مقابلات

حقوقي سعودي: تنصيب ابن سلمان ملكا "مسألة وقت"

العلاقة الاستثنائية التي أخذت بُعد شخصي واضح بين ترامب والسعودية راقت لأصحاب القرار في المملكة- جيتي

قال المتحدث الرسمي باسم منظمة "سند" الحقوقية، فهد الغويدي، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، إن "فرص وصول ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، للعرش وتنصيبه ملكا للبلاد باتت كبيرة جدا ومسألة وقت".

وأكد أن "اللقاء الأول المرتقب بين ابن سلمان والرئيس الأمريكي جو بايدن، سيساعد بشكل كبير في عملية قبول الرجل على الساحة الدولية والاعتراف به كملك وزعيم سياسي لواحدة من أهم الدول في المنطقة إن لم تكن الأهم حاليا".

وكانت شبكة CNN الأمريكية قد نقلت قبل أيام عن مصادر عدة قولها إنه من المرجح أن يلتقي بايدن بابن سلمان للمرة الأولى خلال الشهر المقبل على أقرب تقدير، موضحة أن هذا الاجتماع سيأتي بعد أشهر من العلاقات الدبلوماسية الفاترة بين البلدين وسيمثل تحولا في موقف الرئيس الأمريكي.

وأضاف الغويدي: "كنت أستبعد سابقا حدوث هذا اللقاء بين الرجلين؛ لأن وسائل الإعلام الأمريكية لن تغفر هذا، بل إن أقطاب الحزب الديمقراطي وزعماءه حتى لن يكونوا حينها على وفاق مع إدارة بايدن، لأن هذا الأمر سيكون بمثابة اعتراف بشرعية ابن سلمان، وبمثابة انتكاسة وهدم للدعاية الانتخابية التي أوصلت بايدن أساسا للرئاسة".

وتابع: "لكن يبدو أن إدارة بايدن أخيرا أدركت أن التعامل مع الملك سلمان فقط بحجة أنه هو المنصب الذي يكافئ منصب الرئيس الأمريكي غير كاف، وأن محمد بن سلمان هو الملك الفعلي للبلاد".

واستطرد الحقوقي السعودي قائلا: "إن حدث اللقاء فهو بلا شك تأكيد للبراغماتية الغربية-الأمريكية التي لا تؤمن إلا بقانون المنفعة، حتى وإن كان على حساب القيم وحقوق الإنسان".

وقال: "لا شك أيضا أن فريق ابن سلمان قد سعى جاهدا لترتيب مثل هذا اللقاء، ولا نستبعد أن تكون هناك اتفاقيات وتسهيلات غير معلنة من أجل موافقة بايدن وفريقه على هذا اللقاء، لأنهم يعتقدون بأنه سيعطي شرعية دولية لولي العهد السعودي، وأنه بذلك يهيئ الفرصة من أجل توليه عرش المملكة".

وأردف: "لا أرى اليوم أي مانع من وصول ابن سلمان للعرش وتتويجه كملك، وهو الأمر الذي أعتقد أنه أقرب من أي وقت مضى، نظرا لحالة الملك الصحية".

العلاقات الأمريكية-السعودية


أما بشأن طبيعة العلاقة بين واشنطن والرياض، فأوضح أنه "يجب التفرقة بين علاقة السعودية والولايات المتحدة وعلاقة السعودية بإدارة بايدن على وجه التحديد؛ فعلاقة الرياض بواشنطن هي علاقة مصيرية مترابطة بحيث لا يمكن للسعودية أن تستمر كدولة إذا تخلت عن هذه العلاقة أو بمعنى أصح دون الرعاية الأمريكية".

وأشار إلى أنه "منذ قيام المملكة وبداية العلاقات السعودية-الأمريكية لم يتم انتخاب شخصية في الولايات المتحدة مثل الرئيس الأسبق دونالد ترامب، هو في حد ذاته شخصية استثنائية، ويكاد يكون الرئيس الوحيد الذي قدّم مصالحه الشخصية على المصلحة والقيم الأمريكية، وهذا بالضرورة سهّل من إنشاء علاقة شخصية تربطه بمؤسسة الحكم السعودية".

وتابع: "العلاقة الاستثنائية التي أخذت بُعد شخصي واضح بين ترامب والسعودية راقت لأصحاب القرار في المملكة، خصوصا أن ترامب قد دعم مواقف عديدة لهم نذكر منها حصار قطر، وقضية خاشقجي، والتستر على جرائم الحرب المرتكبة في اليمن، وغيرها من القضايا التي تسبّبت في نهاية المطاف في تصوير ترامب على أنه زعيم عصابة يدير أسرة وليس دولة".


