أفكَار

وزير مغربي سابق: المفكرون والفلاسفة هم الأقدر على رعاية العدالة والكرامة

بنسالم حمّيش: إذا كان الفاعلون السياسيون والاقتصاديون عبر العالم يقرون بحاجتهم إلى قوة فكرية واقتراحية، فلن يستطيعوا في جانب مهم منها تلبيتها إلا مع وجوه النخب الساهرة على نسق القيم والثقافة الإنسوية.
رافد أساسي هو رافد الفكر الفلسفي كطاقة إيجادية متجددة، تُطلب بها الحقائق والدلالات، إذ المفكر (أو الفيلسوف) هو هذا الفاعل المحنك في إلحاق الجزء بالكل، والشيء بمفهومه، والمتمرن، أكثر من غيره، على إبداع المقولات ونحتها لإحسان التعبير عن أشياء ووقائع، كما على طرح قضايا جوهريةٍ رئيسية.

إن فعل الفلسفة، هو محاولة الذهاب إلى عمق الظواهر والأشياء بقصد الكشف عن طبيعتها الحقة، وليس المصطنعة والمنحولة، كما عن نشأتها ووظائفها. ويحسن إذن فهم الفلسفة بكونها هذا الفكر الذي، على امتداد قرون تاريخه الطويل، أنتج وخلّف نصوصا أمهات، غنية بتوافقاتها وتواتراتها، كما بخلافاتها وقطائعها.

أن أي فلسفة لا تمارس النقد والنقد الذاتي تظل دون استحقاق تسميتها ودون السعي إلى إيقاظ العالمين من سباتهم وسهوهم لتوعيتهم بوجودهم وأنفسهم وشؤونهم. ذلك أن تلك الممارسة هي التي تصلح للفيلسوف، فوق التنظيرية الخالصة والتجريبية الصرفة، لاجتياز سبل الفكر المديدة الوعرة، متجنبا المكرورات والقبليات المترسخةِ الضارة، وكذلك الانطواءات العقائدية والصنميات والجاذبيات الاستلابية.

حين نقول ذلك، لا نعني مطلقا أننا ممن يدعون إلى تعبد الفلسفة وتخويلها احتكارا حصريا للفكر، أي بجعلها كبومة مينرڤ التي تنظر بجلاء في الظلام الدامس ولا تطير إلا بُعيد سجو الليل، حسب تعبير شهير لهيـغـل، بل إن الأمر يتعلق بفك العزلة عنها على صعيد الموضوعات والمفاهيم وصعيد المناهج والمعالجات، أي بتحريرها من قبضة الفكر الواحدي الدوغمائي، إيديولوجياً كان أم دينياً. وفي هذا المنحى، يلزم دوما إبعادها عن الشَّرك الكامن في كل نزوع إلى الدَّعوية الناجم عن تصور ضيِّق ومتهافت للفلسفة كديانة جديدة، تأوي الحقيقة المطلقة وتنفرد ببث الأنوار واستصدار مقالات الفصل والحسم. فهذا التصور يوجد في قطيعة مع انفتاح الفكر المخصِّب والنهج التساؤلي، ومع سعة الروح التي أحسن تنظيرها وتفعيلها والثناء عليها كل من الفيلسوف الألماني لايـبنتز والفيلسوف العربي ابن رشد.

نظريا، يمكنني القول: إن فيلسوف الأنوار الألماني إيمانييل كانط قد كان في التاريخ الفكري والنقدي بوصلة محفزة ناجعة، وذلك من حيث إنه وضع ثلاثة أسئلة محورية تعرِّف حقل الفلسفة: ماذا يمكنني أن أعلم؟ ماذا يجب علي أن أفعل؟ ماذا يجوز لي أن أترجاه؟ وكلها تتحدر أصلا من سؤال واحد هو: ما هو الإنسان؟

