كتب

فكرة كونية الإسلام كانت تعبيراً عن التطلع وليست للسيطرة على العالم

إن المسار الحالي للثقافة الكونية مسار حداثي، لكنه ليس مساراً موحداً..
الكتاب: "الإسلام والعصر الحديث - نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح"
الكاتب: الدكتور محمد الحداد
الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر، تونس، الطبعة الأولى 2022
(242 صفحة من القطع الكبير)


الثقافة صنعت الرأي العام، والحرية مكنت الرأي العام من أن يفرض نماذج جديدة في الحكم والاقتصاد والمجتمع والدين ابتدعها المثقفون ولم يستمدها السياسيون من تجارب الماضي.

سيكون من المغالاة إعادة كل عناصر القوة الأوروبية إلى الثقافة، لكنها عنصر من العناصر الرئيسة في تشكل هذه القوة، تحولت الثقافة في النهضة الأوروبية من مجال المطلق والمعيار إلى مجال الاستشراف والاستراتيجية بل تحولت الاستراتيجيا في العالم الحديث إلى ثقافة، صحيح أن الاستراتيجية معروفة منذ العصور القديمة في المجال العسكري وكان دورها أن توظف عوامل أخرى للقوة غير الرجال والعتاد لتحقيق الانتصارات العسكرية وأن لا تنظر إلى المعركة فحسب بل تخطط للحرب في كل فصولها. لكن أوروبا حولت الاستراتيجيا من المجال الحربي إلى المجال الحضاري. والسؤال لماذا حصل هذا التحول في أوروبا بالذات؟

السبب الأكثر أهمية في رأينا هو أن أوروبا في عصر نهضتنا كانت الأكثر قدرة على فهم معنى الضعف. أوروبا كانت محاصرة بالإسلام، عسكرياً وتجارياً. الكنيسة والمحافظون كانوا يدعون إلى استعادة الحملات الصليبية للتخلص من هذا الخناق القاتل، شارلكان قاد تجربة إعادة إحياء الإمبراطورية الرومانية المسيحية، وقائع عديدة من الاسترداد المسيحي للأندلس إلى معركة ليبانت كانت تغري باستعادة قيم العصر الوسيط، لكن النهضة الأوروبية لم يصنعها هؤلاء. صنعها التجار والرحالة ومهندسو السفن وعلماء الأرصاد عندما فتحوا أمام أوروبا أبواب العالم دون المرور بالموانئ الإسلامية.

إن وعي أوروبا بحرج موقفها هو الذي دفع مبدعيها إلى الحلول الاستراتيجية وصدهم عن الاكتفاء بالوصفات السريعة والحلول الجاهزة. أوروبا الحديثة كانت رقعاً للتحدي الإسلامي العثماني ولم تكن مؤامرة ضد الإسلام، كانت إبداعاً ولم تكن مواصلة للحملات الصليبية. كانت استراتيجياً جديدة وجهداً مجدداً أنتج مكاسب امتدت شيئاً فشيئاً لتشمل مجموع البشر. لقد شهد التاريخ البشري نقلات نوعية من هذا القبيل، مثل التحول من الرعي إلى الزراعة، أو من الأديان الطوطمية إلى الأديان التوحيدية، أو من نظام القبيلة إلى نظام الإمبراطورية. أما تفسير هذا الانتقال التاريخي النوعي بالمؤامرة فهو تهرب من تحمل المسؤولية ومن الإقرار بالتقصير ومن بذل نفس القدر من الجهد والتضحية.

صدام الحضارات

إن المسار الحالي للثقافة الكونية مسار حداثي، لكنه ليس مساراً موحداً، بل تتنازعه اتجاهات ومذاهب شتى. ومن المهم اليوم أن نراهن على الانقسام بين الأنسنة الجديدة ونظرية صدام الحضارات، بدل أن نتقوقع حول نظريات وأفكار عفا عليها الزمن ونتحصن بالخصوصية والأصالة لتعيش خارج التاريخ.

