قضايا وآراء

لبنان وسوريا.. وترابط الحلول والتسويات

صهيب جوهر
جيتي
جيتي
يمكن الاستنتاج أنّ ثمة حراكاً جديداً فرض نفسه على حلبة الاستحقاق الرئاسي، ولو أنّ كلّ المؤشرات الشكلية لا تعطي أملاً بأيّ تطور، غير أنّ المشاورات الحاصلة في صفوف حلفاء حزب الله تبيّن أنّ التطورات الخارجية معطوفة على تلك الداخلية، قد تنتج حركة ما خلال الأسابيع القليلة المقبلة، تعيد فتح أبواب البرلمان أمام الاستحقاقات المؤجلة.

وتزداد الأمور تعقيداً وترتفع معها مستويات التشنّج على وقع اشتداد التنافس الداخلي حول ما يعتبره البعض صراعا انتخابيا يتعلّق برئاسة الجمهورية، فيما التعبير الأصح هو صراع حول عنوان المرحلة المقبلة وطبيعتها وهويتها السياسية. أما الطبقة السياسية بمعظم أطيافها فلا تنتبه للنصائح التي تسمعها من الأطراف الدولية والإقليمية، في ظل انشغال دول العالم بالتعقيدات العديدة والخطيرة في مساحات أخرى على رأسها أوكرانيا والتمدد الصيني.

لذا فإن كل الظروف الخارجية توحي بجولات قتالية جديدة أكثر عنفاً وقسوة وتدميراً في الصراعات الجارية. ومن الواضح على سبيل المثال أن فصل الشتاء الذي راهن عليه فلاديمير بوتين لتحقيق نقاط حاسمة في المعارك الدائرة، يقترب من نهايته من دون حصول الإنجازات المتوقعة، وأوروبا لم تستسلم كما توقعت موسكو، والهجوم العسكري الروسي جاء ضعيفاً، ولم يحقق نتائج كبيرة وحاسمة لا بل على العكس، فإنّ كييف تستعد مع حلفائها لهجوم واسع مطلع الربيع القادم، وهو ما قد يكون أحد أسباب زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى أوكرانيا منذ أيام، ما يعني أنّ العام الثاني من الحرب الأوكرانية سيكون أكثر عنفاً وقساوة ودموية، والظروف لن تسمح للأطراف الدولية بالبحث عن تسوية، فهي لم تنضج بعد.

ولا يمكن فصل سياق تزويد الدول الغربية لأوكرانيا بالدبابات المتطورة والطائرات الحربية، حيث على إثرها اتخذ بوتين قراره بمضاعفة عدد جنوده على الجغرافيا الأوكرانية ليصل إلى نحو نصف مليون جندي، وهو ما يعني أن معركة دموية مقبلة ستعصف بالمنطقة الغربية. بالتوازي وعلى الرغم من الصراع الأمريكي- الصيني، تبدو الصين غير جادة في دعمها للحرب الروسية بشكل فعال وفتاك، لأن الفشل الروسي يعني فشل إنشاء ثنائية عالمية قوامها واشنطن وموسكو على غرار مرحلة الصراع السوفييتي- الأمريكي خلال الحرب الباردة، وهذا يريح الصين ولا يزعجها.

لذا فإن استمرار توريط موسكو في المستنقع الأوكراني يساعد الصين في التخلص من نشوء إمبراطورية روسية على حدودها، لكنها في الوقت ذاته لا تفضل أن يؤدي الاندفاع الأمريكي في أوكرانيا لهزيمة وانكسار عالمي لروسيا أمام الولايات المتحدة، فهذا يضرب بمصالحها في تايوان التي تراقب بعناية مسار الحرب في أوكرانيا.

وفي سياقات متصلة وربطاً بكل تلك الأحداث وتلازمها مع تحديات منطقة الشرق الأوسط، أتى الزلزال المدمر في تركيا وسوريا لخلط الأوراق الجيوسياسية في الإقليم، وقبيل الزلزال كان جلياً وجود رغبة مشتركة لدى الأمريكيين والروس والأتراك لتخفيف الحضور الإيراني في المنطقة وتحديداً في سوريا، لكن الزلزال المدمر أتى ليؤدي لانكفاء تركي عن الملفات الخارجية بما فيها الأزمة السورية، وتزامن مع سعي إيراني واضح للاستفادة من هذا الانكفاء لإعادة تثبيت أقدام إيران والإمساك بقرار النظام في دمشق.

هذا المسار أثار حفيظة دول الخليج وإسرائيل، وعبر عنها وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بحديثه أن الأوان حان للحديث مع النظام وتحضير الأرضية لتسوية سياسية نهائية في سوريا، هذه التسوية التي تقوم على صيغة حكم مستوحاة من النموذج اللبناني الفريد، وذلك بإعطاء رئيس الحكومة صلاحيات حقيقية، مع الإبقاء على السلطة العسكرية والأمنية بيد الرئيس السوري.

في هذا الإطار أتت زيارة بشار الأسد إلى سلطنة عمان واستقباله وفودا إماراتية وأردنية، والنقاش معه حول التعهد بإيجاد حلول سريعة لعودة اللاجئين مع إطلاق سراح آلاف المعتقلين السياسيين وغير السياسيين، وإيجاد أطر سريعة للتفاوض مع المعارضة المنفية، تمهيداً للوصول إلى اتفاق سياسي بموجب القرار 2254، أي الذهاب إلى تعديل دستوري واسع يتضمن تشكيل هيئة انتقالية. كذلك تتضمن الشروط الخليجية والعربية وقف استمرار الاتفاقيات الاقتصادية مع إيران، واتخاذ إجراءات واضحة وصارمة على الحدود السورية الأردنية وإبعاد القوات الإيرانية من تلك المنطقة، والتعاون لدخول قوات عربية تساعد ولو فترة في ضبط الحدود.

وعليه، يستمر الترقب اللبناني لكل تلك المسارات السورية والإقليمية على اعتبار ترابطها انطلاقاً من التراجع الإيراني، كذلك فإن إنجاز تسوية سياسية في اليمن والتوصل إلى سلام ثابت ونهائي، قد يكرس التسوية المنتظرة في لبنان، حيث تشير أخبار اليمن عن تفاهمات أولية حول تقاسم السلطة والمواقع الاقتصادية مع إيداع السعودية لمليار دولار في البنك المركزي اليمني، وهذا المناخ في حال استمر في منحاه الإيجابي، سيستفيد منه لبنان حتماً، حيث تسعى واشنطن لتأمين الحوض الشرقي للبحر المتوسط.

وانطلاقاً من تلك التطورات يراهن حزب الله ومعه حلفاؤه على أن أي حل يمني سيؤدي بطرفي الصراع (السعودية وإيران) إلى تقديم تنازلات في لبنان، من خلال الوصول إلى تسوية رئاسية تقضي بتقاسم السلطة بين القوى السياسية، والبحث عن حلول سياسية واقتصادية، وكذلك بخلق آلية تمنع التهريب وتعيد التوازن العربي للبلاد.
التعليقات (0)