قضايا وآراء

الحق في الوصول للمعلومة

1300x600
ما دفعني للحديث عن هذا الحق الأساسي هو تلك الأخبار المفاجئة التي تم تداولها عن مسألة تتعلق بإقرار الحكومة المصرية الحصول على قرض روسي بقيمة 25 مليار دولار، بهدف بناء محطة نووية في منطقة الضبعة، وغيرها من أخبار لا إخبارية، فهي أخبار لا تُشبع ولا تغني من جوع، وتشبه الفتات الواقع من موائد الكبار يتم منحها كهبة للرعايا، وليس كحق أساسي لأهل الدار من المواطنين العاملين والكادحين في هذه الديار للوقوف على الحقائق ومجريات الأمور، وكأن هذا القرض وفوائده سوف يسددها من اتخذ القرار بمفرده دون شراكة من الشعب أو الرعية. ولربما نشكر للحكومة نشرها لبنود الاتفاقيه والإفصاح بعد إقرارها.

ولا نستطيع قراءة هذا التعاطي من الحكومة في الإخبار الرعوي لما تشاء أن تخبره وحجب ما لا ترغب به، بعيدا عن حصار الصحفيين وأزمة نقابة الصحفيين المصرية التي يراد تدجينها الآن بعد كل تلك الاعتداءات المباشرة وغير المباشرة التي يتعرض لها الصحفيون.

فحق الوصول إلى المعلومات هو حق مرتبط بالعمل الصحفي الذي يبحث ويسبر الأغوار للوقوف على المعلومة وتبادلها، لبناء جسر معرفي من الثقة والاحترام المتبادل بين الشعب والحكومة، وكذلك المكاشفة بتحقيق الحد الأقصى من المعلومات التي تضمن الإحاطة الكاملة ومن ثم الشفافية والمحاسبة، ولكن لا مجال لبناء ثقة ولا حاجة لها في ظل تهميش المجتمع والمواطن والتعامل معه بمنطق العبء.

وفي ظل منظومة إقصائية تعمل على عزل المواطنين عن الفضاء العام بكافة السبل: كيف يمكن الحديث عن أدوات ضغط مدني لتعزيز الحقوق الأساسية؟!

فلا تزال الفجوة شاسعة بين المسؤولين والمواطن المطحون الذي بالأمس القريب خرج للميادين؛ لأنه استشعر أنه كم هو مهمل مغلوب على أمره وخارج نطاق المواطنة، لا تربطه بوطنه أية روابط شرعية تمكنه من مساءلة كل فاسد، وتحقيق كامل مفاهيم المواطنة والكرامة الإنسانية.

ففي أرض الأوصياء تمتنع الرقابة والشفافية، ويعتبر الحق في الوصول للمعلومة من المحرمات، والإعلام المهني لا العاطفي - إن وجد - خطئية كبرى.

وعلى الرغم من توقيع مصر اتفاقية مكافحة الفساد من سنوات، غير أننا لم ننتقل من مرحلة الحبر على الورق إلى الحديث الفعلي عن هذا الحق إلا في دستور عام 2012 ونصت مادته 47 على أن "الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق والإفصاح عنها وتداولها حق تكفله الدولة لكل مواطن، بما لا يمس حرمة الحياة الخاصة وحقوق الآخرين ولا يتعارض مع الأمن القومي، وينظم القانون قواعد إيداع الوثائق العامة وحفظها وطريقة الحصول على المعلومات والتظلم من رفض إعطائها وما قد يترتب على هذا الرفض من مساءلة".

وبالطبع أُخذ على هذا النص اللفظ الفضفاض والغامض لمصطلح "الأمن القومي"، والتخوفات من أن يتم استخدام هذا المصطلح بطريقة ما لتبرير حجب المعلومات. وعرفنا لأول مرة الجدل الدائر حول علانية بنود الموازنة الوطنية ومشروعات البنية التحتية والموارد، وغيرها من المعلومات التي يحق الحصول عليها وتداولها للشعب، لتعزيز كشف الفساد وإعمال المحاسبة، وصولا للعمل من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة. وحينها قامت أيضا بعض منظمات المجتمع المدني بصياغة مشروع قانون حرية تداول المعلومات وقدمته إلى مجلس الشعب للمناقشة.

وفي دستور 2014 تم إلغاء الشروط المقيدة لحق الوصول للمعلومة (المساس بالحريات الخاصة وحقوق الآخرين والتعارض مع الأمن القومي) من نص المادة 68 التي أحالت كل هذة الأمور للقانون، وتم إضافة نص يُلزم مؤسسات الدولة بحفظ وتأمين الوثائق.

ولم يصدر قانون يعزز حرية تداول المعلومات، وإن كان إقرار قانون الصحافة ورفعه لعقوبة الحبس خطوة جيدة في ظل هذا التضييق وتلك الهجمة الشرسه على الصحافة والصحفيين.

ومن الواضح أننا بصدد العودة إلى مراحل الحبر على الورق، في ظل صياغات منضبطة قد توحي ظاهريا بأنها محل تفاخر أمام العالم، في حين يظل الواقع وتجلياته أكثر بعدا عن إقرار ممارسة المواطن العادي لحقه الأساسي في الحصول على المعلومة.

وقد يتساءل البعض: ما جدوى الحديث عن المطالبة بالحق الأساسي في الوصول للمعلومة؛ في ظل حكومات لا تكترث بالحق الأساسي في الحياة وتشرعن الإفلات من العقاب للجناة؟ ولكن تظل القاعدة الذهبية هي المطالبة بالحقوق الأساسية والتمسك المطلق بتحقيقها، وعدم هجرنا لتلك الحقوق حتى ننتصر لحقوقنا الأساسية.