أفكَار

إسلاميو السودان.. قراءة في الانقلاب وما بعده (3من 3)

وصول إسلاميي السودان إلى السلطة عبر انقلاب كان خطيئة كبرى يجب دراستها
وصول إسلاميي السودان إلى السلطة عبر انقلاب كان خطيئة كبرى يجب دراستها

لم يأخذ موضوع تحالفات الإسلاميين السياسية حظّه من البحث والدراسة، وذلك لأسباب عديدة منها طول أمد العزلة السياسية التي عاشها الإسلاميون، بسبب تحالفات النظم الحاكمة مع بعض القوى السياسية، واستثناء الإسلاميين من هذه التحالفات، بناء على قواسم أيدولوجية مشتركة بين الأنظمة ونلك التيارات.

لكن، مع ربيع الشعوب العربية، ومع تصدر الحركات الإسلامية للعمليات الانتخابية في أكثر من قطر عربي، نسج الإسلاميون تحالفات مختلفة مع عدد من القوى السياسية داخل مربع الحكم، وترتب عن هذه التحالفات صياغة واقع سياسي موضوعي مختلف، ما جعل هذا الموضوع  يستدعي تأطيرا نظريا على قاعدة رصد تحليلي لواقع هذه التحالفات: دواعيها وأسسها وصيغها وتوافقاتها وتوتراتها وصيغ تدبير الخلاف داخلها، وأدوارها ووظائفها، وتجاربها وحصيلتها بما في ذلك نجاحاتها وإخفاقاتها.

يشارك في هذا الملف الأول من نوعه في وسائل الإعلام العربية نخبة من السياسيين والمفكرين والإعلاميين العرب، بتقارير وآراء تقييمية لنهج الحركات الإسلامية على المستوى السياسي، ولأدائها في الحكم كما في المعارضة.

يواصل الكاتب والإعلامي السوداني الدكتور خالد التيجاني، رصده لمسيرة الحركة الإسلامية السودانية منذ استلامها للسلطة في انقلاب عسكري في حزيران / يونيو 1989.

إسلاميو السودان.. قراءة في الانقلاب وما بعده (3من 3)

تسمّمت الأجواء السياسية في الأشهر الأخيرة من حقبة الديمقراطية الثالثة، في ظل ازدياد نفوذ الحركة الشعبية لتحرير السودان المتمردة، وازدياد رقعة الأراضي التي تسيطر عليها، مع ضعف قدرة الحكومة في السيطرة على الأمور، إلى أن تخيم أجواء حدوث انقلاب عسكري، وسط  أنباء عن سباق بين عدة أطراف تقف وراء ذلك، لا سيما البعثيين، وسارعت الحركة الإسلامية إلى تنفيذ خطتها البديلة لاستباق الأطراف الأخرى لتنفذ الانقلاب العسكري، الذي أنهى العهد الديمقراطي الثالث التي كانت أحد أبرز نجومه لتنفرد بالسيطرة الكاملة على السلطة منذ حزيران / يونيو 1989.

على سهولة وصول الحركة الإسلامية السودانية إلى سدة السلطة والاحتفاظ بها لثلاثة عقود، إلا أن ذلك لم يكن مجانا فقد دفعت أثمانا غالية في سبيل ذلك، ليس أقلها فقدان الحركة لوحدتها في سلسلة انقسامات عديدة جراء الصراع على السلطة، وفقدان السودان لوحدته الترابية بتقسيم البلاد وانفصال جنوب السودان، والفشل في إقامة المشروع البديل الحضاري، والعجز عن تمثل القيم الأخلاقية للراية الإسلامية المرفوعة بإقامة نظام شمولي عسكري تقليدي، على غرار ما سبقت به الأنظمة العقدية المختلفة في المنطقة العربية.

