كتاب عربي 21

سياسة الضد في المؤسسات الأمنية.. مفاهيم ملتبسة (30)

كيف تتم صناعة الذعر والخوف لدى المواطن؟- جيتي
صارت السياسات الأمنية في نظام الثالث من يوليو القدح المعلى، وأصبحت هي القاطرة لكافة السياسات الأخرى، وفي ذات الوقت حابسة لكافة المجالات الأخرى، صار هذا الأمر الذي يتعلق بالأمن في مفهومه الضيق أساسا لسياسات دولة الضد التي قامت بكل ما من شأنه إرساء حالة من الترويع والتفزيع باعتبار أن هذه السياسات هي التي تكفل استقرار الأمن في الدولة والمجتمع، وهي التي تمنع منعاً باتاً كل ما يتعلق بالاحتجاجات أو التظاهرات أو الثورات، بات نظام الثالث من يوليو يرى أنه يجب أن يفترق عن النظام الأمني حتى منذ 1952م، واختط سياساته التي تقوم على إعطاء اليد الطولى لتلك الأجهزة الأمنية لتنفذ ما تراه من سياسات ضمن علاقة السيد بالعبد من ناحية، وإعادة إنتاج ذلك المواطن الخانع الخاضع الذي لا يستطيع التفوه بأي أمر يتعلق بمنظومة الحكم مهما مارسته من ظلم من ناحية أخرى.

ولعل الأمر الذي يتعلق بتلك السياسات الأمنية يرتبط بمثلث خطير يتحكم في مسار تلك السياسات في إطار عقلية فاشية استبدادية تقوم على ثلاثة أضلاع:

الضلع الأول مسلك تقنيني يمنع المواطن من أي شأن يتعلق بالتعبير عن رأيه، ومن هنا صدر من القوانين ما يحرّم أو يجرّم أي أفعال أو أقوال يمكن أن تؤدي أي تقييم للنظام مهما كان ضئيلاً، أو تعبر عن ممارسات معتادة. هذه الممارسات التقنينية قامت على ساقين؛ الساق الأولى الادعاء بحفظ الأمن واستقرار المجتمع، وهو أمر جعل الأجهزة الأمنية تقوم بكل ما من شأنه من إجراءات وسياسات تلفيقية واتهامية ما أنزل الله بها من سلطان، وباتت هذه الاتهامات تغطى ضمن أقوال مرسلة لا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتماد عليها قانونيا في حماية المواطن، من مثل تكدير الأمن العام، أو مساعدة جماعة إرهابية على تحقيق أهدافها، أو نشر إشاعات كاذبة، أو التحريض على النظام والدولة. كل تلك الأمور باتت تعبر عن تلك الاتهامات المرسلة التي صارت تستند إلى جملة من المحاضر يصدرها جهاز أمن الدولة/ الأمن الوطني كالكليشيهات يبرر بها الاتهام ويصنع القضايا.
الادعاء بحفظ الأمن واستقرار المجتمع، وهو أمر جعل الأجهزة الأمنية تقوم بكل ما من شأنه من إجراءات وسياسات تلفيقية واتهامية ما أنزل الله بها من سلطان، وباتت هذه الاتهامات تغطى ضمن أقوال مرسلة لا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتماد عليها قانونيا في حماية المواطن

الساق الثانية: التفتيش المبالغ فيه على كل ما يتعلق بشبهة التعبير ضد أي أمر يتعلق بالنظام أو سياساته، هذا التفتيش وكأنه مراقبة للتنفس أو حتى ما يجري في النوايا وفق ما تستنطق به "الأجهزة" هذه النوايا أو الضمائر، فتستند إلى تلك المهام التفتيشية وهو أمر يتعدى كل شأن يتعلق بتلفيق القضايا إلى حد يتعلق بصناعة الذعر والخوف لدى المواطن، ضمن ما يسمى بلجان التفتيش على المواطنين المنتشرة في الشوارع والميادين، أو ما يسمى بالكمائن" في إطار صناعة الخوف والخنوع في آن واحد.

