قضايا وآراء

السيسي وتدمير إذاعة القرآن الكريم

السيسي ليس بعيدا عما يجري في الإذاعة، وإن لم يكن بتوجيه مباشر، فقد وضع نظاما في الدولة ومؤسساتها كلها، يدور حول تسليع المؤسسات..
من أقدم إذاعات القرآن إن لم تكن الأقدم، إذاعة القرآن الكريم في مصر، فرغم بداية بثها في بداية الستينيات من القرن الماضي، إلا أنها ارتكزت على ميراث موجود في مصر من قوتها الناعمة، ففي مصر آنذاك، عمالقة القراء لكتاب الله تعالى، مثل الشيوخ: مصطفى إسماعيل، الحصري، المنشاوي، عبد الباسط عبد الصمد، محمد علي البنا، وغيرهم من لا يحصى، من قراء المصحف المرتل، أو المجود، سواء من سجله كاملا، أو سجل سورا منه.

إضافة لعدد هائل من العلماء من مفسرين للقرآن، لشارحي الحديث النبوي، لفقهاء ومفتين عظام، كانوا قامات شرفت مصر في العالم الإسلامي كله، سواء على المستوى الدعوي، أو الفكري، أو الأكاديمي، ولم يأت يوم على هذه الإذاعة، وشكت من قلة من يملؤها ببرامج، بل كانت الشكوى من كثرة المشايخ والعلماء، فحيثما وليت وجهك في مصر على مدار عقود، وإلى الآن، تجد علماء كثر.

ومنذ إنشاء إذاعة القرآن الكريم، وقد مر عليها عدة حكام، ولم تكن تدخلات السلطة منذ عبد الناصر إلا في حدود معينة، تكون غالبا بمنع بعض من يرفض الأمن والسلطة ظهورهم، كما حدث في عهد عبد الناصر حيث تم منع الشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ صلاح أبو إسماعيل وآخرين، وقال وقتها أبو زهرة كلمته: إنها ليست إذاعة أبيهم حتى يمنعونا منها، إنها ملك للأمة، وليست ملكا خاصا لعبد الناصر، واغتنم فرصة منعه، فكتب تفسيره الذي لم يكتمل، والذي خرج بعد وفاته بعنوان: زهرة التفاسير، وهو ما يحسب للسلطة أيام عبد الناصر، فقد كانت ـ أحيانا ـ تمنع من الإذاعة أو التفلزيون، لكن لا تمنع من الكتابة والنشر، سواء في المجلات، أو كتابة الكتب.

كان خط إذاعة القرآن الكريم يسير في مسار واضح، لا يحيد عنه، فهو لا يمجد السلطة، ولا يعارضها، والحديث عن الحاكم مدحا أو ذما، ليس موضوعا على جدول أعمالها، سواء للمذيعين، أو الضيوف، وسارت على هذا النهج معظم سنوات عملها، فقد كانت مهنية، تقدم برامج تتعلق بالإسلام، وما يهم المسلم، متجنبة أي حديث يعرضها للمشكلات السياسية.

وجرت محاولة في عهد مبارك للتدخل في الإذاعة بشكل فيه لياقة، فبدل أن تمنع برامج معينة، فوجئ الناس بزيادة جرعة القرآن بشكل مبالغ فيه من حيث المدة الزمنية، فقد كانت طريقة الإذاعة أن هناك ساعات معينة للمصحف المرتل، يختم في حوالي ثلاثة أيام، أو أربعة، ثم يبدأ مقرئ آخر في تلاوة أخرى، فزادت المدة، وزاد عدد المشايخ، بحجة تنوع المشايخ، وزيادة البركة في بيوت الناس بكثرة التلاوة.

وقد كان الهدف واضحا، حيث جاءت مدة التلاوة على حساب البرامج التي تشرح وتفسر، وتبين للناس فقه الحياة، والتفسير، والأحاديث، والفتاوى، مما يعني أن يفهم الناس ما يتلى من الآيات، وما توجه به الناس للعمل في الحياة، وفطن الناس لذلك فاعترضوا، وعادت الإذاعة لعملها كما كانت، تلك كانت الحالة الفجة التي رصدت محاولة السلطة التدخل في إذاعة القرآن الكريم.