اقرأ أيضا: السعودية تعلق على تقرير "صراخ ابن سلمان" بوجه مسؤول أمريكي


وأردف: "هذا الأمر وجّه بطبيعة الحال الآلة الإعلامية الأمريكية الخاصة بالحزب الديمقراطي إلى نبذ العلاقات غير القانونية أو المشبوهة التي ربطت ترامب بالحكومة السعودية، وجعلتها تجد في هذا الملف وسيلة لمهاجمة ترامب وقد أتضح هذا بشكل جلي في الدعاية الانتخابية للرئيس بايدن عندما هدّد بكشف ومحاكمة جميع المتورطين في قضية خاشقجي في إشارة واضحة لابن سلمان".

مواقف سعودية غير مسبوقة


وذكر أن تصريح العضو البارز في العائلة الحاكمة السعودية والرئيس السابق للمخابرات، الأمير تركي الفيصل، والذي قال فيه إن بلاده تشعر بأن الولايات المتحدة خذلتها فيما يتعلق بالتعامل مع التهديدات الأمنية التي تشكلها جماعة الحوثي اليمنية على المملكة والمنطقة بأسرها، يُعدّ من بين المواقف السياسية السعودية غير المسبوقة.

واستطرد قائلا: "تصريحات تركي الفيصل هي قطرة في بحر من المواقف السياسية التي تنتهجها الإدارة السعودية ضد إدارة بايدن، والتي باتت معروفة للكافة، إلا أن الأمر بلغ مؤخرا حد السخرية من شخص بايدن في الإعلام السعودي".

وتابع الغويدي، وهو معتقل سابق في السجون السعودية لثلاث مرات: "كل هذه الحدية لم تكن الإدارة السعودية لتتجرأ على القيام بها لولا أنها تراهن برفقة فريق ترامب على عودة الأخير للرئاسة، وهو الأمر الذي أعتقد شخصيا أنهم سينجحون فيه".

وكانت قناة "إم بي سي" المملوكة للحكومة السعودية، قد بثت، خلال شهر نيسان/ أبريل الماضي، حلقة ساخرة للإعلامي خالد الفراج، صوّر بايدن على أنه فاقد للذاكرة بشكل جزئي.

أحداث الريتز كارلتون

 
وأشار إلى أن "ابن سلمان أحكم سيطرته على الأسرة المالكة منذ العام 2017، وخاصة في أعقاب أحداث الريتز كارلتون الشهيرة، والتي سوّق من خلالها محاربته للفساد، لكن الرسالة الحقيقية كانت السيطرة على العائلة، وتحديدا الجيوب القوية داخلها، أي رؤوس الأسر الأقوى داخل العائلة".

وقال الغويدي: "هناك مَن رضخ من العائلة الحاكمة، وهؤلاء هم الغالبية، إلا أن هناك مَن قاوم وكان مصيره الاعتقال على شكل إقامة جبرية ومنع من السفر، وبالتالي يمكننا القول إن ابن سلمان أحكم سيطرته الكاملة على الأسرة، وضمن ولائهم له بالترهيب أكثر من الترغيب".

وأضاف: "بقي الناس في الداخل، ولا نستطيع أن ننكر أنه اكتسب حب الشعب السعودي أكثر من أي مسؤول آخر على الأقل في بداية توليه ولاية العهد، وتحديدا في العام 2017 بعد أحداث الريتز التي كانت بمثابة نقطة تحوّل سيخلدها التاريخ المعني بالدولة السعودية نظرا لأهميتها، لأن الشعب بالفعل كان يشاهد في الرجل أمران في غاية الأهمية".

هذا الأمران، وفقا للغويدي، هما: "شاب صغير في السن لا يمشي محني الظهر أو على عكاز، ويحمل أفكار وتطلعات جديدة ومغايرة، وهو الأمر الجديد الذي لم يكن الشعب قد شهده من قبل، بالإضافة إلى سجن مسؤولين كبار وأمراء لم يكن يجرؤ أي أحد على المساس بهم أو انتقادهم حتى في المجالس السرية أو الخاصة".


اقرأ أيضا: بايدن قد يلتقي ابن سلمان لأول مرة الشهر المقبل


يشار إلى أنه خلال عام 2017، قامت السلطات السعودية باعتقال أمراء وزراء ورجال أعمال داخل أروقة فندق "ريتز كارلتون" الرياض، وذلك في عملية وصفت بأنها أكبر عملية تطهير في تاريخ المملكة.

ترويج إعلامي ضخم

 
وتابع الغويدي: "كانت هناك نقلة نوعية أخرى، وهي الحرب على اليمن أو ما عرفت آنذاك باسم (عاصفة الحزم)، وما تزامن معها من ترويج إعلامي ضخم وغير مسبوق. وبالتالي اجتمعت في الرجل كل الصفات التي تكسبه حب الشعب والالتفاف خلفه فهو الشاب الطموح صاحب الرؤية، محارب الفساد، الصارم الذي لا يتهاون في الدفاع عن حدود ومصالح البلاد والمتصدي للمشروع الأكثر خطورة على المنطقة (المشروع الإيراني)".