نظرية صدام الحضارات السائدة اليوم هي الصيغة المعلمنة لصراعات الأديان قديماً. وقد سيطرت هذه الصيغة المعلمنة ابتداء من القرن التاسع عشر إلى النصف الأول من القرن العشرين، ثم خف حضورها في النصف الثاني من هذا القرن. أما سبب هذا التراجع فكان الدمار الذي أحدثته الحرب الكونية الثانية وقد رج الإيمان الغربي بالتفوق الحضاري، ثم توسع حركات التحرر الوطني التي خلقت عقدة ذنب قوية لدى الغربيين. لكن مع بداية القرن الحادي والعشرين، تبدو هذه المقابلة وكأنها تعود في قوتها الأولى، بينما تضعف بدائلها، من الحوار المسيحي الإسلامي إلى ثقافة ما بعد الحداثة القائمة على مبدأ النسبية الثقافية إلى مشاريع عدم الانحياز والعالمثالثية، ومن المهم أن  نلاحظ أن التزام الطرف الغربي بالهدنة المؤقتة طيلة النصف الثاني من القرن العشرين كان أكبر من التزام النظام الثقافي السائد في المجتمعات العربية والإسلامية، ففي حين اتخذ الغربيون موقف المجاملة، نتيجة ما يمكن تسميته بالعقدة الاستعمارية، ظلت الغلبة في هذا النظام لفائدة الأطروحات المعادية للغرب. كما تواصل الغموض محيطاً بقضايا مصيرية لم تعبأ الثقافة السائدة بنتائجها على المدى البعيد، من ذلك مثلاً وضع المرأة وأوضاع الأقليات الدينية والعرقية واللغوية في العالم الإسلامي.

الثقافة البطريركية وسياسة نقد السرديات النمطية

في هذا القسم الأول، ينتقد الباحث محمد الحداد أسطورة الطوفان القديمة السردية المعاصرة للانهيار الوشيك للحضارة الجديدة. أما أسطورة أهل الكهف، وهي أيضاً من أقدم الأساطير البشرية، فقد ولدت سردية في غاية الخطورة هي التي يدعوها بسردية الراعي النائم.

إن التاريخ الثقافي للإصلاح والنهضة، الذي يحاول الباحث محمد الحداد تجديده وإخراجه من السرد إلى التحليل التأويلي، ظل مشدوداً إلى هذه السردية، إلى صورة الراعي الذي غلبه النعاس عقوداً، ثم استيقظ ليتدارك ما فات، وكأن الأشياء من حوله لم تتغير. فإذا فككنا هذه السردية، تخلصنا من جملة من الاستنتاجات المغلوطة التي يرددها العديد من الدارسين ويقتبسها منهم الزعماء الأيديولوجيين لغايات أخرى، ومن الوعي الزائف الذي رسخته في الثقافة الجمعية، ثم تخلصنا من شعور الإحباط الناتج عن استحالة تحقق هذه السردية، وقد تحول لدى بعض الكتاب إلى سوسيولوجيا للهزيمة أو سوسيولوجيا لجلد الذات المثقفة، لاسيما أن القرن الحادي والعشرين قد حل وكأنه مؤكد لهذا الشعور ومدعَّماً له، من خلال أحداث أفغانستان والعراق وفلسطين.

من المغالاة إعادة كل عناصر القوة الأوروبية إلى الثقافة، لكنها عنصر من العناصر الرئيسة في تشكل هذه القوة، تحولت الثقافة في النهضة الأوروبية من مجال المطلق والمعيار إلى مجال الاستشراف والاستراتيجية بل تحولت الاستراتيجيا في العالم الحديث إلى ثقافة
فيم تتمثل سردية الراعي النائم؟ إنها تأخذ باختصار الشكل السردي التالي وصل الغرب والمسلمون إلى قمة الازدهار والقوة ثم تدرجوا في الانحطاط وانغلقوا على أنفسهم وقتاً طويلاً. بدأت أوروبا في الأثناء تحقق نهضتها في غفلة منهم، إلى أن حلت مراكب بونبارت قبالة السواحل المصرية فأدركوا عمق الهوة وبدأوا نهضتهم للالتحاق بركب الحضارة واستعادة دور القيادة العالمية، لكن المؤامرات الأوروبية حالت دون ذلك.

