في مشروعاته الفاشلة، بعد أن أغرق مصر في الديون التي سيعاني شعبها لعقود في سدادها، وعاقبة هؤلاء المجرمين الفسقة الفجرة ستكون وخيمة، والله أعلم بعباده.