مدونات

باب الحارة والجدل المثار

أثار الفيلم الكثير من الجدل في الأردن- جيتي
يُفتح باب الحارة العربية من جديد، ولكنه اليوم بثوب جديد وحلة جديدة هي فيلم الحارة الأردني، هذا الفيلم الذي أثار الجدل حوله، ورُويت عنه الأقاويل وكثر الكلام والحديث عنه، لماذا؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى هذا الجدل وإلى هذا الاختلاف في التقييم؟

فيلم الحارة الأردني فيلم يحكي عن حارة أردنية من إحدى حارات الأردن الجميل الطيب. لكن ما الذي شد الانتباه إليه أكثر؟

هي صيغة الحوار بين الممثلين والفنانين فيه، اعترض الناس.. ما هذا الأسلوب الغريب؟ لماذا هذا الأسلوب؟ يا كادر الفيلم والعاملين فيه.. خففوا وهج الألفاظ ولغة الحوار.. ما هذا؟ كيف سمحتم بعرض هذا الفيلم؟

إنه.. وإنه وكثرة الأقاويل حوله، وتم الطلب بعدم العرض والإلغاء، لماذا؟ هنا السؤال للمجتمع العربي.. هل هي الحقيقة والبعد عنها؟

تحب الأمة العربية الأفضل والأحسن والأبهى والأجمل دائما، لكنه للأسف ليس موجودا بدقة، ليس موجودا في المجتمع العربي بميزان مئة على مئة، فهناك الاختلاف النقيض المختلف المغاير، لكن المجتمع العربي يرفض الاعتراف بذلك، يريد المثالية دائما، يريد أن يرفع كأس التقوى الدائم عوضا عن شعوب الأرض كلها، مع أن العالم كله اليوم يعيش في ظلال العولمة والحداثة والحضارة الغريبة العجيبة الهجينة، التي لم تعد مظاهرها مستهجنة.

إذن، الرفض لفيلم الحارة أو ما يشابهه من أعمال فنية عربية ليس لأنه فن بذاته، بل لأنه يحتوي ألفاظا وتصرفات مخفية ظهرت للعلن للعامة، للعالم كله، فتم الرفض والشجب والاستنكار.. ياه مجتمع العروبة اليوم فيه التناقض، فيه عدم العدل في القياس وفي التقييم. فيلم الحارة فيه الكثير من الواقع والحقيقة سلّط الضوء ووضع المجهر على الحقيقة.

المجتمع العربي ليس متدينا بدرجة كاملة تامة، تدينه اليوم لا يعطيه العلامة الكاملة في الدين والالتزام فيه كما وصّى بذلك الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، لكنه يرفض الاعتراف ومقابلة الحقيقة والبحث عن حلول لها، يريدها مطوية يسودها النسيان والطمس الكامل، وتمشي الحياة بتبعاتها فيه بكل ما فيها. المهم هنا أن يبقى هو المجتمع النقي الخالي من أية عثرات أو شوائب أو زلّات، فهو مجتمع الفضيلة الكاملة. ومتى اليوم وفي زمن اليوم وحضارة ومحدثات اليوم الكثيرة العدد؟ هل هذا هو الصحيح؟

إذا أراد المجتمع العربي برمته وبكامله اليوم، والحديث هنا لا يتعلق بدولة ولا بمجتمع واحد بل بالكل العربي.. إذا نوى وأراد التصحيح الصحيح، عليه بالمكاشفة الكاملة، عليه إظهار المشاكل والأخطاء فيه مهما كان نوعها وطبيعتها ومرارتها وصعوبتها. هي كثيرة، فهو يبتعد اليوم عن لحظات الإسلام الأولى أكثر من 1400 سنة ميلادية، زمن طويل حمل في طياته العجب العجاب وكل التناقضات والأهوال والمصائب والعثرات، ومجتمع العروبة يرفض المصارحة بالحقيقة وكشفها.

التصحيح الصحيح الموافق للحقيقة، يحتاج معرفة المرض والبحث عن علاجه، لا نسيانه وكتمان أمره حتى يستفحل ويحل الخراب كله.

الموضوع ليس فيلم الحارة وما يشابهه بالمضمون أو الكيفية من إنتاجات ومنتجات فنية أو معرفية، هو أكبر من ذلك كله، هو في الحقيقة قبول إظهار الحقيقة في مجتمع العروبة كلها، للبدء بإنتاج العلاج والتداوي والتشافي، هذا ما يضمن القوة له كمجتمع في عالم لا يرحم أبدا؛ مجتمعه (المجتمع العالمي) مادي بحت أساسه القوة، والقوة لا تأتي بدفن رأس النعامة في الرمال، لكنها كقوة وكطريقة للاستمرار للبقاء في الحياة، تأتي من عوامل عديدة، منها "المكاشفة والصراحة" بدرجة كاملة عن خبايا الأمور كلها، عن كل المشاكل عن كل العثرات فهي كثيرة؛ فقر وبطالة وتشرد وضياع وأسعار مرتفعة وعائلات عربية مشتتة مدمرة من مخدرات ومسكرات وغيرها الكثير والعجب العجاب. نحن لسنا في موضوع "أليس في بلاد العجائب"، نحن في بلاد العروبة والعرب.

باب الحارة يعاد فتحه اليوم بفيلم يحمل اسمه، يدق ناقوس الخطر ناقوس وجرس الإنذار قبل الحفرة الكبيرة أو البركان. ياما مجتمعات كانت وكانت متماسكة، لكن مثل هذه المعضلات والمدمرات قد أتت عليها بالكامل، فلم تُبق منها شيئا إلا البكاء والنحيب على الأطلال. المجتمع العربي اليوم لا يعيش وحيدا في عالم اليوم ولا داخل أسواره المحصّنة، طفل عربي صغير بكبسة زر صار يجول ويعرف ما يريد، من خلال هذه "الكبسة" فقط يشاهد ويعرف أي شيء وفي أي وقت يريده.

شعارات الأمس وكلام الأمس من نصح وإرشاد إيجابي يجب أن تعود من خلال المكاشفة للوصول إلى الحقيقة، فقد آن الأوان وفُتح باب الحارة وأغلب الظن أنه سوف يبقى مفتوحا لن يغلق. عالم اليوم يريد ذلك بماهيته وطبيعته ليكشف هذا الباب المزيد، لكن السؤال: هل من سامع منصت؟ أو أن على القلب والعقل عند الحقيقة قفل صلب قد يؤدي إلى حياة الغابة، فهل مجتمع العروبة له قِبَل وأهلية بحياة الغابة ومحتوياتها وظلمتها؟ هو استهلاكي هش ضعيف من الأفضل له ليبقى يستمر بأسلوب واحد هو الحقيقة بالمكاشفة، هي الحل اليوم للوصول إلى استراتيجيات البقاء والثبات الأخرى تباعا.

أين هو الرشيد وأين هو ابن الوطن وابن العروبة كلها؟ أين أنت وأين أنتم يا أبناء العرب، يا جيل اليوم والحاضر والمستقبل؟ الشيبس والبوظة والكنافة لذيذة، لكن الأحلى والأكثر لذة هو دعم الحقيقة وإسناد المكاشفة، لعل باقي الوقت يسعف ويمنح أمل البقاء والاستمرار. ويبقى السؤال معلقا على حافة الطريق، طريق الأمل إلى الحقيقة. هل سيتم الوصول إليها؟ هل ستبين وتوضح المخفي وما هو خلف الأبواب المغلقة؟