قضايا وآراء

الإخوان المسلمون دعوةٌ لا تَرِكَة!

أحمد عبد العزيز
1300x600
1300x600
كانت رسالة "دعوتنا" أول رسائل الإمام الشهيد حسن البنا التي طالعتُها، قبل أربعين عاما بالتمام والكمال، فكانت لي بمثابة المعين (الأول) في فهم "فكرة"/ "دعوة" الإخوان المسلمين، بل وفهم مسميات أخرى، مثل "الوطنية" التي عرفت (لأول مرة) أنها أنواع منها: "وطنية الحنين" و"وطنية الحرية" و"وطنية المجتمع" و"وطنية الفتح" و"وطنية الحزبية"، وعرفت (أيضا) أن القومية أنواع منها: "قومية المجد" و"قومية الأمة" و"القومية الجاهلية" و"قومية العدوان".. وعرفت أن لكلا المسميين (الوطنية والقومية) معنى مختلفا في الإسلام، أرقى وأشمل وأرفع وأطهر وأنقى مما هو مستقر ومتداول..

وقد ناقشت الرسالة مسائل أخرى، كان من بينها مطالبة البنا الناس أن يحددوا موقفهم من "دعوته"، ولهم أن يختاروا (إذ شاؤوا) موقعا من أربعة: مؤمن (بالدعوة)، متردد (بين قبولها ورفضها)، نفعي (ساعٍ إلى جني المنافع والامتيازات)، متحامل (عليها، معادٍ لها)، وبيّن في بلاغة وإيجاز، ماذا يعنيه بكل من هذه المسميات الأربعة..

أما استهلال هذه الرسالة القيّمة الجامعة، فقد خصصه البنا لبيان منهج الإخوان وغايتهم، فقال: "نحب أن نصارح الناس بغايتنا، وأن نجلي أمامهم منهجنا، وأن نوجه إليهم دعوتنا، في غير لبس ولا غموض، أضوأ من الشمس، وأوضح من فلق الصبح، وأبيَن من غرة النهار.. ونحب مع هذا، أن يعلم قومنا (وكل المسلمين قومنا) أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية، واحتقرت المنافع المادية، وخلفت وراءها الأهواء والأغراض، ومضت قدما في الطريق التي رسمها الحق تبارك وتعالى للداعين إليه"..

وقد انطبقت هذه الفقرة الأخيرة (فيما أحسب) على أولئك الإخوة الستة الذين ذهبوا إلى الأستاذ البنا يمدون له يد "البيعة" على الالتزام بالإسلام والعمل له، ابتغاء وجه الله تعالى، حتى أن منهم مَن باع دراجته ليسهم في توفير متطلبات "الدعوة"، وظل شهورا يذهب إلى عمله ويقضي شؤونه سيرا على قدميه، ولم يعرف البنا بذلك، إلا عندما سأل "الأخ" عن سبب تكرار تأخره عن موعد لقاء "الأسرة"!.. نموذج أهديه إلى "الإخوة" أصحاب "الشهية المفتوحة" ممن ينتسبون (اليوم) للإخوان المسلمين..
راحت كل جبهة تشرح وتفسر البنود المختلف حولها، بما يخدم موقفها مقابل الجبهة الأخرى!.. وما أصابني بالدهشة والأسى في آن، أن النصوص محل التفسير لا تحتاج إلى تفسير، وإنما تحتاج إلى تنفيذ دون جدال، حتى لو خسر هؤلاء المفسرون مواقعهم "الدعوية"!

"اللائحة".. تفسير وتفسير مضاد

كثر الكلام في الآونة الأخيرة، حول بعض بنود "اللائحة الداخلية" للإخوان المسلمين، بعد أن انقسمت حلقة القيادة العليا (عمليا) إلى جبهتين، وقد تجلى هذا الانقسام في صورة بيانات "رسمية" وأخرى مضادة "رسمية برضه"!.. تبعه شرخ طولي (روحي وعاطفي) في القاعدة، رأينا أثره (البشع) على مواقع التواصل الاجتماعي.. إذ راحت كل جبهة تشرح وتفسر البنود المختلف حولها، بما يخدم موقفها مقابل الجبهة الأخرى!.. وما أصابني بالدهشة والأسى في آن، أن النصوص محل التفسير لا تحتاج إلى تفسير، وإنما تحتاج إلى تنفيذ دون جدال، حتى لو خسر هؤلاء المفسرون مواقعهم "الدعوية"!