المحصل أننا عربيا وإقليميا نوجد في حالة تبخيس الذات وحقها في الحداثة المبدعة كلما كنا تجاه الغرب في وضع تبعيٍّ عيليٍّ عقيم، أي عبودي إرادي (كالذي حلله إيتيان دي لا بوييسي من القرن السادس عشر).
طبعا يتعلق الأمر هنا، في الفكر الفلسفي، بقنوات صورية ليست حصرية ولا صارمة التحديد، وبالتالي يمكنها أن تنميَ ما ظل في الكانطية مضمرا أو مختصرا، ومنه على وجه الخصوص فلسفة التاريخ التي خلف لنا فيها كانط نصين هامين مؤسسين، الأول هو "ما الأنوار؟"، ومنه هذه الفقرة الشيقة: "إنها خروج الإنسان من قصوره، وهو نفسه المسؤول عنه؛ قصوره، أيّ العجز عن تسخير عقله من دون قيادة الغير، إذ أن سبب ذلك ليس في نقص العقل، بل في انعدام القرار والجرأة لاستخدامه من دون تلك القيادة. فلتكن لك الشجاعة في فعل ذلك: هذا هو شعار الأنوار"، (فلسفة التاريخ ط. 1974، ص 46).

والمحصل أننا عربيا وإقليميا نوجد في حالة تبخيس الذات وحقها في الحداثة المبدعة كلما كنا تجاه الغرب في وضع تبعيٍّ عيليٍّ عقيم، أي عبودي إرادي (كالذي حلله إيتيان دي لا بوييسي من القرن السادس عشر).

إن عدم الوعي بالطابع الاستنقاصي والحَجري لهذا الوضع ينجم عنه، ضمن أضرار أخرى، إلحاق الأذى بالمبادئ التي نحق بالتشبث بها حين نحسن تدبيرها كلوازم للديمقراطية وحقوق الإنسان، أي بحرية الفكر والتعبير وبالتنوع والتعدد والاختلاف.

أما النص الثاني فهو مشروع من أجل سلام دائم استلهمته عصبة الأمم SDN إبان نشأتها)، وبه أحدث الفيلسوف قطيعة صارمة بين السياسة في خدمة المثل والقيم ورخاء الحياة الإنسانية وبين السياسة التي ليست سوى متابعة الحرب بوسائل أخرى؛ وعليه فإن شروط إمكان تحالف للسلام (foedus pacificum) وهو غير معاهدة سلام (foedus pacis) لهي بمثابة أمر موجب قطعي ينطبع في المؤسسات العمومية ولخصوصية، كما في الأوعاء والسلوكات الفردية والجماعية.

إن ثقافة السلام الدائم (بالمعنى الكانطي للمفهوم) بعيدا عن كل تحابٍّ مشاعريٍّ صوري وكل صنمية مصطلحية، آخذة شيئا فشيئا في نصب أدرع فعالة (ضوابط معقلِنة، اتفاقيات، معاهدات، إنجازات محسوسة)، كما في إطلاق دينامية الممارسة التواصلية (من صنف ما نظّر له يورچن هابيرماس)، دينامية من شأنها أن تغالب المخاطر التي تمثلها إرادة القوة وعجز المعرفة والإستعراف والتصامم واللاتسامح.

إن ساكنة الأرض، وهذا ما يذكرنا به الحكماء، يوجدون في نفس السفينة، وكل خلل يلحق إحدى جوانبها يعرضها كاملة لمخاطر الرسوب والتلف. وعليه، فإن بوصلة الحكامة الجيدة يلزم أن تكون في التنمية المشتركة والمبادلة العادلة، وكلتاهما تنضوي في الديمومة وتستهدف صحة الأرض والبيئة ونمو أخضر واقتصاد تضامني على الصعيد العالمي. وفي كل هذا تكمن مخصِّبات سلام كوني لا بارد (على غرار الحرب الباردة) بل تعايشي مستطاب، يمتح من ثقافة سخية أخوية، منتجة لثروات مشتركة ولأخلاق التقاسم واللاعنف.

إن فلسفة التاريخ التي، من حيث مواضيعها ومفاهيمها ومساراتها، يلزم أن تكون من إحدى الرافعات الكبرى، القمينة بوقاية ذلك الفكر من الممارسات النرجسية أو من التشدق المفاهيمي اللغْوي (logomachie) الشائعة في بعض التيارات المعاصرة. ذلك لأن في ميدان فلسفة التاريخ، وإذن بعيدا عن المركزية العقلانية (logocentrisme)، يمكن لفاعليها إعادة زيارة الثقافات والمأثورات الحِكمية المشرقية والإفريقية، واللاتينو-أمريكية والأسيوية، ثم التفكير، استنادا إلى هذه العطاءات، في كبريات قضايا العالم الحديث.