واستدرك قائلا: "لكن سرعان ما تبددت هذه الصورة التي اكتسبها ولي العهد السعودي؛ فقد اكتشفت شريحة كبيرة من الشعب أن الرجل المحارب للفساد أصبح هو نفسه متهما به، والرؤية الإصلاحية جاء معها تفسخ وانحلال أخلاقي وتغيير في منظومة القيم والمفاهيم السعودية التي نشأ عليها الناس جيل بعد آخر، وهو الأمر الذي لا يرضي شرائح كبيرة داخل المجتمع".

وزاد قائلا: "كما أن الحرب على الحوثيين طال مداها أكثر بكثير مما هو متوقع، وأصبحت السعودية متهمة بارتكاب جرائم حرب في اليمن، وأتضح أنه لا رؤيا سياسية مترافقة مع الحرب العسكرية، وأخيرا كانت القضايا الحقوقية وانتهاك أبسط حق للإنسان، وهو التعبير عن رأيه، بصورة أكثر بشاعة من السابق".

ولفت الغويدي إلى أن "الهامش البسيط الذي كان الشعب يتمتع به، وكنّا كمراقبين ومثقفين ومهتمين بالشأن السياسي نتمتع به، انتفى بشكل كامل، واستيقظ الشعب السعودي على قضية اغتيال خاشقجي، وكل الأمور التي تبعت هذه القضية كانت بمثابة هدم كامل للصورة التي تشكلت للرجل في مخيال الشعب".

وأكمل: "في الحقيقة محمد بن سلمان غير مكترث بالرأي الداخلي والقبول الشعبي له، وفي المقابل الشعب غير مستعد للتعبير عن غضبه على الأقل من الأمور التي تمس هويته وعقيدته الدينية؛ لأن آحاد الناس أصبحت تدرك أن السجن هو المصير المحتوم لكل مَن يتابع أحد حساباتنا كمعارضة سعودية في الخارج، ناهيك عن التعبير عن رأي أو انتقاد مظهر من المظاهر".

وقال الغويدي: "بقي أمامه عقبة المجتمع الدولي والاعتراف الدولي، ويبدو أن هذا الأمر في طريقة للحل هو كذلك، خصوصا بعد عودة العلاقات مع دول مهمة ومؤثرة كتركيا وقطر".

إعدامات غير مسبوقة

 
وأوضح أن "الإعدام في السعودية من أكثر الملفات المؤلمة، ونحن هنا نتحدث عن الإعدامات في الإطار السياسي، إلا أنني شخصيا لا أعتقد أن النظام سيقدم على إعدام العلماء والعلماء المعتقلين في سجونه على الأقل في الوقت حالي، لأنه ببساطه لو أراد ذلك لفعل".


اقرأ أيضا: "مجتهد": ابن سلمان قد يطلق سراح الأمراء المعتقلين


وأشار إلى أن "تزايد وتيرة الإعدامات تدل على إفلاس النظام وخوفه، وتدل كذلك على عدم اكتراثه بأي حق للإنسان، فضلا عن عدم اكتراثه بسمعة البلاد أو حتى سمعة النظام نفسه دوليا، خصوصا بعد جريمة خاشقجي التي كانت من المفترض أن تكون دافعا لتحسين الصورة الحقوقية حتى لو بالادّعاء".

وبسؤاله عن توقعه لردود الفعل حال قيام النظام بإعدام بعض العلماء، أجاب: "النظام لا يتردد، وللأسف هو آمن على المستوى الداخلي والدولي، ولا يتوقع ردة فعل قوية، ولا نتوقع نحن أن تكون هناك ردة فعل سواء على المستوى الداخلي متمثلا بالرأي العام أو على المستوى الدولي".

أضعف فترات السعودية

 
وكان عدد عمليات الإعدام التي نفذتها السلطات السعودية منذ مطلع العام الحالي وصل نحو 100 عملية، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المملكة خلال تلك الأشهر القليلة.

وحول مدى قوة النظام السعودي، قال: "مقياس القوة أو الضعف لأي دولة يعتمد على عدة عوامل أهمها القوة العسكرية والاقتصادية، والسمعة والمكانة الدولية، والحقوق والعدالة والقضاء، وغيرها من المعايير التي أصبحت هامة في عصرنا الحالي كالقوة الناعمة...

 

وتاريخيا فإن السعودية لم تتقدم كثيرا في هذه المعايير مجتمعة أو على الأقل في واحدة منها إلا في فترات معينة".

وتابع: "حاليا هناك شبه إجماع بأن المملكة فقدت جزءا كبيرا من مكانتها الدولية والسياسية، وبطبيعة الحال فهي تراجعت كثيرا على مستوى الحقوق والحريات، وحتى على المستوى العسكري والاقتصادي ليست في أفضل فتراتها، كما أن هناك تراجع كبير جدا على مستوى المزاج الشعبي في الداخل وعلى مستوى القوة الناعمة".

وبناء على هذه المعطيات يعتقد المتحدث الرسمي باسم منظمة "سند" أن "السعودية كدولة تمر بواحدة من أضعف فتراتها بلا شك".