كتب

في الجذور البعيدة للثورة ودور النخب.. النموذج التونسي

أطروحة الكتاب الضمنيّة أنّ "على هذه النّخب أن تخرس، بعد أن باتت تفتقد إلى المشروعية"
أطروحة الكتاب الضمنيّة أنّ "على هذه النّخب أن تخرس، بعد أن باتت تفتقد إلى المشروعية"

الكتاب: "ثورة النخبة الإصلاحية التونسية، واقعها - أفكارها - راهينيتها"

الكاتب: فتحي بوعجيلة

دار النشر: مكتبة علاء الدين، صفاقس - تونس، ط1، 2014

عدد الصفحات: 296 صفحة

لطالما تميّز المشهد الفكري والثقافي التونسي في محيطه الإقليمي بتطلعه إلى المستقبل. ويشهد اعتماده لدستور منذ العام 1857 ( عهد الأمان) وإسهامه في الفكر الإصلاحي وتبنبه لمجلة الأحوال الشخصية التي تساوي بين المرأة والرجل في الواجبات والحقوق (1957) وصولا إلى انتزاعه للحرية بعد ما بات يسمى إلى وقت قريب بالربيع العربي بثمن أقل بكثير من جيرانه هنا أو هناك، على ريادته. ولعلّ ذلك ما جعل الباحث فتحي بوعجيلة يجعل النخب التونسية موضوع دراسة أكاديمية.

 

1 ـ في النخبة ودلالاتها

 

النخب عامة هي المجموعة ذات المكانة المميّزة في المجتمع وصاحبة القيمة الاعتبارية لقدرتها على خلق الأفكار واتخاذ قرارات مناسبة تكفل لها التفوق في مجالات اختصاصها. ويُشار إليها بالنّخبة الفكرية أو النّخبة المثقّفة أو النّخبة المستنيرة أو الانتلحنسيا. وضمنها ينضوي مفهوم "المثقف" أي "الشخص المتعلّم الواعي المشارك في بناء المجتمع دون انعزالية ووفق اندفاع ذاتي" بحسب الباحث. ولهذا التعريف صلة بالتّنوير والتغّيير الإيجابي. فيتوافق مع مفهوم "المثقف العضوي" الذي صاغه أنطونيو غرامشي وعرّفه بكونه يدل على صاحب المشروع الثقافي الذي يطمح إلى الإصلاح الثقافي والأخلاقي دون أن يكتفي بـ"ـالفصاحة المحرّكة للعواطف والانفعالات".

 

وليس المفهوم قارّا كما يوحي هذا التقديم. فدلالاته الدقيقة تختلف من باحث إلى آخر وإن اشتركت في الإشارة إلى التميّز. فالنّخب ضرورية وفق بعض التّصورات، باعتبار قدرتها على ممارسة الوظائف السياسية والاجتماعية والثقافية وعلى تحريك التاريخ وباعتبار امتلاكها لوسائل الفعل والتأثير فكريا وماديا. ولا تعدّ ضرورية وفق تصوّر ثان. فليس وجودها غير نتيجة لدينامية الصّراع الاجتماعي. ويذهب التصور الثالث إلى رفضها محذّرا من دورها الخطير. فهي فئة متسلطة تمنح نفسها دور الوسيط في عملية التّفكير لتنوب على الباقين ويدفعها غرور امتلاك الحقيقة إلى إلغاء حق الآخر في المشاركة والتّغيير، خاصة في المجتمعات العربية. فقد عطلت الاجتهاد ماضيا وغلّبت التّقليد. وها هي تمزّق المجتمعات إلى نزعات متناحرة حاضرا، بين علمانية وقومية ويسارية تعيش حالة من الاغتراب عن موروثها.

 

وإجمالا يرصد الباحث اتجاهين متقابلين يدعو الأول إلى المثّقف العضوي الذي يلازم النقد الذّاتي. فيطوّر من تصوراته ويغني مفاهيمه، فيما يجد الثاني في المفهوم تعارضا مع مبدأ ديمقراطية المعرفة والثّقافة والفنون وتشجيعا لاحتكارها عند أطراف بعينها.

