كتب

هل تملك الصين رؤية استراتيجية واضحة تجاه قضايا الشرق الأوسط؟

ما هي العوامل المؤثرة في موقف الصين من قضايا المنطقة العربية؟
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (ط1، قطر، 2020)، كتاب "الصين والشرق الأوسط: دراسة تاريخية في تطور موقف الصين تجاه قضايا المنطقة العربية بعد الحرب الباردة"، للكاتب والباحث حكمات العبد الرحمن. يتألف الكتاب (328 صفحة من القطع المتوسط) من سبعة فصول وخاتمة.

تكمن أهمية الكتاب في أنه "محاولة لفهم الموقف الصيني من القضايا العربية الحساسة التي يحتضنها الشرق الأوسط ذات التأثير العالمي الكبير، ومحاولة شرح العلاقة بين موقع الصين في النظام الدولي وسياساتها تجاه المنطقة العربية، إضافة إلى أهمية تقديم تصور متكامل لموقف واحد من أهم القوى الصاعدة على المسرح العالمي من قضايا المنطقة العربية، ودورها فيها".

"ويهدف البحث إلى شرح التأثير المتبادل بين دور الصين القوي المرشحة لمنافسة القوة العظمى الوحيدة في العالم في قضايا أكثر المناطق سخونة، وأهمية على مستوى رسم النظام الدولي، وإعادة هيكلته من جهة، وأهمية القضايا التي تحتضنها المنطقة العربية، ودورها في إظهار فاعلية القوى الطامحة إلى ممارسة دور أكثر فاعلية وتأثيرا في رسم السياسات العالمية من جهة أخرى. ويحاول الكتاب تقديم صورة استشرافية لمستقبل العلاقات الصينية ـ العربية، وتأثيرها في مواقف جمهورية الصين الشعبية من قضايا العرب المصيرية".

يناقش الكاتب في الفصل الأول، المعنون بـ "دور الصين ومكانتها المستقبلية في النظام العالمي والعلاقات الدولية"، مكانة الصين ودورها في مستقبل نظام العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة والفرضيات المختلفة، وأهمها الفرضية التي تناولت صعود الصين ونموها، وإمكان أن تصبح قوة عالمية مهيمنة، والفرضية التي تتعلق بدراسات حديثة تناولت بداية تراجع الصين والآثار التي يمكن أن تترتب على تراجع النمو الصيني على المستويين المحلي الصيني والدولي.

فـ"دراسات كثيرة تشير إلى أن الصين مؤهلة وبقوة كي تكون اللاعب الدولي رقم واحد في العالم، فمع انتقال ميزان القوى العالمية من أمريكا إلى آسيا، وظهور الصين أكبر مركز صناعي في العالم، وثاني أكبر اقتصاد من حيث الإنتاج، بدأ التحول بقوة في جغرافية تموضع القوى العالمية، والتبشير بالعودة إلى فترة التعددية القطبية، لكن مع اختلاف الأقطاب، أو أحدها في الأقل".

يستعرض المؤلف في الفصل الثاني، تحت عنوان "العلاقات الصينية ـ الشرق الأوسطية"، موضوع العلاقات العربية ـ الصينية، ويقسمها إلى عدة مراحل، المرحلة الأوىي، هي مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. التي بدأت من الاعتراف السياسي لدول الشرق الأوسط بالصين. والمرحلة الثانية، بداية التقارب الصيني ـ العربي، وعودة الصين التدريجية إلى منطقة الشرق الأوسط. أما المرحلة الثالثة، التي سادت في فترة الثمانينيات من القرن العشرين، تميزت بظهور توجه جديد، يدعو الصين إلى تبني مواقف سياسية أكثر استقلالية في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط وقضاياه.

في المرحلة الرابعة، مع بداية القرن الحادي والعشرين، اعتمدت الصين في علاقاتها مع الشرق الأوسط على الحضورين السياسي والدبلوماسي، لكن من دون أن يكون لها دور الوسيط في حلّ المشكلات، مع عدم إغفال أهميتها؛ بوصفها شريكا مهما اقتصاديا وسياسيا لمنطقة الشرق الأوسط.

يتناول المؤلف في الفصل الثالث، بعنوان "دور المنطقة العربية في تحديد الاستراتيجية الصينية تجاه الشرق الأوسط"، الاستراتيجية الصينية التي تعتمدها والأدوات التي تستخدمها تلك الدبلوماسية لتحقيق أهدافها في منطقة الشرق األوسط. ويتساءل البحث عن مدى وجود استراتيجية حقيقية وواضحة لبكين تجاه دول المنطقة.

يحدثنا المؤلف في الفصل الرابع بعنوان "مبادرة الحزام والطرق وتأثيرها في العلاقات العربية ــ الصينية"، عن مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس الصيني في خريف عام 2013، ويستعرض نظرة العرب إلى المبادرة ما بين مؤيد ومُبشر بها من جهة، وناقد ومحذر منها من جهة أخرى.

