قضايا وآراء

فلسطين أمام فرصة.. هل من يلتقطها؟

هل يشكل التصعيد الإسرائيلي الجديد فرصة للمقاومة؟- جيتي
في فلسطين ثمة مقاومة شرسة بدأت بالتبلور، وثمة حركة تحرر بأساليب وأنماط جديدة وقيم مختلفة، فاجأت قادة إسرائيل، وأربكت مؤسسات التقدير والمجالس الاستشارية التي لم تستطع التنبؤ بها، وفي أحسن الأحوال تم تصنيفها ضمن ما يسمى بالقاموس الإسرائيلي "العنف في المناطق"، وهو مصطلح له مدلولات جنائية أكثر ويفقد القدرة على قراءة التحولات السياسية التي تشهدها الضفة الغربية وغزة وحتى مناطق الخط الأخضر.

ما يجري في فلسطين انقلاب مزدوج: انقلاب على أوضاع حاولت إسرائيل فرضها عبر اتفاقيات أوسلو، وبرضى إقليمي وضغط دولي، ويتضمن ذلك انقلابا على أدوات أوسلو وقيمها، وانقلابا على أنماط وأساليب الصراع ضد إسرائيل. ويمكن ببساطة ملاحظة أشكال المقاومة الجديدة وأساليبها وقدرتها على التأثير، وهو ما لم نشهده في تاريخ الصراع الفلسطيني مع إسرائيل، حتى في ظل الانتفاضات الأولى والثانية، وما قبلهما فترة الكفاح المسلح منذ منتصف الستينيات من القرن الماضي.

ما يجري في فلسطين انقلاب مزدوج: انقلاب على أوضاع حاولت إسرائيل فرضها عبر اتفاقيات أوسلو، وبرضى إقليمي وضغط دولي، ويتضمن ذلك انقلابا على أدوات أوسلو وقيمها، وانقلابا على أنماط وأساليب الصراع ضد إسرائيل.

ما يجري في فلسطين، يشبه ما جرى في مرحلة الربيع العربي، من حيث الزخم والأساليب الجديدة في مواجهة قوى القمع، لكنه أكثر اندفاعا وحماسا. بكل الأحوال، ثمة تغذية متبادلة في الحراكات العربية، ذلك أن ثورات الربيع العربي استعارت من الانتفاضات الفلسطينية الجرأة في مواجهة الموت والتنظيم الذاتي وكيفية مواجهة الحصارات، ومع عدم اختلاف طبيعة الخصم في المقلبين؛ الأنظمة العربية القمعية وحكومات إسرائيل الاحتلالية، يبدو أن الشباب الفلسطيني طوّر مقاربة جديدة لمواجهة المحتل وردعه.

ارتكز الربيع العربي عند انطلاقته على ثلاث ركائز شكلت محركاته الأساسية، الأولى: صعوبة استمرار الأوضاع الراهنة، ومن ثم استحالة الانطلاق للمستقبل ضمن هذا الشرط الموضوعي، والثانية: ضرورة مواكبة التطور العالمي، بعد أن هضم الشباب العربي، أو على الأقل شرائح كبيرة منه، الكثير من أدوات هذا العصر وتقنياته، والثالثة: أن ثمة فرصة تتمثل بانحلال النخب الحاكمة بعد وصولها إلى مرحلة التشبع من السلطة والثروة، بلغت حد الفجور كما وصفها المفكر العربي غسان سلامة.

هذه المحركات الثلاثة موجودة اليوم في خلفية حراك الشباب الفلسطيني. صحيح أن حلم تغيير الأوضاع كان دافعا لكل الأجيال الفلسطينية في كل مراحل مقاومة الاحتلال، وكذلك حلم الحصول على دولة، وفي كل انتفاضات الداخل الفلسطيني قامت وقدمت التضحيات، وهي تحدوها قناعة في كل مرّة أن هذا الحلم اقترب وأحيانا أصبح في متناول اليد، لكن كما قال المؤرخ البريطاني جي تايلور عن ثورات أوروبا 1848 التي فشلت وقضى عليها تحالف الأنظمة الحاكمة في أوروبا؛ إن "التاريخ بلغ منعطفا، لكنه لم ينعطف".