يقول الباجث محمد الحداد: "هيمنت هذه السردية لأسباب ثلاثة: أولاً، سطوة الاستشراق الفرنسي الذي ساهم في ترويج جزء منها لأنها تستبطن أن فرنسا هي التي أعادت الحضارة إلى العالم العربي بإرساليتها إلى مصر والشام ثم شمال أفريقيا، وعلى هذا الأساس اختيرت الحملة الفرنسية على مصر لتكون بداية النهضة. ثانياً شهرة النموذج المصري نفسه، وقد اسقط على كل مراحل التاريخ العربي والإسلامي. لاشك أن مصر قد اضطلعت بدور مركزي من القرن التاسع عشر إلى نهاية الثلث الثاني من القرن العشرين، وكانت رائدة في مجال نشر الأفكار من مختلف الأصناف والاتجاهات. لكن دورها من القرن السادس إلى نهاية القرن الثامن عشر لم يكن بنفس القوة، وإن لم يكن غائباً من ناحية الأثر الفكري الذي ظلت تمارسه بفضل اللغة العربية وجامعة الأزهر. ثالثاً، قابلية هذه السردية لأن ترضي كبرياء النفس الإسلامية المكلومة، التي تعودت على أن تنظر إلى التاريخ على أنه صراع أديان وحضارات، فكانت في حاجة إلى أن تطمئن ذاتها بأن غلبة ما تراه الحضارة المنافسة ليس إلا أمراً عارضاً عرضياً، حدث بسبب غفوة وسيلتئم في بضعة عقود، ليس سببه إبداع تلك الحضارة الجديدة بل تقصير الأجداد وتخليهم عن الجوهر القديم لحضارتهم"(ص34).

لا يؤمن الباحث الحداد بمقولة الانحاط، فهي مقولة مضللة كما يبين من خلال هذا الكتاب، لأن الانحطاط لا يستقيم إلا بالمقارنة مع فترة زمنية أخرى.. بينما الأجدر من وجهة نظره أن تقارن في زمن واحدة توجهات الأحداث بين منظومتين ثقافيتين مختلفتين، كي نبرز العوامل الذاتية والمنطق الحضاري الداخلي للمسارات. ثم إن مقولة الانحطاط ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنظرية المراحل الثلاث (بعث، قوة، انحطاط) المفضلة على المراحل البيولوجية لحياة الإنسان، وهي نظرية مضللة في تفسير التاريخ البشري عموماً، وفي تفسير الحضارة العربية الإسلامية تحديداً.

فالعنصر الأساسي الذي يميز مسار أحداث التاريخ الإسلامي في الماضي هو ما تدعوه "لا مركزية المركز"، معنى ذلك أن مركز الحضارة ظل متحولاً، وقد أعاد النموذج إنتاج نفسه بالتحول على المستويين العرفي والجغرافي. فكلما ضعف شعب عن تمثيل طليعة النموذج جاء شعب آخر ليتولى الدور، الأتراك والبربر والأكراد والمغول والمماليك وغيرهم ليسوا دخلاء على الحضارة الإسلامية وليس العرب في هذه الحضارة إلا جزاءاً من كل، والمثلث دمشق/ بغداد/ القاهرة كان مركز الحضارة في عهد من العهود لكن هذه الحضارة لم تسقط بسقوطه بل انتقلت إلى مراكز أخرى (لنتذكر أنه ورث بدوره الحجاز الذي خبا ذكره قروناً، لولا مكانته الدينية).