فالذي أفهمه.. أنه من حق المرء أن يتمسك بـ"موقعه الوظيفي" ويقاتل من أجله، إذا كان يعتقد أنه جدير به، أما في "موقعه الدعوي"، فهو جندي متطوع محتسب متجرد، إذا رضي عن أدائه مَن حوله استمر في أداء مهمته، وإلا غادر موقعه في هدوء، حتى لو كان جديرا بالبقاء فيه، ولا يتوهم أن "الدعوة" ستنهار بتخليه عن موقعه.. فإذا كان "الله غايتها" حقا وصدقا، فسيسوق إليها مَن هو خير منه.. ذلك لأن سلامة الصدور، ومتانة عُرَى الأخوّة، وتماسك الصف، والوصول إلى الغاية المنشودة، أهم ألف ألف مرة من أي شخص مهما كانت إمكاناته، ومن أي موقع مهما كانت أهميته وحساسيته! وأي مكسب (على حساب هذه القيم) هو (في الحقيقة) خسارة فادحة لـ"الدعوة" وللشخص على السواء، بل وللأمة كلها، ما دمنا نتحدث عن كيان عابر للحدود، له حضوره الملفت، في أكثر من ثمانين دولة.

والذي أفهمه أيضا.. أن صفة "القائم بأعمال المرشد العام" التي باتت تتردد (بكثرة) منذ فترة، لا محل لها من الإعراب! إذ لا وجود لها في "اللائحة"!.. فنائب المرشد يقوم بـ"كل" واجبات المرشد العام، حال غيابه أو عجزه عن أداء مهامه!.. وبما أن هناك من يشغل موقع "نائب المرشد"، فما الداعي (إذن) لنحت هذه الصفة أو ابتداعها، إلا إذا كان ذلك محاولة (بائسة غير محمودة) من البعض للاستحواذ على "صلاحيات أوسع" على حساب آخرين؟!.. كما أفهم (أيضا) أن هناك ما يسمى بـ"فقه النوازل" الذي يتغاضي عن بعض الموانع (بعض بنود اللائحة في حالتنا) إذا كان هذا التغاضي أو التجاوز سيدفع مفسدة كبرى "متحققة"، على حساب مصلحة "ضيقة"!
ا وجود لها في "اللائحة"!.. فنائب المرشد يقوم بـ"كل" واجبات المرشد العام، حال غيابه أو عجزه عن آداء مهامه!.. وبما أن هناك من يشغل موقع "نائب المرشد"، فما الداعي (إذن) لنحت هذه الصفة أو ابتداعها، إلا إذا كان ذلك محاولة (بائسة غير محمودة) من البعض للاستحواذ على "صلاحيات أوسع" على حساب آخرين؟

وإنّي لكم لمن الناصحين

على هؤلاء "الإخوة" المتنازعين على القيادة، المختلفين حول تفسير بعض بنود اللائحة التي لا تحتاج إلى تفسير، المتفقين (فيما أحسب) على أن جماعة الإخوان المسلمين تمر (اليوم) بأسوأ حال، وينتظرها أفظع مآل إذا ظل هذا الخلاف وهذا النزاع، وهذا الانشغال بالمواقع والنفوذ!.. على هؤلاء "الإخوة" أن يعوا ويدركوا أن طول البقاء في هذه "الحفرة" التي ساقوا الإخوان إليها، (بغياب الرؤية وسوء التخطيط) هو خذلان لإمامهم حسن البنا، وللرئيس الشهيد محمد مرسي الذي لم يبخل بنفسه، وليس بمنصبه فحسب، وكذلك خذلان للشهداء والجرحى والأسرى والمطاردين والمنفيين، من الإخوان وإخوان الإخوان الذين ظنوا بقيادة الإخوان خيرا، وضحوا بالغالي والنفيس ثقة فيها، واعتقادا منهم بأنها تسير بهم نحو إسقاط الانقلاب، واستعادة الشرعية من الانقلابيين، وإعادتها لصاحبها الأصيل، ألا وهو الشعب؛ ليعيد الكرّة مرة أخرى، فيختار حاكمه بحرية، كما فعل أول مرة في عام 2012..

