كتاب عربي 21

الجَنْدَرِيَّة المُغْتَربة...

1300x600
خطاب النوع الاجتماعي يتزود بوقوده السنوي من اليوم العالمي للمرأة الموافق ليوم 8 مارس من كل سنة. فيعاد طرح القضايا المتعلقة بالمساواة بين النوعين وتحيين قائمة حقوق المرأة في العالم.وككل سنة يبرز مُلاَّك الحقِّ في الحديث عن المرأة ليستعيدوا مواقعهم في النضال، ويوسموا أنفسهم بأوسمة التقدمية، وينزعوا عن خصومهم كل سَمْتٍ إنساني محتمل لمجرد أنهم ليسوا معهم على منصة التوسيم التقدمي.

قضية المرأة  قضية مغلوطة.

من يجرؤ على التشكيك في أنها قضية القضايا؟ ستعاوره الأقلام والألسن ويصنف في الرجعية. فكيف ينكر هذا الفصل النضالي على متملكيه؟ 

أنا ممن يعتقد أن القضية مطروحة بشكل خاطئ. ويجب وضع حد لهذا الخطاب الجندري المقلوب.

فالمرأة ليست النصف المعزول من المجتمع لتفرد بقضايا ونضالات خاصة. والحقوق الوضعية على الورق لا تميز بين النوعين. ولكن التطبيق على الأرض يناور ضد المرأة مستضعفاً إياها كما يناور ضد مكونات الطبقة الاجتماعية الهشة، كلما أمكن له ذلك أنه يعامل الهشاشة الاجتماعية بالابتزاز دون إفراد خاص بالمرأة، فهي في بعض المواضع ضعيفة ضمن ضعفاء وفي غيرها قوية ضمن أقوياء، وحيث الضعف يتم الابتزاز. ولننظر في قضايا التشغيل مثلاً. مجلة الشغل التونسية تؤكد على المساواة في التأجير. لكن أجور النساء في العمل الفلاحي(حيث مناطق الاستغلال) أقل من أجور الرجال. وهذا تجاوز من طينة تجاوز آخر مطابق له، هو أن التأجير للرجال والنساء ينزل تحت الأجور المحددة  بالقانون.

والاعتداء على الحقوق في الضمان الاجتماعي يمس النوعين. فكيف يمكن إفراد نساء يتعرضن للاستغلال من رجال يتعرضون له في نفس الوقت؟ والنضال من أجلهن وتناسي البقية لمجرد أنهم ليسوا نساء؟

النضال الاجتماعي في تقديري يتم ضد الهشاشة الاجتماعية بقطع النظر عن النوع الاجتماعي للمتضررين. وهذا ينسف  كل عملية الإفراد النسوي بالهشاشة. فلماذا إذن هذا الرغاء المتعالي كل يوم 8 مارس. إلى حد وضع برنامج دولي في منظمة الوحدة الإفريقية لتكريس حقوق المرأة دون حقوق الرجل؟  بما يعني ضمنياً اتهام الرجل الإفريقي بهضم هذه الحقوق في إفريقيا كلها؟

حقوق المرأة أصل تجاري ليسار الكفيار.

عندما بدأ النضال الاجتماعي مع صعود الرأسمالية المتوحشة لم تكن هناك قضية خاصة بالمرأة، كان الاستغلال يشمل الجميع (الأطفال والنساء والرجال) وقد اتجه النضال إلى تحرير الجميع دون ميز.

فحددت سن العمل الدنيا لحماية الأطفال وُحِّدَدت الأجور والعطل والضمان الاجتماعي دون ميز جنسي. وكانت الرأسمالية تراوغ دوماً بحثاً عن الأقل مناعة لتستغله، ولذلك كان الاستعمار والنهب للشعوب غير الأوروبية. في مرحلة متأخرة عن ذلك ظهر خطاب النوع الاجتماعي في هذه المجالات الجغراسياسية ليفرد المرأة بدفاع خاص، في بلدان لم تكن المرأة فيها مُستغَلَّةً، بل كان الاستغلال يتواصل في المستعمرات والبلدان التي تحررت حديثاً، ولم تقف على أقدامها لتبني مشروعها الاجتماعي.