بعد النقد الكانطي للعقل الخالص، لم يعد من الممكن اختزال الفلسفة في الميتافزيقا، خصوصا منها التي يصح لنا أن نضع عليها مع ڤولتير هذه الكلمة: غير واضح (non liquet). وهكذا فإن الفكر الفلسفي نمّى ـ كما يشهد تاريخه ـ مجموعة من التيارات والمدارس المختلفة والمتعارضة، وبعضها يتموقع خارج منطقة "العقل الخالص"، أي حول الخطابات والممارسات والمؤسسات من أصناف شتى، ذهب فريدريك نيتشه إلى عرضها على تفكيك جينيالوجي بضربات المطرقة، وذلك حتى يكون جدَّ قريب من تركيبتها العلِّية القادرة على كشف نشأتها والتمكن من معرفة طبائعها ودواليبها ووظائفها.

ومعنى هذا أنْ ليس لأحد سلطة من أيِّ صنف كانت لمنع الفلسفة من حق الإقامة في الحقول الوسيعة لـ "التاريخ من أجل الحياة" (بتعبير نيتشه) ما دامت قادرة على شرعنة أساس ذلك واستحقاقه بفعل تألقات نتاجاتها وجودتها. إن أعمال ميشل فوكو حول تاريخ الجنون في العهد الكلاسيكي وتاريخ الجنس والمؤسسة السجنية، علاوة على دراسات إدگار موران عن التشعبية (complexité) الإنسانية ومناهج المقاربات المتعددة الإختصاصات، لتعطي جميعها أمثلة منيرة على تدخل ثري ومتميز للفيلسوف في مواضيع ظلت زمنا مديدا حكرا على المؤرخين وأخِصَّائيين آخرين.

ليس لأحد سلطة من أيِّ صنف كانت لمنع الفلسفة من حق الإقامة في الحقول الوسيعة لـ "التاريخ من أجل الحياة" (بتعبير نيتشه) ما دامت قادرة على شرعنة أساس ذلك واستحقاقه بفعل تألقات نتاجاتها وجودتها.
وإذن، إن للفلاسفة، من حيث المبدأ، القدرات البحثية والفكرية لكي يكون فكرهم مستطيعا العمل على تشغيل إحدى مواهبه البدئية، التي هي عقلنة ظواهر التاريخ والإمساك جذريا بالمشاكل التي تطرحها، أي بعلل العجز المتزايد الذي تشكو منه قيم المساواة والعدالة والتضامن في عالم قاسٍ مختل مثل عالمنا.

وبالتالي، فإن الفكر الفلسفي إذا ما أُحسن تمثله المفهومي وتدبيره المنهجي، يمكنه أن يقوم كأحد أنماط البحث في شتى الشؤون المحدثة، كالتنمية البشرية النوعية المبدعة، والحداثة كمعين إنتاج وتحصيل لقيم عليا مضافة وحضورٍ حقيقي ودالّ، علاوة على الإقتصاد والبيئة ومجتمع المعرفة، وسوى ذلك من القضايا ذات الصلة بالديمقراطية التي لها بالفلسفة علاقة عضوية، لا يستطيع الإستبداد صرمها أو تبديدها، ذلك لأن هاته بأسبقيتها وقوتها الذاتية قد أسهمت جدّيا في تاريخ ولادة تلك مفهوما وممارستةً، وهذا حدث إبان عهد الزعيم العظيم بيريكيلس مؤسس الديمقراطية والمنتخَب بمقتضى النظام الجديد رئيسا ما بين 443 و429 قبل الميلاد.

إن الفلسفة، باعتبارها صديقة (فيلان) الإنسجامية (هرمونْيا) والحكمة (صوفيا) لا يمكنها إلا أن تتبنى القضايا الإنسية وتسحب البساط من تحت الفكر الواحدي وبالضرورة الجائر، مع ما يحويه من دوغمائية وعنف وتسلط. إنها تشع وتعطي أحسن ما لديها في أنظمة حرية الفكر والتعبير، لكنها تنتكس وتمرض في ظل أجواء تنعدم فيها الديمقراطية ولوازمها، أو تضحو عبارة عن زخرف وخدعة.