أما الضلع الثاني في ذلك المثلث الخطير فإنه يتعلق بجهاز النائب العام والنيابة العامة، والذي يدعم تلك السياسة الأمنية الباطشة من غير معقب.. ورغم أن النائب العام يسمى عرفاً فيما يتعلق بالشأن العام بأنه "محامي الشعب"، إلا أنه يقوم بأخطر دور في تدجين هذا الشعب والمواطنين وبيعهم من أقرب طريق للسلطة الباطشة، فهو لا يقوم بدور رقابي لمصلحة الناس، ولكن تكتمل به الدائرة للرقابة على عموم الناس، فيقوم هؤلاء بتمرير ذلك التلفيق للقضايا من خلال عمليات التحقيق التي يقومون بها كعمليات شكلية لا ينتج عنها في النهاية إلا تجديد الحبس أو التدوير.

ولعل هذا الجهاز وما يقوم به إنما يشكل حلقة أخرى فيما أشرنا إليه بإحكام القبضة الاستبدادية والفاشية، فضلا عن ذلك فإن هذا الجهاز لا يزال يمارس حالة تمييزية خطيرة فيما يتعلق بالتعامل مع كل تلك الطبقات التي تكوّن المجتمع. فضمن حراسته لعلاقات السيد بالعبد، ونظرا لانتشار انتهاكات لمؤسسات صحية ولجهاز التمريض، حدثت العديد من الأمور وفي حادثتين متشابهتين إلا أن الفاعل مختلف، فإن جهاز النائب العام قد قام بسياسة انتقائية المعايير ودبجها في عمله. ففي تعامله مع ما يتعلق بهاتين الحادثتين ألقى القبض على ستة مواطنين في حادث مستشفى إيتاي البارود في محافظة البحيرة وجاء رد فعله مناقضا في الحادث الثاني (مستشفى قويسنا المركزي بمحافظة المنوفية)، حيث أغفل وأهمل وتأخر كثيرا حتى أعلن أنه سيجري تحقيقا في ذلك الحادث، ولكنه مارس أدوار التمرير والتغرير والتغييم بصدد تلك الحادثة لأن القائم بها طيار في القوات المسلحة وعائلته.

ولعل هذا كله يوضح الدور المشبوه الذي تقوم به النيابة العامة في جزء تكميلي للسياسات الأمنية وسياسات أجهزة الأمن الوطني ووزارة الداخلية.
كل ذلك إنما يشكل في حقيقة الأمر سياسة أخطر ما تكون في إحكام حلقات الفاشية والاستبداد ضمن سياسة هذه المنظومة التي تستهين بالمواطن وتقوم بإيذائه المتعمد، وتخويفه وإرعابه المستمر، حتى تمكن لسياسة إدارة القطيع وعلاقة السيد بالعبد

أما الضلع الثالث في هذا المثلث الجهنمي لتلك السياسة الأمنية فإنه يتشكل ضمن سياسة الحبس وإدارة مؤسسات السجون في هذا المقام، على النحو الذي ترتكب فيه تلك الإدارة جملة من العقوبات الإضافية غير تلك العقوبة القضائية التي أصدرتها محاكم القضاء وتنفيذ الأحكام التي تتعلق بصددها، وكذا هؤلاء الذين يُسجنون حبسا احتياطيا مطلقا، لا يُعرف متى يمكن أن يخرجوا من سجونهم رغم عدم محاكمتهم. كل ذلك إنما يشكل في حقيقة الأمر سياسة أخطر ما تكون في إحكام حلقات الفاشية والاستبداد ضمن سياسة هذه المنظومة التي تستهين بالمواطن وتقوم بإيذائه المتعمد، وتخويفه وإرعابه المستمر، حتى تمكن لسياسة إدارة القطيع وعلاقة السيد بالعبد.