المتغير الحاصل اليوم في إسرائيل، هو انزياحها بدرجة كبيرة صوب التطرف، أو بلغة أدق، سيطرة المتطرفين على السياسة والمجتمع في إسرائيل، وهؤلاء، رغم ما أنزلوه بالفلسطينيين من عذاب، إلا أنهم شكلوا رديفا للحراك الفلسطيني وحركة التحرر الناشئة.

الفارق اليوم أن إسرائيل تراجعت مقارنة بإسرائيل التي كانت في المراحل السابقة، ورغم أن البيئة الاستراتيجية عملت لصالحها بدرجة كبيرة، وأزاحت معطيات المنطقة قلق إسرائيل الاستراتيجي، فقد زالت المخاطر الاستراتيجية منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي، وأصبحت قضية محو إسرائيل من الوجود حكاية من تراث قديم، وانشغلت المنطقة بصراعات بينية، خاصة بين الشعوب والأنظمة الحاكمة، إلا أن ذلك لم يوفر لإسرائيل الأمان المطلوب ولم يمنع ظهور ديناميكيات أضعفت مناعتها بدرجة كبيرة.

المتغير الحاصل اليوم في إسرائيل هو انزياحها بدرجة كبيرة صوب التطرف، أو بلغة أدق، سيطرة المتطرفين على السياسة والمجتمع في إسرائيل، وهؤلاء، رغم ما أنزلوه بالفلسطينيين من عذاب، إلا أنهم شكلوا رديفا للحراك الفلسطيني وحركة التحرر الناشئة، لأسباب عديدة:

- أضعفوا وحدة المجتمع الإسرائيلي، وثمة انقسام عمودي بدا ملحوظا داخل إسرائيل، إذ تتصادم سيطرة هؤلاء على المجتمع والسياسية في إسرائيل مع التيارات الليبرالية والمدنية واللادينية، وهي وإن لم تكن متوحدة، إلا أنها كتل كبيرة في المجتمع الإسرائيلي، ويصعب على هؤلاء التعايش مع المتطرفين الدينيين وقد يفكرون في خيارات أخرى، من نوع الهجرة والعودة لبلدانهم الأصلية، كما أن إسرائيل لن تكون جاذبة لمهاجرين جدد في ظل هذه الأوضاع.

ثمة فرصة في قلب هذا الوجع الفلسطيني لتحقيق مكاسب مهمة، في ظل توفر أدوات وأساليب جديدة في النزال، يتوقف الأمر على طريقة إدارة الصراع وإمكانية إفراز قيادات سياسية لديها القدرة على استثمار التطورات الجديدة، والسعي إلى تصريفها سياسيا، عبر دمجها بالمتغيرات التي يشهدها النظام الدولي الراهن.

- افتقاد المرونة والقدرة على المناورة السياسية، وخاصة السياسة الدولية، والدليل على ذلك التململ الحاصل لدى النخب الغربية من سياسات إسرائيل، والتباعد الحاصل بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية. ولا يفسر إعلان واشنطن دعمها ومساندتها لأمن إسرائيل بعد الضربات الصاروخية من قطاع غزة (ردا على اقتحام المتطرفين اليهود للمسجد الأقصى) حقيقة التغير الجاري في مواقف النخب الأمريكية، بقدر ما هو إعلان دبلوماسي روتيني.

- تنبه قطاعات عديدة في المجتمع الإسرائيلي إلى عبثية سياسات المتطرفين ولا جدواها، ومن ثم فإن الاعتراض عليها انتقل من الحالة السلبية (التذمر) إلى المواجهة الفعلية؛ عبر المظاهرات التي عمّت تل أبيب، ورفض تلبية نداء الاحتياط من قبل فئات وشرائح داخل المجتمع الإسرائيلي.

ثمة فرصة في قلب هذا الوجع الفلسطيني لتحقيق مكاسب مهمة، في ظل توفر أدوات وأساليب جديدة في النزال، يتوقف الأمر على طريقة إدارة الصراع وإمكانية إفراز قيادات سياسية لديها القدرة على استثمار التطورات الجديدة، والسعي إلى تصريفها سياسيا عبر دمجها بالمتغيرات التي يشهدها النظام الدولي الراهن.

twitter.com/ghazidahman1