صحيح أن كل فيلسوف إنسوي، منذ سقراط، يعلم يقينا أن العالم كما يسير مرفوض وجهةً ومعنى، لكن يلزم اليوم أن تجد هذه الحالة الشعورية إحدى تعابيرها القوية في مؤشرات ورصود شاهدة على الاختلالات والتفاوتات الثاوية بين الأمم وفي المجتمعات، كما على بؤس الحياة لدى أغلبية العالَـمين، وكلها ثيمات خصبة مبرَّزة في الإنتاج الأدبي، والروائي تخصيصا.

وحاضرا، أمام واقع الأحوال العالمية الذي نُجمع على الإقرار بـأنه ليس آمنا ولا واعدا بالتحسن، فإن الفلاسفة والمفكرين عموما، كفعاليات ثقافية وحوارية، وبصفتهم "موظفي الإنسانية"، حسب تعبير الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل، لا يسعهم إلا أن يستميتوا في مقاومتهم للشر المتعدد الأشكال والمظاهر، وللإنزياحات من كل نوع، كما للعجز الفكري المهيمن؛ وذلك لأنهم، من حيث تكوينهم وطبيعتهم، يظلون عموما مُعْرضين عن الإنهزامية والتشاؤمية المبرمة (أي في الذكاء والإرادة معا)، وكلاهما يحكم على متخذيهما بأن يكونوا مشاهدين خاضعين ولا مسؤولين.

من باب الشهادة الذاتية، ومقتديا بالغزالي وديكارت وباسكال، أقول إن أقرب النصوص الفلسفية إلى وظائف الكتابة الروائية وفعاليتها، كما عاينت وجربت، ليس النص الشمولي النسقي، أو ما كان على شاكلته، إذ كيف نريد للروائي أن يستقر في نسق ما ويطمئن إليه، وأن يتمذهب به ويحتمي، ذلك أن الكتابة النسقية تعبئ مبادئ الاستمرارية والكلية والعقلنة، فتنشد التمامية والاكتمال، أي حشر الحياة في منظومة تحدد هي ماهيتها وتبرمج ديمومتها وتنسِّقُ خفقانها. وهذا ما جعل أكبر فيلسوف نظامي، هيـغل، يقول إنه آخر الفلاسفة، آخرهم لأنه وضع الأطروحة وضدها، وأطل على أتباعه ومعارضيه معا من شرفة تركيبه آمنا، معتبرا كل حالات اختبار الوجود لحظاتٍ زائلة في سيرورة دنو الروح من الفكرة المثال وانصهار التاريخ في المطلق.

المعطيات الوجدانية من شرفة هيـغـل هي كلا شيء، الفرد بكل معاناته وتجاربه هو كلا شيء، وعي الأنا بذاته وبالخارج والآخر وعي شقي لأنه مطبوع بالانشطار والتمزق، فهو كلا شيء؛ وكل هذه "الاغتيالات" المثالية هي من أجل غاية لا تعني أحدا ولا يطلع عليها أحد، ألا وهي حياة الكل وانتعاش الوعي الشمولي بذاته. هكذا يسقط الفرد ليعيش النسق وتتخلص المثالية المطلقة من مكابدات المعيش وآلامه، فترتاح إلى انسجام مقدماتها مع خواتمها وتنعم بتسلسل تدبيراتها ومنطقها.

لكنْ مع ما عرفته من أنساق فلسفية استفدت، على أيِّ حال، شيئا مهما: تيسير البناء الروائي وهندسة السرد، وما عدا هذا فإني أمامها، وخصوصا ما منها وجد ترجمته في أنظمة سياسية كليانية قامعة، أنزع إلى إيثار النص الفلسفي اللانسقي، أي الحيوي والمقطعي الشذري (كما في مؤلفي كتاب الجرح والحكمة) وهو الأنجع والأجدى في مجال اختبار الوجود وإيجاد الأفكار والرؤى؛ مع هذا النص، أراني في صحبة الوجوديين أهتف جهرا أو خفتا: عاش الفرد، هتاف يجد مرجعه في آيات قرآنية مثل ﴿ستلقون ربكم فرادى﴾ و﴿كلُّ امرئٍ بما كسبَ رهين﴾؛ وإنه هتاف من أجل الفرد وليس الفردانية). طاقات الفرد الذاتية وهي على محك تجربة المعنى والعلاقة بالعالم والآخر، ذلك ما بتُّ أوليه مكانة مخصوصة في انشغالاتي الروائية. والسبب أنه "ما دام الإنسان يحيا، كما سجل سورين كيركجور، فلن ينتهي التناقض والألم والصراع. ولن ينتهي ذلك كله ما دام الإنسان في الوجود. أما في السرمد فكل شيء يُفسر".

