كتب

الكاتب والسلطان من الفقيه إلى المثقف.. أية علاقة؟

قراءة تاريخية هادئة في علاقة المثقف بالسلطة
الكتاب: الكاتب والسلطان من الفقيه إلى المثقف
الكاتب: خالد زيادة 
الناشر : الدار المصرية اللبنانية 2017
عدد صفحات الكتاب: 309


شهدت الدول العربية عقب ثورات الربيع العربي، تطورات سياسية كبيرة، ما فتح الحوار والنقاش حول دور المثقف وقدرته على التأثير في الأحداث والتغيرات وإدارتها، وعاد النقاش حول الدولة الدينية والدولة المدنية، ودور الأحزاب ذات الخلفيات الإسلامية التي تسلم بعضها السلطة في عدد من دول الربيع العربي.

في هذا السياق، جاء كتاب "الكاتب والسلطان من الفقيه إلى المثقف" للكاتب خالد زيادة في طبعته الثانية، ليتناول علاقة المثقف والفقيه وكتبة الديوان بالسلطة، وهي علاقة ترتكز إلى أسس راسخة في التاريخ، إلا أنها تتفاوت بتبدل الظروف السياسية وتغير الدول في التاريخ المعاصر الذي شهد انعطافة حاسمة حسب الكاتب، الذي ربط بين هذا التناول وتطورات ما بعد الربيع العربي.

ينطلق الكتاب من سؤالين: يتعلق الأول بالموقع الذي كانت تشغله الأجهزة الفنية، ويعني بهم كتبة السلطة أي الجهاز الإداري في الدولة السلطانية بتعبير الكاتب، أما الثاني فيأتي من فضاء مختلف، ويتعلق ببروز شخصية اجتماعية جديدة ممثلة بالمثقف.

ورغم أن الكتاب ناقش قضية علاقة الكاتب بالسلطة وبذل جهدا كبيرا بالنظر لعمق القضية المطروحة ومحاولة التأريخ لها، وكذلك بالنظر إلى مراجعه ومباحثه، إلا أنه حمل عنوانا فيه بعض اللبس، خاصة الجزء الأول من العنوان، الذي جاء على النحو التالي "الكاتب والسلطان"، وبدا الأمر وكأنه يقصد الكاتب المبدع بالمقام الأول، ولكنه كان يقصد الكاتب الإداري.

ويؤخذ على الكاتب أنه فرد مساحة كبيرة للكاتب الإداري والفقيه على حساب المثقف بالعصر الحديث، الذي تم تناوله في مساحة محدودة وكان يجب إتاحة مساحة أكبر لهذه القضية المهمة، حتى لا يبدو الكتاب وكأنه كتاب للتأريخ أكثر منه معالجة لهذه العلاقة.

ويتكون الكتاب الذي جاء في 309 صفحة، من مدخل وستة فصول. تناول في مدخله، كاتب الدواوين أو الكاتب الإداري للسلطة. وباعتبار أن كتبة السلطة لهم دور مهم وتأثير كبير على السلطة، وكونه ليس ناصحا للسلطة فحسب، ولكن كونه مشاركا في مشروع السلطة أو من خلال صياغته لهذا المشروع.

وفي الفصل الأول، يتناول الكاتب ما أسماه "اليسق العثماني" الذي عرفه بأنه نوع من الأجر يدفع للقاضي على المستند في البداية، ولكنه صار ضريبة، واعتبره العلماء مخالفا للشريعة، وأثار غضب العلماء بمصر والشام متهمين الدولة العثمانية بأنها خرجت عن الشريعة، بفرضها هذا اليسق إلى الحد الذي اعتبره البعض عملا من أعمال الكفر.

ويحاول الكاتب من خلال استعراضه لليسق، تناول دور العلماء بالتوازي مع دور كتبة السلطان، لافتا إلى أن العلماء لم يحتلوا مواقع الكتاب من الناحية العملية فحسب، بل "أنهم أعادوا صياغتها وفقا لمعطيات جديدة، مجدين في إضافة صياغة شرعية على أدوارهم الإدارية " صفحة 42 من الكتاب.