أيها الإخوة المتشاكسون.. أذكركم (إذا كنتم قد نسيتم) بأن الإخوان المسلمين "دعوة" رُويت وعاشت بدماء الآلاف من أبنائها وتضحياتهم، وليست "تركة" رحل عنها آباؤكم وأمهاتكم، فآلت إليكم!.. إن الفرصة لا تزال سانحة أمامكم؛ لتثبتوا لهذه الأمة التي أمّلت فيكم خيرا، أن "بيعتكم" كانت خاصة لله، وأنكم "إخوان مسلمون" بحق، وأنكم أزهد الناس في المناصب، وأنكم قادرون على النهوض من هذه الكبوة، بالمراجعات المنهجية الجادة، وتوسيد الأمر لأهله في كل المواقع، لا توسيد "المنقادين" لكم، كما هو واقع، وإن لم تفعلوا، فاعلموا أن هذه نهايتكم أنتم، وبداية استبدالكم أنتم، أما الدعوة، فستبقى تنتظر من يحييها من جديد.

twitter.com/AAAzizMisr
التعليقات (2)
مطارد داخل مصر
الأربعاء، 27-10-2021 12:43 م
سلمت يمينك وسلم قلمك
الكاتب المقدام
الثلاثاء، 26-10-2021 01:42 م
*** التهويل من شأن الخلافات الحالية القائمة بين قيادات جماعة الإخوان، غالبيته يصدر من أناس ذوي أغراض خبيثة من المعادين للتيار الإسلامي كله والراغبين في وأده بالكلبة، وتلك الخلافات الداخلية هي من الأمور المعتادة داخل كل التنظيمات والأحزاب السياسية، وحسن النية في تناول أمر تلك الخلافات قد يعود لشدة حرص البعض على الجماعة، أو المبالغة الممقوتة في دورها وتحميلها فوق ما تحتمل، فرغم الدور القيادي للجماعة داخل التيار الإسلامي العام، الذي نشأت منه، وهو الذي يغذيها ويمدها بأسباب الاستمرار والحياة، فإن تحميل الجماعة بكافة أوزار الأوضاع السياسية الحالية هو من قبيل الدجل والتزوير، ولبيان ذلك فيكفي مقارنة أوضاع الجماعة بما آلت إليه الأمور في الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى، ومثال لذلك الأوضاع داخل الأحزاب السياسية المنشقة عن الجماعة، كجماعة عبد المنعم أبو الفتوح (مصر القوية)، أو جماعة أبو العلا ماضي (حزب الوسط)، أو التيارات الليبرالية كجماعة أيمن نور (الذي تغير إلى حزب غد الثورة) بعد سلسلة طويلة من الخلافات والانشقاقات، أو انظر لكيف انحل وتلاشى حزب مبارك وابنه وهو الحزب الذي حكم مصر لما يزيد عن ثلاثين عاماُ (الحزب الوطني الديمقراطي)، أو الاضمحلال الذي آل إليه حزب التجمع الذي ضم فلول الاشتراكيين والشيوعيين، وما آل إليه حال حزب الوفد من انبطاح تحت بيادة الانقلاب العسكري الأخير، الذي تزعم التيار الليبرالي لما يقرب من قرن من الزمان، والذي قام بوضع شعار الصليب على العلم المصري القديم كرمز له إرضاء للمحتل الأجنبي، فالحقيفة أنه لن توجد حياة سياسية سليمة حقيقية في ظل الانقلاب العسكري، وأنه لا صلاح لأوضاع مصر إلا بالثورة الشاملة، التي هي جزء من الثورة العربية الكبري التي ستعيد للعالم العربي مكانته العالمية، وتلك الثورة هي مسئولية الشعب بكافة تياراته، وليست مسئولية حزب أو جماعة، فهذا الشعب هو الذي سيدفع في النهاية ثمن أوزار الحكم المستبد العميل، والله أعلم.