وكانت تكتفي السلطة بالتدخل من المنبع، فلا يدير الإذاعة إلا من ترضى عنه، أو ترضى عنه تقارير الأمن، وأنه ليس مصدر إزعاج، وكذلك اختيار المذيعين، فمع الكفاءة المهنية لا بد من تقرير الأمن، وهو ما جرى عليه الحكم العسكري منذ عبد الناصر حتى الآن، في كل وظيفة لها علاقة بالجماهير، والآن صارت كل وظيفة، لا بد من تقارير أمنية.

لكن نظام السيسي كعادته منذ أتى، لم يترك قوة ناعمة في مصر، إلا وأفسدها، وزحف عليها بالخراب، ولم تسلم إذاعة القرآن الكريم منه، ففوجئ الناس بفرض ضيوف دائمة غير مرغوب فيها، بداية من قراء قرآن لا تنطبق عليهم معايير الإذاعة من قبل، ولو دخلوا لجنة اختبار على يد مشايخ القراء المعتبرين ما سمحوا لهم بالأذان، فضلا عن التلاوة.

وكذلك فرض ضيوف متحدثين، مثل: مختار جمعة، وزير الأوقاف، الذي أصبح ضيفا ثقيلا مفروضا على الناس في الإذاعة، وفي التلفزيون، في خطبة الجمعة، وهي منقولة على الفضائية المصرية، فيشاهدها الناس في العالم، وهو خطيب لا يليق بمكانة مصر وتاريخها في الخطابة والعلم.

نظام السيسي كعادته منذ أتى، لم يترك قوة ناعمة في مصر، إلا وأفسدها، وزحف عليها بالخراب، ولم تسلم إذاعة القرآن الكريم منه، ففوجئ الناس بفرض ضيوف دائمة غير مرغوب فيها، بداية من قراء قرآن لا تنطبق عليهم معايير الإذاعة من قبل، ولو دخلوا لجنة اختبار على يد مشايخ القراء المعتبرين ما سمحوا لهم بالأذان، فضلا عن التلاوة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل فوجئ الناس في الآونة الأخيرة، بعد أن تحولت الإذاعة لبوق يسبح بحمد السيسي، وتوجيه البرامج لذلك، إلى أن وصل الأمر لما لا يقبله الناس، فقد بدأت الإذاعة في بث إعلانات لا علاقة لها بالقرآن ولا بالدين، ولا تفيد المستمع لإذاعة القرآن الكريم، تتعلق بسلع وبضائع لا تتناسب مع مكانة القرآن الكريم الذي يتلى قبل وبعد الإعلان.

ربما قال شخص مؤيد للسيسي: وما علاقة السيسي بما يفعل في إذاعة القرآن الكريم؟ والإجابة واضحة، فالسيسي ليس بعيدا عما يجري في الإذاعة، وإن لم يكن بتوجيه مباشر، فقد وضع نظاما في الدولة ومؤسساتها كلها، يدور حول تسليع المؤسسات، وتسليع كل مكان ذو قيمة مادية أو معنوية في مصر، ولا يوجد في قاموسه مكان لا يجلب المال، وهو ما أشار إليه بوضوح عمرو أديب في برنامجه أكثر من مرة، مستلهما ذلك من السيسي حين قال من قبل في خطاب له عن أموال توضع في مشاريع بنيوية، مثل: القطارات، والمواصلات بوجه عام، فقال: لو وضعتها في بنك، وجاءت بفائدة كل شهر، لكان ذلك أنفع وأجدى.

من المؤسف حقا أن يصل الحال بمصر، أن تتحول كل مواضع الخير، والعطاء، والقوة الناعمة، إلى كيانات مشوهة، بلا روح، ولا قيمة، ولا ندري هل يفيق بعض المسؤولين عن إذاعة القرآن الكريم، فينتبهوا لقيمتها وأهميتها، ويجنبوها هذا العبث المشين، أم ستستمر هذه المهازل، وربما تطال تراثا لا يمكن تعويضه، كما حدث في تراثنا في ميادين أخرى من القوة الناعمة في مصر؟!

Essamt74@hotmail.com