خطيئة الانقلاب

كانت نقطة ضعف الحركة الإسلامية السودانية، هذا الولع الشديد المبكر بلعبة السلطة وتعجلها للوصول إليها واعتبارها الطريق الأسهل والأسرع إلى إحداث التغيير الذي ترفع شعاراته متعجلة تحقيقه، وما كان في أمر الاهتمام بؤدي دور سياسي مؤثر من بأس، لو أنها التزمت طريقا مشروعا وممارسة تتفق وقيم ومقاصد الإسلام الذي ترفع راياته، وأن تظل السلطة مجرد وسيلة لتحقيق مشروعها وليست غاية في حد ذاتها. وقد تيسر لها أن تكون طرفا فاعلا في الساحة السياسية السودانية بدرجة أكبر بكثير من حجمها الجماهيري الحقيقي، ما بين عقدي الستينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وبدت فرصها السياسية تزداد مع كل احتكام شعبي انتخابي.

وستبقى خطيئة الحركة الإسلامية الكبرى إقدامها على الانقلاب العسكري في العام 1989، ولست هنا بصدد تقييم مبرراته ولا الموقف الأخلاقي للانقضاض على نظام ديمقراطي، كانت طرفا فاعلا فيه ومسؤولة عن حمايته والدفاع عنه وليس الانقلاب عليه، ولكن أركز هنا عن جنايته على الحركة نفسها وما جره عليها، حيث تُقال الكثير من الأسباب من قبل قيادة الحركة في تبرير هذا الانقلاب، وبغض النظر عن وجاهة تلك المبررات حينها.

 

كان المضي في طريق الانقلاب قرارا انتحاريا قصير النظر، ربط مصير الحركة بقنبلة السلطة الموقوتة


ولو افترضنا جدلا بأنه لم يكن هناك من سبيل لتفاديه، وأنه تم بموافقة وتراض واسع من قادة الحركة، إلا أن هناك من اعترض عليه، وأنه وجد حماسة كبيرة وتدافعا لنصرته من قبل معظم أفراد الحركة، ومع تقدير كل تلك الحيثيات إلا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال، أنه قد جفت الصحف ورفعت الأقلام ولا مجال لفتح هذا الملف وإعادة تقييمه والاعتبار بتجربته وأخذ العبرة والدروس منه، فالعبرة بالنتائج الفعلية والتبعات التي ترتبت عنه، ولا تكفي النيات مهما حسنت لطي صفحته، كما لا يمكن المكابرة وعدم الاعتراف بأنه الخطيئة الكبرى التي أسست لكل ما تلاه من خطايا، وأنها مهما عظمت فليست سوى ثمرات مُرَّة للخطيئة الأولى.

فقد كان المضي في طريق الانقلاب قرارا انتحاريا قصير النظر، ربط مصير الحركة بقنبلة السلطة الموقوتة، لقد كان طريقا ذا اتجاه واحد رهنت فيه الحركة الإسلامية مصيرها النهائي بمصير سلطة انقلابية، وعندما تصل إلى السلطة بقوة السلاح فلا سبيل للمحافظة عليها إلا بالقوة، وستبدو أية محاولة لاحقة لإضفاء مشروعية شعبية عليها أمرا هزليا بامتياز، وعندما تتحول المعركة إلى معركة وجود وبقاء بقوة السلاح وعنف السلطة، وليست معركة من أجل القيم الإسلامية المرفوعة، فالنتيجة معروفة تذبح كل القيم الفاضلة على عتبة المحافظة على السلطة بأي ثمن لضمان البقاء في سدتها، وللمفارقة باسم الإسلام نفسه تُكبَّلُ الحريات، وتُنتَهَكُ الحرمات، وتُزهَقُ الأنفس، ويُحارب الخصوم في أرزاقهم، وقائمة تطول ولا تنتهي من الأفعال التي يندى لها الجبين، وتبدأ دائرة جهنمية مفرغة في معركة بقاء لا تنتهي من أجل السلطة التي تحولت من وسيلة إلى غاية في حد ذاتها.

 

اقرأ أيضا: إسلاميو السودان نموذج للفصل بين الدعوي والسياسي (3-1)

 

اقرأ أيضا: إسلاميو السودان.. قصة الصعود في عهدي نميري والمهدي 2من3


التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم

خبر عاجل