فعندما انهار هذا المركز استولى المماليك على مصر وخربت بغداد بدخول المغول وفقد الشام مكانته بسبب الصراعات الداخلية، لكن قامت مراكز أخرى بديلاً عنه. فدول كثيرة لم تقل شأناً عن الأموية والعباسية والأبوية واصلت هذه الحضارة. قام في المشرق العثمانيون والصفويون والمغول، وقام في المغرب الموحدون والمرابطون والمرينيون والسعديون والعلويون والحفصيون والحسينيون. كيف يمكن أن تتحدث عن سبات أو انحطاط في عهد عاش فيه رجال من أعظم ما أنجبت الحضارة الإسلامية: سليمان القانوني (1520 ـ 1566) وجلال الدين أكبر (1556 ـ 1605) والمولى إسماعيل (1672 ـ 1727) وحمودة باشا (1782 ـ 1814)، وغيرهم ممن لا يقلون شأناً من عبد الملك بن مروان وهارون الرشيد وصلاح الدين الأيوبي؟

القوة والعنف، التطور والتوسع

في القسم الثاني من هذا الكتاب، يتطرق الباحث محمد الحداد إلى مقولتي القوة والضعف، بوصفهما  كلمتين غير مترادفتين، مع أن الاستعمال العام يخلط بينهما أحياناً، عادة ما استعمل كلمة "قوة" في سياقات إيجابية وذات شرعية، كما هو الشأن في عبارة "القوات المسلحة" و"القوات العامة". بينما نستعمل كلمة "عنف" لوصف التعدي على الآخرين وإرهابهم بغير حق، وأحياناً تبرز استعمالات كلمة "عنف" ولكن في سياقات خاصة ومؤقتة (مرحلية)، فتتحدث عن "عنفوان الشباب" أو "العنف الثوري". وبصفة عامة، تبدو القوة عنفاً مشروعاً والعنف قوة دون شرعية. لكن الفارق بين الكلمتين لا يتحدد من منظور الشرعية وحدها، بل يتحدد أيضاً من منظور النجاعة. فالإنسان القوي هو القادر على الإضطلاع بما هو مطلوب منه من مهام، جسدية أو غيرها ("القوي الأمين"). أما الإنسان العنيف فهو يستعمل القوة دون نجاعة ولا فائدة ويعتدي على غيره دون موجب. والقوة مصطلح مستعمل في الفيزياء للدلالة على كل مؤثر يؤثر في الأجسام فيغير حركتها وسرعتها واتجاهها، بينما العنف حالة عصبية يدرسها العلاج النفسي.

وبالتأكيد، لم يحث الإسلام أتباعه على أن يمدوا خدهم الأيسر لمن ضربهم على خدهم الأيمن. وقد جعل القوة من صفات الألوهية، والقوي الأمين نموذج الإنسان الناجح. ووردت كلمة قوة ومشتقاتها حوالي أربعين مرة في القرآن. وورد الأمر بالقوة في سياقات متنوعة: "خذوا ما آتيناكم بقوة" (2:39) "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" (8: 60) "خذ الكتاب بقوة" (19: 12). فالقوة مثل أعلى وخلق إيجابي في الثقافة الدينية الإسلامية. وليس هنا مجال الحديث عن علاقة الدين بالعنف، والأديان التوحيدية، بعد ما أثاره كتاب أسمان المشهور من جدل لم ينقطع إلى اليوم. وإنما نود أن نبرز الفارق بين طرح الموضوع من زاوية الشرعية والمشروعية من جهة، ومن زاوية النجاعة من جهة أخرى.

فالقوة، إذا نظرنا إليها من زاوية الشرعية والمشروعية، قد تكون قوة لدى الطرف المنتج للشرعية وعنفاً للطرف المتقبل لفعل القوة. قوة المجاهدة، و"الفاتح" المسلم هي عنف من وجهة نظر "العدو" و"الكافر". وتلك قاعدة عامة، فالقوات المسلحة قوات شرعية من وجهة نظر الدولة التي تستعملها لكنها عنيفة من وجهة نظر الجهة التي تستعمل ضدها. والمسيحية التي حرمت على المسيحي استعمال القوة خصت هذا التحريم برجال الدين لكنها لم تمنعه، عن المحاربين والأمراء، فوزعت الأدوار في استعمال القوة والعنف وسمحت بهما، بل جعلتهما فرصاً على الأمير والمحارب إذا مارسا القوة المشروعة وخاضا ما دعي منذ القديس أوغسطين بالحرب العادلة.