ويتناول الكاتب أيضا في هذا الفصل تراجع دور العلماء في مصر والشام، بعد سيطرة العثمانيين وانخفاض نفوذ العلماء، فقد أدت السيطرة العثمانية إلى تحول أساسي في أوضاع العلماء في بلاد الشام ومصر، حيث تم إبعادهم عن خدمات الإدارة وأزيحوا عن دواوين الإنشاء والخزينة والجيش، وتراجع نفوذ هذه الطبقة لصالح الكتابة القلمية، وأبعد العلماء عن القضاء وأصبح القضاء مرتبطا ارتباطا محكما بالجهاز القضائي العثماني.

علاقات الصراع والمصالح

ڤي الفصل الثاني، يناقش الكاتب ما أسماه حرفة الفقهاء، وفي هذا السياق يرصد الكاتب اتجاهين رئيسيين، العلماء الذين يتابعون علوم الشريعة والصوفية الذين ينتمون إلى علم الحقيقة حسب تعريفهم لأنفسهم، والعلاقة المتقلبة بينهما بسبب تأويلات الصوفية العقائدية التي ينكرها الفقهاء.

ولم يقف الصراع بين الفقهاء والصوفية عند هذا الحد، ولكنه امتد ليشمل الصراع مع الدولة العثمانية، وكان صراعا ضمنيا بين القواعد التي درج عليها العلماء من قبل، ومحاولات الدولة العثمانية فرض قواعدها وقوانينها، ومن هنا كانت المقاومة التي أبداها العلماء الذين خسروا مواقعهم ونفوذهم، بعد رفضهم الخضوع للشروط الوظيفية الحرفية. 

ويتناول الكتاب الجهاز الديني الذي يقوم على شبكة واسعة يتوزعها أفراده فيما بينهم، سواء وظائف تتعلق بالحياة والدين من أذان وصلاة وخلافة، أو وظائف الوعظ والتدريس، وكذلك وظائف أخرى خارج المسجد في الحياة العادية بين الناس، مما وسع من إطار الجهاز الديني ومنحه شبكة علاقات بالمجتمع.

وجاء الصدام على أشده بين الفقهاء والسلطة الجديدة بمصر والشام، وهي سلطة الدولة العثمانية التي اتبعت طريقة جديدة لتسيطر بها بعيدا عن هذا الجهاز أو الية العمل به، وهو الأمر الذي حدث بين السلطة الجديدة والصوفية، ما أحدث اضطرابا خاطفا في صفوفها، مما أثر على نشاطها وأشكال التنظيم لها ووفرة أعداد أتباعها.

تراجع دور الفقيه لصالح الكاتب

وفي مجالس المشورة التي هي عنوان الفصل الثالث، يتناول الكاتب بشكل أعمق علاقة الفقيه بالسلطة اتساقا مع عنوان الكتاب، خاصة الجزء الثاني "من الفقيه إلى المثقف"، مسلطا الضوء على علماء الأزهر ـ بوصفه المرجع لكل علماء مصر ـ، ولعلمائه نفوذ واسع في صفوف الأهالي، واستخدامهم لهذا النفوذ وأداء دور الوسيط بين أمراء المماليك المتنازعين من ناحية، والأهالي والأمراء من جهة أخرى؛ نظرا لثقة الطرفين بهم.

ويعقد الكاتب هنا مقارنة بين نفوذ العلماء في مصر ونظرائهم في الشام، ليؤكد أن علماء الشام لم يحظوا بما حظي به علماء مصر، في ظل حكم المماليك تحديدا.

ويواصل الكاتب تناول هذه الجزئية المتعلقة بالعلماء والسلطة في ظل الدولة العثمانية ودعوتهم للمشاركة في أعمال الديوان، وإن كان تقلص نفوذهم قياسا لفترة المماليك. أما في ظل الحملة الفرنسية، فقد استدعاهم بونابارت لأداء دور مهم في علاقته بالشعب المصري؛ باعتبارهم يمثلون قيما دينية ويكون تأثيرهم على الناس أكثر، ولكن قدراتهم لم تسعفهم على أداء الدور المطلوب منهم.