إيماني أو قل تعلقي الفكري بالفرد هو الذي حدا بي، على مستوى الكتابة، إلى إدراك إمكانات الرواية التعبيرية ونجاعتها التبليغية في مجال خلق شخوص، وتتبع منحنيات حياتهم من خلال أنسجة العلاقات والعقد التي يتحركون فيها. وبالطبع يكون الفرد-الشخصية، لا بالمعنى الملحمي أو حتى البطولي للكلمة، هو من يتظاهر كعنصر حيٍّ متكلمٍ عاملٍ داخل مجموعة بشرية، يتفاعل معها وينتج، أو كصاحب شهادة تستحق في نظر الروائي الإلتقاط والحكي.

بمعانٍ عديدة، أدرك إذن أن للرواية علائق مدلولية وثيقة بالفلسفة اللانسقية، الوجودية والحيوية، التي تحفل بأخصب مراتع التفكير في قضايا الإنسان، وهي في صيغتها الدينامية والحدية تتعلق أساسا بإشكال المعنى (أو اللامعنى) في جدلية الحياة والموت، المتمظهرة مثلا في ثيمات دوستويفسكي وتولستوي البارزة: الإنسان والشر/ الإنسان والحرية / الإنسان والله، وهي ثيمات أمهات تتفرع عنها أخرى كثيرة، كالحرب والثورة والسلطة، أو كالحب والقلق والانهيار النفسي وخراب التواصل بين الذوات، وسوى ذلك.

وإذا كان الحضور الفلسفي في أعمال ذينك الروائيين قويا، كما رصده  وحلله نقاد (باختين وطوما باڤيل في كتابه فكر الرواية)، فإنه ليس أقلَّ اعتمالا عند كتاب كبار لاحقين، أمثل عليهم باثنين فقط، هما نيكوس كازانتساكيس وخورخي لويس بورخيس. فالأول فيلسوف في تكوينه، تأثر كثيرا بالمذهب الحيوي (نيتشه وبرگسون) إضافة إلى المذهب البوذي. وهذا التأثر وجد عنده إطار استقبال مواتٍ في إحدى أهم روافد ثقافة اليونان القديمة، ممثلة في فكر هيراكليدس الشعري وفي الأبيقورية أو مذهب اللذة (إيدونيا) ومذهب السعادة (إيفديمونييا). ولعل أقوى وأجلى استثمار للبعد الفلسفي عند كازانتساكيس يتبدى في رائعته حياة ومغامرات أليكسيس زوربا، وذلك على مستويات عدة، منها مثلا ما كان عند سقراط والمفكرين قبله عبارة عن مولِّدٍ حراري وسمادٍ للنهج الفلسفي، أي المساءلة والتعجب والدهشة أمام أشياء الحياة وظواهر الوجود والكون.

وهكذا نرى زوربا يعبر عن ذلك بشكل عفويٍّ حار، إذ يتحدث مبهورا وراقصا عن الكواكب والأشجار أو الأحجار المتدحرجة، كما لو أنه يراها لأول مرة ("إيني بروتي فورا نا ﭬليبو"، يقول في لغته البسيطة الشيقة)، كما أنه لما هوى صرح شبكته ذات الأعمدة والأسلاك الذي أقامه لاستغلال منجم للفحم الحجري في موقع مرتفع، لم يكن ردّ فعله سوى الدخول في رقصة السرتاكي الشهيرة التي أعجب بها مشغله وصديقه بازيل الكاتب الأنجليزي ورب المنجم في جزيرة كريتي، فطلب منه أن يعلمه الرقصة للتلهي عن الكارثة ونسيانها..