لم يحث الإسلام أتباعه على أن يمدوا خدهم الأيسر لمن ضربهم على خدهم الأيمن. وقد جعل القوة من صفات الألوهية، والقوي الأمين نموذج الإنسان الناجح.
إذا تركنا جانباً قضية الشرعية والمشروعية، وهي قضية معقدة ومتحركة بحسب مواقع الفاعلين الاجتماعيين، فإن ما يجدر تأمله هنا هو المنظور الثاني في التمييز بين القوة والعنف أي جانب النجاعة. فالفعل القوي هو الفعل الذي يغير شيئاً حسب أهداف واضحة، بينما الفعل العنيف هو فعل فاقد للنجاعة، وهو في أغلب الأحيان تعويض عن غياب القوة. العنف قوة دون نجاعة، وكما أن الاستعمالات اللغوية السائدة تخلط في كثير من الأحيان بين القوة والعنف، فإن السلوك الفردي والجماعي يخلط أيضاً بين القوة القائمة على محددات موضوعية والعنف المتشبه بالقوة والفاقد لهذه المحددات، ويمتد هذا الخلط لتاريخ الحضارة ذاتها. فلئن لم توجد حضارة تأسست وحافظت على وجودها بدون حبويات قوة، فإن الانزلاق الواعي او غير الواعي إلى العنف، لاسيما في حالات الضعف، أمر عسير التمييز لكنه أمر وارد.

يستشهد الباحث محمد الحداد في تحليله  لحيوية الإسلام:القوة أم العنف" بالقول :"ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس في كتابه المشهور "حيوية الغرب" إلى أن الحضارة الغربية تتميز عن غيرها من الحضارات بكونها حققت الانتقال من الطور الغريزي إلى الطور العقلاني. تتمثل العقلانية في التعميم الاجتماعي لآليات السيطرة على الغريزة، فقدر أشخاص منفردين على أن يحققوا هذه السيطرة ظاهرة عامة، لكن تعميم هذا التوجه ليشمل مجموعة بشرية متجانسة يمثل تأسيساً للحضارة لأنه يتجاوز المستويات الفردية إلى مستوى اجتماعي أعم. وانتهى إلياس إلى أن ظهور البلاطات في أوروبا فرض على غرائز المحاربين أن تتحول إلى خطط معقلنة للسيطرة، أي أن السيطرة لم تعد تتوسل أداة العنف وحدها، أو أنها لم تعد القوة الخام الطريق المضمونة لتحقيق المكاسب، كما لم يعد إطلاق الغرائز عنوان تألف الفرد، بل كل عاجز عن السيطرة على غرائزه أصبح مآله العجز عن تحقيق غاياته، بصرف النظر عن كفاءاته في إنتاج القوة الخام التي لم تعد العنصر الحاسم. هذا مسار التحضر في رأي إلياس، وهذا سبب تفوق الحضارة الغربية وعنوان خصوصيتها"(ص 97).

يبدو التوسع عنوان "حيوية الإسلام" (بلعبارة التي أستعارها الحداد من إلياس) في العنصر القديم ومنطق مساره الحضاري العام. التوسع قائم هنا على ترويض غرائز العنف الفردية وصهرها في مشروع حضاري ينشد القوة والهيمنة. قام الإسلام على الجهاد، لأن كل المسارات الحضارية قائمة على القوة، وضحايا الحروب في الحضارة الحديثة لا تقل عدداً عن ضحايا الحروب القديمة. وكانت الغنيمة دافعاً من دوافع حراكه الحضاري، لأنَّ المنفعة محرك رئيس من محركات التاريخ البشري ولولاها لبقي الإنسان في العصر البدائي مكتفياً يفوت يوم ووفاء من البرد، والرأسمالية التي تمثل اللب في الحضارة الحديثة هي شكل من أشكال تحقيق الغنائم. وقد تضررت مجموعات بشرية عديدة من هذا المسار، لأن استفادة مجموعات معينة يترتب عليها حتماً تضرر مجموعات أخرى، في أي وضع حديث أو قديم، المهم من وجهة نظرنا أن نتبين الفارق بين حيوية التوسع في العالم القديم الذي كان عالماً دون حدود وكان التوسع فيه يعتمد على القوة (القوة الحربية ولكن أيضاً القوة التقنية التي أصبحت ضرورية في الحروب، كما رأينا سابقاً، وهي تستتبع القوة في التنظيم السياسي والاقتصادي) وبين تواصل الرغبة في التوسع في عالم جديد قائم على ظاهرة حديثة هي الحدود (الجغرافية، القومية، القانونية، الخ) وفي وضع يتميز بفقدان القوة، يمثل التوسع في الحالة الأولى عنوان حيوية. أما في الحالة الثانية، فتتواصل فكرة التوسع وأحلام الإمبراطورية الكونية وقد فقدت الحيوية والفاعلية واستقرت مجرد وهم لا علاقة له بحقائق العالم الحديث، بل هو وهم يعيق التكيف بالعالم المتغير، لأنه يجعل المتخيل الجماعي مفصولاً بهوة سحيقة عن الحقائق الموضوعية.