هذا اليسار المدافع عن المرأة دون تدقيق الجغرافيا، لم يكن يرى الاستغلال الذي تمارسه بلدانه على شعوب أخرى، بل كان  من المستفيدين منه أجوراً وطاقة رخيصة وعمالة مهاجرة إليه بلا كفالة. وفي ما يشبه منح لعبة لأطفال منح توكيل نضالي لليسار الأوربي في قضية المرأة.  فكان الأمر في جزء منه تحريفاً للنضال العابر للأمم دفاعاً عن المستغلين في بلدان أخرى. وظهر كما لو أن اليسار الغربي قد وجد أصلاً تجارياً يعيش منه، ويصدر النضالات بعد أن استغنت البروليتاريا عن ثوراته الحمراء التي كانت نتائجها الكارثية تتجلى في اتحاد سوفيتي تقسم عليه مافيا الحزب الشيوعي الجوع والفقر.

تبلور خطاب النوع الاجتماعي في زمن كانت الديمقراطيات الأوروبية تدفع النساء إلى رئاسة وزراء بريطانيا وفرنسا والخارجية الأمريكية والمستشارية الألمانية. لذلك بدا خطاب النوع غير منتج هناك ولا يكفي لإلهاء اليسار وتدبير مواقع له في السلطة؛ لذلك سيحل محله خطاب البيئة (الخضر) بينما يصدِّر (من بلدان المركز) عبر مناولين يساريين يسترزقون في بلدان الطرف/ ولا يتنازلون حتى لترجمة المراجع المضروبة للخطاب. وفي الوقت الذي تمكن فيه خطاب النوع سيغض البصر عن خطاب البيئة في بلدان الطرف؛ لأنه خطاب يزعج مناولين آخرين في هذه البلدان، مناولون يقومون بدفن النفايات السامة للمركز ويستوردون صناعات ملوثة تتخلص منها بلدان "المناضلين الخضر" الذين ستكون سلامة الدببة القطبية أهم لديهم من إنسان يموت بالزرنيخ في مناجم الذهب في إفريقيا وأمريكا.

هكذا سيكون حديث حقوق المرأة (وصولاً إلى المناصفة) في عيدها العالمي وسيلة للمناول اليساري الطرفي، لكي يتدبر به مصروفاً مجزياً من مصدريه في المركز، وليتلهى به طمعاً في السلطة بلا حرب طبقية، فضلاً عن بعض رأس المال الرمزي في الجامعات والمراكز (كمختص في الجندرية) ليس التمويل ما يعوز المركز، ولكن ثمن الإلهاء عن قضايا الاستغلال والقهر الذي كان اليساري في أول القرن العشرين منشغلاً بها، يستحق أن يدفع، خاصة إذا كان ذلك مؤدياً إلى تخفض أسعار الطاقة في السوق؛ إذ قد يستعمل حق المرأة  في قيادة السيارة في السعودية في تخفيض سعر النفط في بورصة نيويورك.  

من هو المناول الطرفي؟ 

المناول  الطرفي لقضايا الجندر واضح في المشهد. إنه يساري من جماعة البوبو أو الكفيار، يتخذ له سمتاً محدداً، فهو أكاديمي وحقوقي غالباً، وحضري المنشأ ولديه فوق البيعة تعليم أجنبي ويتحدث بلغتين والفرنسية، عنده هوية ثقافية تقدمية.(أقيس على بلدان المغرب العربي ومصر).نجد في بيته غالباً خادمة صغيرة السن، قطعت عن مدرستها لحاجة أهلها إلى استخدامها. وأهلها عادة من مفقري الأرياف حيث لا عمل في الزراعة ولا في الصناعة. يسكن أحياء الطبقة الوسطى ويستهلك منتجات عليها علامة تجارية  منتجة  للمكانة، وينشغل بعلامة سيارته ونظافتها.