 

2 ـ البيئة التونسية والأرضية المناسبة للثورة

 

يعدّ الثّلث الأول من القرن العشرين الفترة النشطة سياسيا وفكريا والحراك المتعدد الأبعاد الذي منح تونس هويتها اليوم. فخلالها تشكلّ الفكر السياسي الذي لا يزال مؤثرا وتبلور سعيها الحثيث نحو الحداثة الفكرية والأدبية. ولعرض سمات هذه الفترة ينتخب الباحث ثلاثة نماذج من النخب الإصلاحية هي الشاعر أبو القاسم الشابي والمفكرين الطاهر الحداد وعبد العزيز الثعالبي.

 

ولكن لا بد لهذا الحراك من قاعدة صلبة يستند إليها ليظل على هذا الثبات. وهذا ما يجده الباحث في مشروع خير الدين التونسي الإصلاحي "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" وفي تأسيس الجمعية الثقافية والتربوية الخلدونية عام 1896وفي تشكيل أول لجنة في إصلاح التعليم التقليدي وتطويره، تلك التي ترأسها الشيخ محمد العزيز بوعتور عام 1898. وكان المدّ التحرّري يتوسع في خطّ تصاعدي لتثبيت الذاتية الثقافية والكرامة والاستقلال إحباطا لأهداف "الاتحاد الاستعماري الفرنسي" الذي سعى إلى فرنسة الشباب التونسي. فأسّس "الجمعية الصادقية" التي استقطبت كبار علماء الزيتونة مثل محد الطاهر بن عاشور الذي حاضر حول "أصول التقدم والمدنية في الإسلام" أو الشيخ محمد الخضر حسين الذي حاضر حول "الحرية في الإسلام".

 

3 ـ التحوّل الجوهري في التعاطي مع المستعمر

 

لقد أفضىت هذه الصحوة إلى تحول جوهري في تعامل الوطنيين مع المستعمر، من القبول به والتعامل معه والاقتصار على المطالبة بمكسبات جزئية ضمن سلطته المطلقة إلى المطالبة بالحقوق الوطنية والاحتجاج لفرضها. ويعتبر الباحث أنّ محاضرة البشير صفر سنة 1906 تعدّ "أول صرخة في المطالبة بالحقوق الوطنية والتذمر من الاستعمار"، ثم ظهرت انتفاضة قبيلة الفراشيش في تالة بالوسط الغربي ضد الفرنسي ووضعه اليد على أراضيها ثم كانت "معركة الجلاز" 1911 وما رافقها من الاحتجاجات العنيفة بعد قيام بلدية تونس، الخاضعة لسلطة المستعمر، بتقديم طلب لتسجيل أرض مقبرة الجلاّز في السجل العقاري.

 

وبالتوازي مع النهضة الإبداعية فنيا وأدبيا أسهمت الصحافة، بدورها، في رفع صوت الكفاح وتجذير الهوية بعد صدور قانون الصحافة. ومنها "سبيل الرشاد" و"جريدة الصواب" و"جريدة التونسي" و"جريدة النهضة". فكان لها دور في نشر الوعي الوطني رغم اتجاهاتها الفكرية المختلفة. وإجمالا كانت تونس مستعدّة تماما، عبر نخبتها الإصلاحية  للانخراط في المنظومة الحداثية.

 

4 ـ أبو القاسم الشابي.. رمز الثورة الشعرية

 

مثل أبو القاسم الشابي "الشاعر الشقي" الذي يتفاعل إيجابا مع ما تشهده تونس من حراك. وبحساسية الشعراء يُحبط سريعا وهو يرى الشغف والإخلاص يخبوان والشّمل ينصدع. فيسر لصديقه الحليوي  "لقد اصبحت يائسا من المشاريع التونسية ناقما على التونسيين لأني أراهم يقولون كثيرا ولا يعملون إلاّ قليلا وإنني أراهم نبغاء في بسط آرائهم .. حتى إذا جاء دور العمل خمدت تلك النزوات وتكشّف البرقع البراّق عن وجه الحقيقة الأربد". ويشرح ما رآه صديقه فيه نفسا كبيرة ملهمة "إنّ هذه النفس يا صاحبي لأهون والله، من ذرة رمل في أكفّ الرياح وإنّ هذه النفس لأحقر من البعوضة المغتبطة بطنينها بين المزابل وإنّ هذه النفس لأشقى بما وضع الله فيها من شعور من كلّ أبناء الحياة".