ولعل ذلك يرتبط بسياسات تتعلق بتشييد سجون جديدة (بلغ عدد السجون في مصر 78 سجنا حتى نيسان/ أبريل 2021، وفق تقرير للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان)، فضلا عن تلك المعاملة غير الإنسانية والحقيرة التي تقوم عليها أجهزة السجون بتمرير من قيادات السجون وأجهزة وزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني وجهاز النيابة العامة. إن إنشاء سجون جديدة والترويج لها صار ضمن سياسات دولة الضد التي تفتخر بإنشاء تلك السجون الجديدة على النمط الأمريكي، وتحاول أن تقوم بكل ما من شأنه إدارة هذه السجون ضمن سياسات الإذلال والحبس الانفرادي والتضييق على الزيارات من جانب العائلات. كل هذه الأمور إنما تشكل في حقيقة الأمر إحكاما لهذه الحلقات الجهنمية على المواطن، سواء من كان في داخل السجون أو من كان خارجها ضمن السجن الكبير؛ مصر "المحبوسة".

ومع عسكرة المجتمع زحفت الوظيفة الأمنية حتى على أجهزة الدولة ذات الوظائف المتعلقة بالمؤسسة العسكرية، حيث باتت الساحة المصرية تعج بالأجهزة الأمنية رغم أنه لم يحدث تغيير جذري على بنيتها، ولكن المؤكد أن هذا التغيير الجذري أصاب عقيدتها؛ حيث تكشف هذه الأجهزة عن أوضح صورة لمؤسسات الضد في نظام الثالث من يوليو في ظل انشغالها الشديد بالمواطن بصورة مباشرة وأساسية، مستهدفة كيفية السيطرة عليه ومراقبته وحرمانه من حقوقه السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والقانونية وغيرها، وبعد أن كانت أجهزة المعلومات الأمنية تنشغل بقطاعات معينة ونطاقات خاصة داخل البلاد أو خارجها، بات انشغالها منصب فقط على المواطن مزاحمة لوزارة الداخلية وجهازها المسمى بأمن الدولة/ الأمن الوطني -التي لم تقصر- في حصار ومحاصرة المواطن.
مع عسكرة المجتمع زحفت الوظيفة الأمنية حتى على أجهزة الدولة ذات الوظائف المتعلقة بالمؤسسة العسكرية، حيث باتت الساحة المصرية تعج بالأجهزة الأمنية رغم أنه لم يحدث تغيير جذري على بنيتها، ولكن المؤكد أن هذا التغيير الجذري أصاب عقيدتها

ومن هنا فإننا نشير في حقيقة الأمر إلى منظومة أخرى معكوسة، تلك المنظومة التي ترتبط بالمفهوم الإنساني بكل امتداداته، لا تلك المنظومة الأمنية التي تشكل إقامة ودعما لسياسات الاستبداد والفساد والطغيان والفاشية، رغم ما يصدره ذلك النظام من صياغات تجميلية مثل استراتيجية حقوق الإنسان، أو بأفعال يراد بها عمل غسيل وجه النظام وقبحه من جراء الانتهاكات اليومية للحقوق الإنسانية وإرهاب الشعب في التعبير عن غضبه أو احتجاجه.

ومن ثم فإن مفهوم الأمن الإنساني هو محاولة لتعميق المفهوم الواقعي للأمن، كما أن من المفاهيم المركبة بين مفهوم الأمن ومفهوم الإنساني هذا الامتداد الشامل لمفهوم الأمن ووصفه بالإنساني؛ إنما يشير إلى تعدد الأبعاد وإلى تحديد الغاية الإنسانية التي ترتبط به وإلى معنى الإنسانية فيه وأنسنة مفهوم الأمن، حقيقة وضرورة نفسية وجماعية تتعلق بالفرد والجماعة. وهو يتكون من منظومة الأفعال والحالات (الطمأنينة، السكن، القرار والاستقرار، الأمانة، الحفظ، الأمان، الدين والخلق، القوة، الحفاظ على حقوق الذات والغير، السلم، وغيرها).

twitter.com/Saif_abdelfatah