إذا كان الفاعلون السياسيون والاقتصاديون عبر العالم يقرون بحاجتهم إلى قوة فكرية واقتراحية، فلن يستطيعوا في جانب مهم منها تلبيتها إلا مع وجوه النخب الساهرة على نسق القيم والثقافة الإنسوية، وهي التي يمثلها أساسا المفكرون والفلاسفة. في الوضع العالمي الحاضر، الزاخر بالمآسي والقلاقل، إنهم الأقدرون على تحريك وإعلاء الأفكار والمؤشرات الهادفة إلى إرساء ورعاية قواعد العدالة والكرامة وحياة اليسر التي يطمح إليها الناس وبها يكتسب وجودهم دلالة ومعنى.
أما بورخيس فقد كان ينكر انتماءه إلى أي نسق فلسفي، بدعوى أن النسق في المعرفة والفكر يقوم على الإختزال والغش، كما رأى ذلك نيتشه من قبله، وما يقر به في غير ما موضع هو أنه في أعماله كلها لم يفعل شيئا آخر سوى التنقيب في الإمكانات الأدبية لنظريات فلسفية أو ثيولوجية، مثل العود الدائم والمثالية والسرمدية، التي يحركها كما لو أنها شخوص أو فعاليات روائية، هذا علاوة على أنه كان يشتغل بثيمة نفي الأنا والمكان وبثيمة معارضة الزمان، وإنْ كطرائق للتسلية أو السلوان..

لكنْ ما أُلح في التأكيد عليه هو أن أولئك الروائيين جميعهم لم يتوفقوا في علاقتهم بالفلسفة إلا لأن فنهم السردي كان من الجودة والعمق بحيث جنبهم الوقوع في فخاخ الخطابة والوعظ أو في زلات الرواية ت الأطروحة. ومقتفيا أثرهمصرت كلما سُئلت عن فلسفتي قلت إنها في مضان أعمالي الفكرية وبالتشخيص في رواياتي التي كنت بها –محاكيا دوستويفسكي تخصيصا- أجيب على قضايا ومسائل ذات طابع فلسفي.

***

إذا كان الفاعلون السياسيون والاقتصاديون عبر العالم يقرون بحاجتهم إلى قوة فكرية واقتراحية، فلن يستطيعوا في جانب مهم منها تلبيتها إلا مع وجوه النخب الساهرة على نسق القيم والثقافة الإنسوية، وهي التي يمثلها أساسا المفكرون والفلاسفة. في الوضع العالمي الحاضر، الزاخر بالمآسي والقلاقل، إنهم الأقدرون على تحريك وإعلاء الأفكار والمؤشرات الهادفة إلى إرساء ورعاية قواعد العدالة والكرامة وحياة اليسر التي يطمح إليها الناس وبها يكتسب وجودهم دلالة ومعنى.

إن أعضاء تلك النخب، بمعته الرجال والنساء ذوي الإرادات القوية الحسنة، يمكنهم السعي حثيثا إلى تمنيع المستقبل القريب والأبعد بإقامة تصاميم ومواثيق تفاهم وتعاون بين الأوطان والحضارات. ومن هذا المنحى فلقد اتسم هتننغتون بنوع من اليقظة الفكرية إذ سجل: "إن الأنموذج السياسي الموروث عن الحرب الباردة كان نافعا وجديرا طوال أربعين عاما، ولكنه أضحى متقادما في أواخر سنوات الثمانينيات، وفي يوم مّا سيعرف البراديغم الحضاري المصير نفسه"، (صدام الحضارات، ص 32).

وهذا اليوم، في تقديرنا، قد حلَّ من خلال مؤشرات وأفعال في الجنوب كما في الشمال، تضع وتنشر بتأنٍّ وحزم سلطاتٍ وآمالا من شأنها تطويق المخاطر التي تتهدد حياة البشر على الأرض وسلامهم. وبكلمات إيمانويل كانط نقول إن استثمار شروط إمكان ثقافة الحوار والسلام يقوم اليوم كـ "أمر قطعي"، ويلزم بهذه الصفة أن ينطبع في المؤسسات العمومية والخاصة، وكذلك في الأوعاء والسلوكات الفردية والجماعية.