 

يخلص الباحث إلى أنّ مشروع الشابي الشعري كان مشروعا جماليا يدعو إلى تصوّر جديد للشعر ومشروعا إنسانيا بالأساس يعكس "ثورة تعصف في جوانب صدره" على الوهن والكسل. لذا يصف بلاده في لحظات يأسه بـ"تونس الحقيرة" أو "الملعونة" أو "البلد القاحل الممحل الجديب" أو "القطر الضائع المغمور". ولكن عشقه "لتونس الجميلة" جنون. و"المجنون من يحرق نفسه بخورا أمام هذا الأبله الغبي الجاهل الذي يسمى الشعب التونسي، وأنا ذلك المجنون" يقول. فقد أراد لشعره أن يكون انفصالا عن الرداءة ودفاعا عن كرامة النفس الإنسانية وعزتها وتجاوزا للسخط عن واقع الجهل وللتبرم من وضع تاريخي ليكون"التزاما أبديا بمنزلة الإنسان في شموليته وأبعاده الوجودية الأنطولوجية مجرّدا عن الزمان والمكان".

 

4 ـ الطاهر الحدّاد، صوت كل فئات المجتمع

 

بين الصديقين الشاعرين أبي القاسم الشابي والطاهر الحدّاد أكثر من التقاء . ولعل حبّ تونس أن يكون أحدها. فيقول الأول: [أنا يا تونس الجميلة في لجّ **  الهوى قد سبحت أي سباحة] [شرعتي حبك العميق وإني **  قد تذوقت مره وقراحه] وينشد الثّاني [أتونس عندي في هواك تولّع **  وأنت منى نفسي عليك تقطّعُ][نسيت بك الدّنيا وعيشي وراحتي ** أريد لك الحسنى وخصمك يمنع].

 

وكما عاد الباحث إلى رسائل الشّابي التي حجبها ألق شعره لعرض مواقفه، يعود إلى شعر الحدّاد الذي غمره وقع كتابه المهم "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" وصرف عنه كل الأنظار إليه. فيبحث فيه عن تلك الروح الوطنية الثّائرة التي تشخص مدى تردّي الواقع. فتقاوم جهل الشعب وغرقه في الخرافات وفهمه الخاطئ للدين وعزوفه عن التّطور والرغبة في اللّحاق بركب الأمم المتقدّمة، مقدمة بديلا ثقافيا حيا قوامه النضال من أجل الكرامة والرفاه. وفضلا عمّا عرف به من دفاع عن المرأة ، وهو الركن الأساسي من مشروع إصلاحي يتضمن تصورا للأسرة والمجتمع قوامه الإيمان بالمساواة التّامة، يكشف شعره عن مثقّف إصلاحي حالم بمشروع الوحدة الشعبية عبر الثّورة السلمية. فلا يقف عند عتبة الحلم وإنما يسعى إلى تجسيمه عمليا بالانخراط في صفوف الحزب الحر الدستوري. فيتولّى الدعاية له ويقيم المهرجانات الخطابية ليمثل نموذجا للمثقف العضوي المؤمن بأنّ "الثقافة الحقة هي جهد يومي في إنقاذ البلاد من درك الهوان".