يقول الباحث محمد الحداد: "بدأت فكرة التوسع من منطلق ديني سابقا للإسلام، فقد انتشرت قبله بقرون فكرة المخلص الذي يظهر "آخر الزمان" ليخلص الأرض من الجور والخطيئة ويقيم فيها العدل ويوحد الناس حول الحق. جاء الدين الإسلامي معبراً عن هذا الطموح الكوني ومستجيباً لهذا التطلع الإنساني.

وكانت فكرة كونية الإسلام تعبيراً عن التطلع وليست تعبيراً عن إرادة السيطرة على العالم. ..حيوية التوسع بدأت بمعنى ديني روحاني محوره نشر الدين "الحق" بين البشر، ثم تحولت سريعاً إلى سيرورة توسع سياسي بسبب تداخل الدين والدنيا في التجربة الفعلية للمجوعة. هذا الاختلاط العضوي بين الزمني والروحي (لأنه بدأ منذ القرو الأولى، وليس من جهة كونه ملائماً أو مخالفاً للجوهر المفترض للرسالة) استقر قروناً طويلة محتفظاً بحيويته، ثم أصبح عنصراً معيقاً عندما فقد القدرة على مواصلة الدفع الحضاري. وقد تراجعت هذه الحيوية يوم تغيرت العلاقة بين العالم الذهني والعالم الكوني والجغرافي. كان ينظر إلى الكون على أنه عالم محدود مداره الأرض والكواكب المرئية بالعين المجردة، وإلى الجغرافيا البشرية على أنها أقاليم سبعة مفتوحة للتوسع والغزو. ثم انقلبت "السماء" فضاء مفتوحاً على عوالم غير مدركة بعد الثورة الكوبرنيكية، وعلى عكس ذلك بدأت "الأرض" تتحول، مع النشأة البطيئة للفكرة القومية، رقعاً صغيرة مححدة، ففقدت بذلك هالة التخيل والفضول التي كانت تحيط بها، وفقدت أيضاً جاذبيتها للفاتحين الحالمين بعوالم مثالية، مقابل إثارتها لشبهة الفاتحين الواقعيين من التجار الطامعين في استيراد المواد الخام وتصدير البضائع وتحقيق الأرباح(ص 103).

تراجعت حيوية الإسلام مع القرن الثامن عشر، لأنه قرن تأكد فيه هذا المسار الجديد للحضارة الإنسانية، قرن الاستحكام النهائي للتصورات الكوبرنيكية للكون والتصورات القومية للأمم. تراجعت هذه الحيوية ليس بسبب انحطاط مزعوم بل يسبب اتجاه العالم إلى الحدود المضبوطة والكيانات المغلقة، فأصبح مستحيلاً مواصلة التوسع بالخلط بين الدعوة الروحية والمصلحة السياسية والاقتصادية، إذا اتخذت القوة مفهوماً مختلفاً اختلافاً جذرياً، وكذلك السيطرة. ما يعني أن كل تراخ عن التكيف مع مقتضيات هذا العالم الجديد يؤدي إلى توقف حيوية الحضارة وتحرير الغرائز الهمجية والأوهام المغالطة حول الذات.

اقرأ أيضا: نقد العقل الإسلامي العَصِيِّ على تبنِّي الحداثة.. قراءة في كتاب