يؤلف هذا المناضل خطابه من جمل رومانسية تمجد المرأة وقوتها وتفوقها، ثم يستدر لها الشفقة لما تعانيه من بؤس واضطهاد الرجل، ثم يضع حقوقها في الفقرة الثانية من الخطبة، وفي التشخيص النهائي تحال أسباب اضطهادها إلى الثقافة المحلية القائمة على فكر ذكوري، وفي البلدان الإسلامية يعاد بالفكر الذكوري إلى منشأ ديني إسلامي؛ فالإسلام(لا فرق طبعاً بين النص والممارسة) هو صانع الذكورة المتغطرسة (كأنما جاء الدين قبل الإنسان وجعل منه ذكراً وأنثى، علما أن نفس الخطاب يرتبك أمام وجود قهر مسلط على بعض النساء في مجتمعات غير إسلامية). وقد صارت جملة نزار قباني عن الرجل الشرقي الذي لا يقسم مع زوجته وسماً فارقاً لخطاب الجندرية العربية.

هذا المسند التاريخي الثقافي للخطاب يسهل تموقعاً آخر ذا مردود مجز. إذ يمر بالخطاب من الإسناد الديني للوضع الدوني للمرأة في المجتمعات  الإسلامية، إلى وسم خطاب النوع وحده بالتقدمية بما يضع المسند الديني في التخلف، وتنحرف المعركة إلى معركة تقدمية ضد رجعية، فيتم استفزاز المرجعية الدينية التي ترد بالنص الديني (وتغفل الممارسة التاريخية) فيدخل الخطاب منطقة التكفير والإقصاء، وهو ما سيكون يوم 8 مارس في الجرائد والإذاعات والتلفازات العربية. وكلما ارتفعت أصوات هذه المعركة حصل المناول اليساري تمويلاً مجزياً ممن يلهيه عن واقع الاستغلال المعولم، وحصل الخطاب المقابل تمويله ممن يصر على حرمان المرأة من سياقة سيارتها.إنها معركة برجوازية تافهة وسخيفة، المعركة الحقيقة تتم في مكان آخر.

معركة التحرر الوطني  الشامل.

أسمح للتأويل بأن يرى هذه الفقرة قد سقطت من كتاب صدر في الخمسينيات. فهناك في زمن التحرر الوطني صيغت الصفوف واتضحت الرؤية. الحرية ضد الاستعمار وضد الاستغلال. هناك وضعت أسس قيامة مجتمعات مستقلة، تنهي الحيف والظلم وتعيد الحقوق لأصحابها، ولا فرق بين المواطنين على أساس النوع. بل إن تحرير شق دون آخر يؤخر التحرر الشامل.

إن طرح قضايا المرأة ولو بعد 60 سنة من الاستقلال (الحالة التونسية) خارج أفق التحرر الشامل من الاستعمار والاستغلال الرأسمالي المعولم، هو تموقع مشبوه في معركة الحريات والاستقلال يتواطأ ضد نفسه مع مصدِّري القضايا الخاطئة والنِّفايات السامة لشعوب العالم المفقر ثالثاً حُسِبَ أم رابعاً. وقضايا النوع الاجتماعي من هذه الزاوية، لا تقل خطورة عن نفايات نووية من حيث قدرتها على إلهاء شعوب مقهورة عن معاركها الحقيقية. ولا أرى الأمر من الصدفة المحضة أن المروجين لخطاب النوع الاجتماعي في بلادي ينتمون إلى حزب شيوعي رفض الاستقلال عن فرنسا، وقال بالإلحاق كطريق للحداثة والتقدمية.