هكذا، شهدت مبادرة الحزام والطريق تجاوبا محدودا من الدول العربية، على الرغم من وجود الكثير من الاتفاقيات التي تربط الصين بالدول العربية في المجالات الاقتصادية والمالية والثقافية. ويمكن تفسير هذا التجاوب البطيء والحذر من خالل النظر في أمرين اثنين: الأول، هو ضبابية صورة المشروع وغموض أهدافه، والثاني الخوف من تأثيره في أهم الممرات العالمية التي تقع ضمن الدول العربية، ولا سيما قناة السويس، ما سينعكس بدوره سلبا على الاقتصاد المصري. فالتأثيرات ستكون في البداية محدودة، ولا تمثل خطرا حقيقًيا وواضحا في الأمد القريب. إلا أن هذا التهديد سيكون أكبر وأكثر تأثيًرا في حال طُورت البنى التحتية اللازمة للطريق، وحصل التغلب على المشكلات السياسية التي تعانيها المنطقة التي يمر بها طريق الحرير الجديد، حيث إن الطريق يوفر كثيرا في الوقود والزمن. هذا التجاوب الحذر من الدول العربية سبب خيبة أمل عند الصينيين، الذين اعتبروا أن التجاوب العربي مع المبادرة، جاء متواضعا جدا، ولم يرق إلى مستوى توقعاتهم.

يجب على القيادات العربية أن تدعم مشروعات الحوار العربي ـ الصيني، وتعزز الحوار الأكاديمي والبحثي والاتصالات الرسمية لتعزيز المعرفة المتبادلة بينهما، وتعزيز المشاعر المؤيدة القضايا العربية. وعلى القيادات العربية أيضا الاقتراب أكثر من جيل الشباب الصيني الواعد، الذي سيمثل القيادات المستقبلية للصين المحلية والخارجية، واستغلال تلك العلاقات في كل ما من شأنه خدمة المصالح والقضايا العربية المصيرية".
يستعرض المؤلف في الفصل الخامس، بعنوان "العوامل المؤثرة في موقف الصين من قضايا المنطقة العربية"، ستة عوامل أو نقاط مؤثرة في موقف الصين من قضايا المنطقة العربية، هي:

العامل الأول، هو عامل أمن الطاقة وارتباط هذا الأمن بالمنطقة. والعامل الثاني، يتمثل في التجارة والاستثمار، حيث تطورت التجارة وتضاعفت مشروعات الاستثمار بشكل كبير، يتناسب طردا مع ازدياد الحاجة الصينية إلى المنطقة، وحاجة المنطقة إلى الاستثمارات الصينية وتجارتها. والعامل الثالث، هو دور العامل الأمريكي في سياسة الصين الشرق الأوسطية وتأثيره الفعلي في المواقف الصينية، من أهم القضايا التي شهدتها المنطقة العربية. والعامل الرابع، هو، تأثير العوامل الداخلية في الصين والمنطقة في تلك المواقف. والعامل الخامس، هو، هوس الصين وطموحها إلى تحقيق الهيمنة في المنطقة، انطلاقا من إرث تاريخي يعود إلى العهد الإمبراطوري، وطموح حاضر في نموها الاقتصادي المذهل. والعامل السادس، هو، عامل العلاقات المتداخلة والمعقدة بين الصين والقوى الفاعلة الأساسية الثلاث في المنطقة؛ أي المملكة العربية السعودية وإيران وإسرائيل، ومدى تأثير هذه العلاقات في توجّهات الصين وسياستها تجاه المنطقة العربية وقضاياها المهمة.

أما الفصل السادس، تحت عنوان: "موقف الصين من قضايا المنطقة العربية"، فيتناول حكمات العبد الرحمن، علاقات الصين بالمنطقة العربية في العصر الحديث، التي تدور حول قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وحربي الخليج الثانية والثالثة، وقضية أمن الخليج، وموقف الصين من قضايا السودان وأزماته، ودارفور وجنوب السودان، إضافة إلى تناول مستقبل الدور الصيني في المنطقة العربية، والتعرج باختصار على موقف الصين من الأزمات التي شهدتها المنطقة العربية مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، من دون الدخول في تفاصيلها وحوادثها.

في الفصل السابع، بعنوان: "مستقبل الدور الصيني في المنطقة العربية"، يركّز فيه الكاتب على معالجة القضايا والمصالح التي تأمل الدول العربية، وتتوقع من الصين دعمها ومساندتها فيها، وعلى معرفة الحد الذي يمكن بكين أن تصل إليه في دعمها القضايا العربية في المحافل العالمية. ويتطرق أيضا إلى أهم المصالح الصينية التي يمكن الجانب العربي أن يدعمها ويساهم في تحقيقها.

وفي نهاية الكتاب، يرى المؤلف أنه من الـ"ضرورة أن يتخذ العرب خطوات جريئة لتطوير العلاقات العربية ـ الصينية، يقابلها إعلان الصين موقفا واضحا ومحددا من القضايا العربية المصيرية. يجب على الدول العربية تبني سياسات جديدة وواضحة من بكين، ويجب على القيادات العربية أن تعي جيدا الوضع العالمي الحالي والمستقبلي المحتمل. فالعالم مقبل كما يبدو ـ وإن كان في الأمد البعيد ـ على نظام دولي غير محكوم من دولة واحدة مهيمنة، بل من دولتين أو ثلاث وربما أكثر، وستكون الصين من دون أدنى شك من هؤلاء اللاعبين الأساسين.

كما يجب على القيادات العربية أن تدعم مشروعات الحوار العربي ـ الصيني، وتعزز الحوار الأكاديمي والبحثي والاتصالات الرسمية لتعزيز المعرفة المتبادلة بينهما، وتعزيز المشاعر المؤيدة القضايا العربية. وعلى القيادات العربية أيضا الاقتراب أكثر من جيل الشباب الصيني الواعد، الذي سيمثل القيادات المستقبلية للصين المحلية والخارجية، واستغلال تلك العلاقات في كل ما من شأنه خدمة المصالح والقضايا العربية المصيرية".

*كاتب وباحث فلسطيني