قضايا وآراء

استبداد السلطة وحرية الديون في مصر

1300x600
نشرت وكالة فيتش الدولية للتصنيف الائتماني في الثامن من الشهر الجاري كانون الأول/ ديسمبر 2021 تقييما للوضع المالي الخارجي لمصر، ووصف التقرير في عنوانه هذا الوضع بأنه "إبحار في المياه المتلاطمة"، وكشف التقرير عن أن اعتماد مصر الكبير على المستثمرين غير المقيمين في مصر للتمويل الخارجي؛ يعرض الوضع لتحديات وصعوبات السيولة العالمية والظروف النقدية التي أصبحت أقل ملاءمة.

كما وصف التقرير أسعار الفائدة الحقيقية - رغم ارتفاعها - بالتآكل بسبب التضخم في مصر والعالم، وأن ظروف السوق المالية العالمية تسهم أيضاً في زيادة المخاطر، وأنه بناء على ذلك قد يؤدي التقدير الحقيقي في السنوات الأخيرة إلى تقويض الثقة في قدرة مصر على الحفاظ على سعر صرف اسمي صامد وصلب..

ورغم تأكيد البنك المركزي المصري أنه ملتزم بمرونة سعر الصرف، حيث تم استخدام تدفقات غير المقيمين وتمويل خارجي آخر لإعادة بناء الهوامش المالية الخارجية لمصر جزئياً، ولكن من الملاحظ أن مجموع احتياطيات البنك المركزي وأصوله الأخرى من العملات الأجنبية لا يزال أقل بقليل من مستويات ما قبل وباء كورونا، ولا تزال احتياطيات البنك المركزي المصري أقل بكثير من مستويات ما قبل الوباء، وأصبحت الأصول الأجنبية الصافية للبنك سلبية. وتنبأت الوكالة بأنه من المحتمل أن يكون هناك برنامج آخر لصندوق النقد الدولي، خاصة إذا واجهت مصر صدمة سيولة.
هذا التقرير رغم أهمية ما ورد فيه لم يضف جديدا، فهو توصيف لواقع الاقتصاد المصري التجميلي الذي استند إلى ليبرالية وحرية الديون في النظام الاقتصادي، ودكتاتورية واستبداد السلطة في النظام السياسي

وهذا التقرير رغم أهمية ما ورد فيه لم يضف جديدا، فهو توصيف لواقع الاقتصاد المصري التجميلي الذي استند إلى ليبرالية وحرية الديون في النظام الاقتصادي، ودكتاتورية واستبداد السلطة في النظام السياسي، وهما أمران لا يجتمعان في أي حكم رشيد.

لقد كشف التقرير عن اعتماد مصر في السيولة الأجنبية وتسيير دولاب الاقتصاد على التمويل الخارجي، سواء أكانت أموالا ساخنة لا تفيد اقتصادا ولا تبني تنمية وضررها أكثر من نفعها؛ حيث إنها أموال تبحث عن ارتفاع سعر الفائدة والمضاربات بكسب فروق الأسعار، وتكون نهايتها المؤلمة بخلخلة أركان الاقتصاد، أو كانت ديونا خارجية انتهجتها السلطة في مصر وكبلت ورهنت بها الاقتصاد وموارده، والأجيال وحياتها، لمدد وصلت إلى خمسين عاما، حتى وصل الدين الخارجي لمصر إلى نحو 138 مليار دولار في حزيران/ يونيو الماضي، بزيادة تجاوزت 219 في المائة منذ الانقلاب العسكري في العام 2013م. وهو دين لم تنتج عنه قيمة مضافة ولا تشغيل عمالة ولا تنمية، بل مشروعات مظهرية تجميلية؛ من عاصمة جديدة ترسخ للطبقية ولا لزوم لها، وطرق وكباري وسجون، لا مصانع ومزارع وسدود.

بل وصل الأمر بالدين الداخلي والبالغ في حزيران/ يونيو الماضي 4.7 تريليون جنيه؛ إلى تدويله، لتكون مصر رهينة للخارج بالدين الداخلي والخارجي اللذين جاوزا معا الناتج المحلي الإجمالي، وجاوز القائمون على تدويله ما فعله وزير المالية أمين عثمان في عهد الملكية، والذي عُرف بولائه للإنجليز، ومع ذلك هو من قام بتمصير الدين الخارجي لمصر وتحويله لدين محلي.. فكيف لو كان بيننا هذا الوزير الذي اتهم بالخيانة ورأى بأم عينيه تدويل ديون مصر الداخلية؟!
أخطر ما كشفه عنه التقرير هو التنبؤ بتوجه مصر إلى صندوق النقد الدولي مرة أخرى، وهذا هو منتهى الكارثة. فلا يعني ذلك سوى مزيد من الديون ورهن ما تبقى من أصول، والعيش في مصيدة استعباد الدائنين

كما كشف التقرير عن التثبيت المفتعل لسعر صرف الجنيه المصري بعد تعويمه واحتمالية انخفاضه مستقبلا، وعن فضيحة احتياطي مصر من النقد الأجنبي الذي يجمل سعر الصرف على غير حقيقته، فما هو إلا احتياطي من الديون.

كما أن من أخطر ما كشفه عنه التقرير هو التنبؤ بتوجه مصر إلى صندوق النقد الدولي مرة أخرى، وهذا هو منتهى الكارثة. فلا يعني ذلك سوى مزيد من الديون ورهن ما تبقى من أصول، والعيش في مصيدة استعباد الدائنين، والتي لن تبقي أصلا ولن توظف شخصا ولن تحقق تنمية أو تقيم تعليما أو صحة أو خدمة تليق بالإنسان، اللهم سوى ترقيع الديون بالديون وطحن المواطن المغلوب على أمره بمزيد من الضرائب والرسوم، إلى أن يأتي يوم محتوم تنفجر فيه فقاعة هذه الديون ووقتها لن يكون بلدنا إلا أسيرا في يد لجنة الدائنين.. ويبقى التساؤل بعد كل هذا: أليس في جيش مصر رجل وطني رشيد!!

twitter.com/drdawaba