قضايا وآراء

الفلسطيني يجتاز عتمة الوعي

محمد عبد العزيز
1300x600
1300x600
إن شعور العظمة حد الغطرسة العمياء، في لحظة فارقة وغير متوازنة من التاريخ، لا يمكن أن يتحول إلى قانون جائر أو إلى قدر قاهر.

مثلما أن مهارة توظيف مناورات ملء الفراغ وسياسات فائض القوة، لوجود عطب جيوسياسي، لن تكون مؤهلة لإنجاز حقائق تاريخية أو جيوسياسية دائمة ما دام الإنسان والجغرافيا هما الثابتان.

كل شيء عدا ذلك متغير، وإن العبث بهذه المعادلة لمحاولة تغييرها هو أقرب إلى أضغاث الأحلام، وفي مقدمتها الأساطير والوعي الزائف المؤسسان للاحتلال.

إن الأساطير المؤسسة للوعي الزائف وقلب الحقائق تخلد في المتاحف، وتنسج منها حكايات بالذاكرة الشعبية، تدرس في أدب الملاحم الشعرية، وقد تتحول إلى خطر عندما تصاغ في أيديولوجيا تساهم في إنتاج عقول معزول عن الواقع، أو حالة إنكار مع الذات والتاريخ، ولكنها عندما تصطدم مع الحقيقة والواقع لن تجد مكانا تحت الشمس، وستبقى في العراء حسيرة في مرآة الإنسان والجغرافيا.

تؤكد الحركية الوطنية في القدس أن الرحم الفلسطيني ما يزال قادرا على الإخصاب والمخاض والولادة الإبداعية، وما يزال مرنا ولديه طلاقة كافية للبرهان على أن هذا الشعب حي وعصي على الانكسار والتفريغ وكي الوعي، وأنه لن يلدغ من ذات الجحر مرة أخرى، ولن يلعق مرارة الاتكاء على جدار نظام عربي منهار أو آيل للسقوط بعد أن حصحص الحق، ولن ينخدع بالحمل الكاذب في جعبة سماسرة السياسة قبل أن يرى برهان ربه أو سلطانا مبينا، ولن يضع حقوقه ومساره ومصيره في سلة إخوة يوسف بعدما أبان الفجر الفلسطيني الخيط الأبيض من الخيط الأسود. إن الحركية الوطنية لم تكتشف الحقيقة بل أزالت الغشاوة عن القلوب والأبصار، وطورت لدى الفلسطيني والعربي القدرة على الاستشعار والاستبصار.

لقد اتخذ الشعب الفلسطيني قراره المصيري والمكلف بأن يقبض على الجمر الوطني، وأن ينزع الأشواك بيديه المضرجة بالجراح، وأن يواجه الغطرسة ولو بصدر عار، وقرر وضع حد لمغامرة الانتظار على قارعة شارع النظام العربي المستلب في إرادته، والمستقطب في أولوياته، والمستنزف في نزواته السياسية الماجنة، وقرر ألا يكرر خطأ بأن يكشف ظهره لامرأة العزيز لتطعنه في وجوده أو تقد قميص كرامته، وقرر أن يردد أنشوده "يا وحدنا" ولو لمائة سنة أخرى، عسى أن يأتي الله بالفتح من عنده، وقرر أن يصبر على البقرات العجاف وعلى السنبلات اليابسات، عسى أن يأتي عام يغاث فيه الناس، وقرر أن يصبر على ظلم ذوي القربى الأشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند، لعل الله يكشف عن البعض طوفان الغفلة ولو بعد أمة.

إن الشعب الفلسطيني في هذه المعركة، وإلى أن يستيقظ ضمير ووعي النخب السياسية، هو العنوان والرمز والمرجعية الوطنية لفلسطين، وإن الوعي الفلسطيني هو مركز الثقل السياسي في معركة الاشتباك الاستراتيجي الشامل والدائم مع الاحتلال بكل الوسائل، حتى إنجاز الهدف الوطني بالتحرر والتحرير وتقرير المصير والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف. ومن يخطئ هذه الحقيقة الراسخة، بسبب الغشاوة السياسية المارقة، فإن هناك عناوين كاشفة لهذا التغير تتجلى بالاعتماد على الذات المفعمة بالطاقة الكامنة ومخزون الإبداع والصمود، وعدم انتظار معجزة خارقة تصحح الخطأ التاريخي، أو تساهم في تصديق وتسويق رواية أن يوسف أكله الذئب وهم عنه غافلون، مهما كانت الحيلة مبهمة أو كانت الحبكة محكمة.

لقد أكد الشعب الفلسطيني، كلما حاول الاحتلال أن يختبر وعيه السياسي وصبره الوطني، أنه يتسلح بمخرون استراتيجي من الصمود والمقاومة والقدرة على الاشتباك الاستراتيجي مع الاحتلال في كل المناسبات وعلى كافة المحاور والجبهات، وأنه قادر على ابتكار ما يفاجئ به هذا الاحتلال، واستطاع الشعب الفلسطيني أن يجعل الاحتلال مكشوفا أمام جمهوره وأمام العالم، ولم يعد بالإمكان إعادة عقارب الساعة إلى الوراء و اختلاق أوهام آنية عبر الماكينات الإعلامية المعطوبة.

وقد بات الوعي الفلسطيني قادرا على اختراق هذه المنظومة الإعلامية، وأن يفضحها بصموده ومقاومته واشتباكه اليومي، مثلما لم يعد بالإمكان، وهو الأهم، تكرار نكبة عام ١٩٤٨، وإرهاب الكيان الإسرائيلي وعصاباته وقطعانه، وكل سياسات الاجتثاث والتهجير والتغيير الديموغرافي والثقافي. ولم يعد بالإمكان تفكيك العلاقة ما بين الشعب والأرض والمقدسات، وما بين الحق والقانون والسياسية، وما بين الشعب الفلسطيني في الداخل والشعب الفلسطيني في المنافي، وبين الشعب الفلسطيني وعمقه العربي والإسلامي والإنساني.

ولم يعد بوسع الاحتلال استخدام سياسات المناورة والمراوغة والقضم وسرقة الوقت وتبريد الوعي، فقد شب الوعي الفلسطيني عن الطوق، وخرج عن السيطرة، وبات يدرك قواعد اللعبة النفسية والأمنية والسياسية، وتسلح بالجاهزية والاستجابة والمهارة على نقض الغزل الذي يحيكه الاحتلال بالتواطؤ مع عمقه الاستعماري في الخارج ومع زبانية العرب.

وإن المشاهد الملحمية اليومية والكبيرة في الأقصى والشيخ جراح وباب العمود وغيرها؛ دلائل باهرة تؤكد أن الشعب الفلسطيني حي اختار أن يأخذ، بكامل إرادته، كتاب المقاومة والصمود والاشتباك بقوة، وأن يمسك بزمام المبادرة بنفسه وأن يمضي قدما على هذا النهج إلى أن يفتح الله عليه بالظفر أو أن يهلك دونه.
التعليقات (0)