 

5 ـ عبد العزيز الثعالبي.. ثورة حتى الاستقلال الوطني والوحدة العربية

 

جعل الشيخ عبد العزيز الثعالي همّه استرجاع المكانة التي كانت للحضارة العربية الإسلامية ماضيا. وعمل على تأسيس مشروع مزدوج، يقاوم المدّ الاستعماري الغاشم والغزو الثقافي ويواجه الاتجاه التغريبي. ويعمل من خلال مسارين: المسار السياسي الحركي النّضالي والمسار الثقافي المؤسس وفق منزع إسلامي. يقول بورقيبة  عن أثره "تونس الشهيدة" (1920) الذي كان مداره على مطلب السيادة والاستقلال وما فعلته بها "نازلة الاستعمار وإرثها البغيض"  "لقد أخفيت الكتاب تحت غطائي وأنا متأثر شديد التأثر، فاطّلعت على ما احتواه من أرقام وما تضمّنه من معلومات حول الموات [كذا] والفقر وشعرت بالإهانة الناتجة عن الاستعمار وكنت أبكي خفية".

 

ولتفظيع حدث الاستعمار وإبراز هول النكبة، عرض موقفا إيجابيا من حكم البايات، فيتحدّث عن التزامهم بالحقوق والحريات العامة وباتباع رأي الأغلبية بما كفل حرية الصحافة والحريات وحق تقديم العرائض ويشير إلى النهضة الاقتصادية وتطوير التعليم. فتبنى إستراتيجيته خطابية تحفّز الهمم. فـ"من واجبنا" يقول الشيخ الثعالبي "أن نوضّح الصفات الحقيقية للاستعمار الفرنسي بالبلاد التونسية. إنه صراع حتى الموت وحرب صليبية موجّهة ضدذ مجتمعنا، إنه الاغتصاب المنظّم لثرواتنا". فلا يتمّ التعامل معه إلاّ باعتباره عدوا محتلاّ.

 

ويمثّل هذا الموقف تحوّلا كبيرا عمّا كانت عليه مواقفه في كتابه "روح التحرّر في القرآن" (1905). فقد اعتبر حينذاك أنّ فرنسا من وضع مصر على طريق الحضارة وألقى على المصريين باللائمة لأنهم "لم يفتهموا أبدا أداء واجب الاعتراف بما هم مدينون به لفرنسا". ومن هذه الديون إعلان حقوق الإنسان ومساعدة محمد علي على تطوير المسلمين في الميدان الثقافي. ولعلّ نوايا الاتحادات الاستعمارية على تأبيد استعمار تونس وتنكر فرنسا لرعاياها التونسيين بعد الحرب العالمية الأولى ما رفع عنه الغشاوة وجعله يدرك ضرورة الاستقلال التّام. فكان تأسيسه للحزب الحر الدستوري، أولِ حزب وطني في في شهر مارس 1920 وفيه مطالبة بنظام دستوري يفصل بين السلط الثلاث ويضمن الحريات والمساواة ويجعل التعليم إجباريا.

 

6 ـ "ثورة النخبة الإصلاحية التونسية".. وبعد؟

 

يبدو الكتاب في ظاهره التفاتا إلى الماضي وتأريخا لمراحل من الفكر التونسي في شيء من الحنين. وليس ما ذكرنا غير القشرة الخارجية. ففي طبقاته العميقة رفض لتسلط النخب "النخبوية" على الراهن السياسي والثّقافي ما بعد الثورة. فقد نصبت نفسها وصيا على عقول الناس، ومنحت نفسها حقّ ضبط أذواقهم وعقائدهم وحق التّحدث باسم الشعب والحال أنه يبقى في تصورها "كيانا عواميا" وكمّا دون أساس روحي أو أفق حضاري.. فقد وصفت الثورة التونسية الرّاهنة التي بكونها تلقائية بلا رأس مدبّر ولا قيادة ميدانية وكشفت وقائعها الهوة العميقة بين هذه النخب المعزولة وغير القادرة على تحويل خطابها الثوري إلى واقع فعلي. وعليه فأطروحة الكتاب الضمنيّة أنّ "على هذه النّخب أن تخرس، بعد أن باتت تفتقد إلى المشروعية". فلا يخلو الموقف من شعبويّة يصادر عليها الوضع العبثي الذي تعيشه تونس اليوم.

التعليقات (0)