مقالات مختارة

عن حظر الفهم!

1300x600
في أزمة مصر مع الدولار اختلط الجنون مع الغموض، الجنون تمثل في الأسعار والغموض ظل يكتنف الملابسات والأسباب؛ إذ إنه في حين صرنا نقرأ في كل صباح أن عيار الدولار انفلت حتى أصبح خارج السيطرة وصار سعره يتزايد بين ساعة وأخرى، فإن أحدا من المسؤولين لم يشرح لنا الحكاية. فلا فهمنا الذي حدث، ولا عرفنا إلى أين نحن ذاهبون، ولا دلنا أحد على الذي علينا أن نفعله. وفي أجواء البلبلة المخيمة صرنا فريسة للشائعات التي أفزعت مختلف شرائح المجتمع. فالقادرون سارعوا إلى محاولة حماية أموالهم، بتحويلها إلى دولارات أو عقارات أو ذهب. ومنهم من لجأوا إلى سحب أرصدتهم من البنوك للاحتفاظ بها في بيوتهم بعدما شاع عن أن قيود المعاملات المصرفية قد تجعلها عاجزة عن الاستجابة لطلبات المودعين.

أما متوسطو الحال فقد عمد بعضهم إلى تخزين بعض السلع التي توقعوا أن يشملها حظر الاستيراد. ولا تسأل عن الفقراء الذين يئنون تحت وطأة الغلاء؛ إذ لم يعد لديهم ما يخسرونه. الشاهد أنه في ظل صمت المسؤولين وغياب الشفافية فإن الذعر عم الجميع وأصبحت الشائعات سيدة الموقف، حتى تسرب القلق إلى كل بيت بما في ذلك بيت محافظ البنك المركزي ذاته، كما ذكر هو في حواره التلفزيوني مع الأستاذ إبراهيم عيسى.

طوال الأسبوع الماضي ظللت ألاحق من أعرف من خبراء الاقتصاد محاولا فهم ما يجري، وكان رد أغلبهم أن الملف يكتنفه الغموض، وأنهم لم يعودوا يفهمون الحاصل. وفي غيبة المعلومات الموثوقة لم يعد أمامهم سوى التخمين والاستنتاج. أما حصيلة ذلك الجهد فكانت كالتالي:

< أن المشكلة ليست في ارتفاع أسعار الدولار، ولكنها في ندرته أو عدم توافره. الأزمة من هذه الزاوية لها عوامل عدة بعضها خارج عن سيطرة الإدارة المصرية، أبرز تلك العوامل أن هناك تراجعا وركودا نسبيا في مؤشرات التجارة العالمية أدى إلى انخفاض دخل قناة السويس التي تعد إيراداتها مصدرا مهما للعملات الصعبة.

إضافة إلى ذلك فإن انخفاض أسعار النفط إلى ما دون النصف جعل بعض السفن التجارية تفضل العبور من الشرق إلى الغرب والعكس من خلال المرور برأس الرجاء الصالح بديلا عن القناة، لأن ذلك أصبح أوفر خصوصا أن رسوم العبور بالقناة ظلت ثابتة ولم تتغير.

< العوامل التي تدخل في نطاق مسؤولية الإدارة المصرية أكثر. على رأسها مثلا أن السياحة شبه متوقفة والاستثمار الأجنبي عند حدود متواضعة، وذلك يرجع إلى عدم استقرار الأوضاع الأمنية الداخلية، الأمر الذي جعل مصر طاردة للسياحة والاستثمار وليست جاذبة لهما، وذلك إشكال لا سبيل إلى حله إلا بإزالة أسباب التوتر والاحتقان في الداخل إذ بغير ذلك لن يطمئن سائح ولن يأتي مستثمر.

< الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج يعد عنصرا ضاغطا له إسهامه الأساسي في تفاقم الأزمة، ذلك أن فاتورة الواردات تقدر بستين مليار دولار سنويا، وتتصدر قائمة الواردات السلع الغذائية والغاز والبترول والخامات والسلع الوسيطة التي يعتمد عليها قطاع الصناعة، وذلك خلل فادح ما كان له أن يستمر خصوصا أن في الداخل إمكانات كبيرة لم يحسن تنشيطها أو استثمارها.

< إن قضية الإنتاج المحلي ينبغي أن تحتل صدارة الاهتمام، لزيادته وتجويده ليس فقط لتوفير متطلبات الاستهلاك، ولكن أيضا لإتاحة الفرصة لتصديره. ولكي يتحقق ذلك فإن السياسة النقدية ينبغي أن ترسم بالتنسيق مع سياسة التصنيع، لأن الحد من استيراد الخامات مثلا يقتل الصناعة، الأمر الذي من شأنه تعطيل مسار التنمية بكل حلقاتها.

< أن أولويات توجيه الاستثمارات والموارد في الداخل تحتاج إلى ترشيد، بحيث تتم إعادة النظر في توجيه الموارد لتلبية الاحتياجات وتوفير الخدمات الأساسية، مع تأجيل كل ما ليس أساسيا أو عاجلا مثل المشروعات العملاقة التي استنزفت المليارات في حين أنها لا كانت أساسية ولا عاجلة.

لقد نشرت الصحف المصرية أخبار عدول البنك المركزي عن القيود التي كانت قد وضعت في تحديد سقف السحب والإيداع، وفهمت أن من شأن ذلك أن يحدث نوعا من الانفراج النسبي في أزمة الدولار.

إلا أن هذه الخطوة تعالج الأزمة الراهنة بإجراءات وليس بسياسات، والأولى تسكن فقط ووحدها السياسات الرشيدة هي التي تحل، حتى أمثال تلك الإجراءات تتم دون أن نفهم لماذا وإلى أين، كأن هناك إصرارا على استمرار عدم الشفافية يضاف إلى الإصرار التقليدي على مخاصمة السياسة في مختلف المجالات.

في بعض المواقف الحرجة أصبحنا نلجأ إلى حظر النشر، لكننا ذهبنا إلى أبعد في أزمة الدولار، حيث يبدو أن قرارا ضمنيا صدر بحظر الفهم أيضا!

(عن الشرق القطرية - 10 آذار/ مارس 2016)