ثم يعرج الكاتب هنا على علاقة العلماء بمحمد علي، الذي جاء حاكما لمصر ومحاولة كسب ودهم في البداية، وهو ما جعل الشيخ عمر مكرم يساعده بقوة للوصول للسلطة، ولكنه سرعان ما تخلص منه ثم من بقية العلماء الذين لم يتضامنوا مع مكرم وأيدوا محد علي، ولكن ذلك لم يشفع لهم في نهاية المطاف.
 
ويشهد عام 1810 نهاية ما يقرب من نصف قرن من صعود دور العلماء ونهاية دورهم في دواوين المشورة، وانهيار امتيازاتهم التي حصلوا عليها في عهد المماليك، وهنا يستشهد الكاتب بما أورده الجبرتي في تفسير هذا التراجع لهم، فقد اندفعوا للاستفادة من امتيازات السلطة دون الخوض فيها وتحمل مسؤولياتها.

وينهي الكاتب هذا الفصل بالإشارة إلى موقف الدولة الحديث من العلماء والمؤسسة الدينية، ونزعها عن العلماء صفة التمثيل الأهلي وعدم اكتراثها بخدمات العلماء، واعتمادها أكثر على خدمات كتاب الدواوين .

مواصفات كاتب السلطان

وفي الفصل الرابع، الذي حمل عنوان "كاتب السلطان"، يناقش المؤلف بشكل تفصيلي مواصفات هذا الكاتب، وكيفية أداء عمله ودوره مع السلطة، باعتباره الجهاز الإداري للدولة، ولكن بتفاصيل مبالغ فيها كثيرا ومعمقة أكثر من اللازم، على الأقل بالنسبة للقارئ العادي، حيث تم تناول هذا الأمر في سياق الفصول السابقة، ولم يكن الأمر يحتاج إلى هذه التفاصيل الكثيرة، بحيث بدا الأمر وكان الكتاب رسالة علمية تتناول الموضوع بشكل أكاديمي، وهو ما مثل صعوبة إلى حد ما في التعاطي مع هذا الأمر، وكان يمكن إجمال الموضوع بشكل مختصر، ولكن ربما الكاتب أراد أن يتعامل مع هذا الأمر باعتباره من الموضوعات التي لم يتم تناولها كثيرا، فأراد أن يستفيض فيها.

وقد تناول مواصفات الكاتب من حيث معرفة الإنشاء وجودة الخط والكتابة وإتقان اللغات، وهذه الخبرات تحتاج إلى وقت طويل، لافتا إلى أن الكتبة يمثلون طائفة حرفية ويقسمون إلى جماعات على رأس كل مجموعة معلم، يساعده عدد من المعاونين الذين يعطون التوجيهات للكتبة، مشيرا إلى أن الكتّاب كانوا الجماعة الأكثر انتباها لأزمة الدولة وأكثر ملامسة لمشاكلها، ومن هنا كانت تأتي أهميتها وتأثيرها على السلطة .

شراكة ضرورية

أما في الفصل الخامس، فيطرح قضية شراكة الرأي بين الكتبة والسلطة، متناولا دور الكاتب في القرن الثامن عشر وإسهامه المباشر في التأثير على الحكام، ويستدل على ذلك بما جرى في ولاية عكا تحديدا، حيث تطورت مهنة الكاتب وأدى دورا في تمكين الحاكم من السيطرة على الأمور والتمدد في الولايات المجاورة، حيث استقطبت عكا بشكل خاص الكتّاب المنحدرين من عائلات تنتمي إلى مذهب الروم الكاثوليك، وكانوا بارعين في هذه المهنة.

والمواصفات السابقة والأدوار المنوطة بالكتبة، جعلت الكاتب عضوا لا يستغنى عنه في مجلس  شورى الحاكم عند مناقشة الأمور المصيرية، نظرا لخبرته في شؤون السكان والجماعات، وهو ما جعل الحاكم يسلم أموره لهم.

وينهي الفصل بالإشارة إلى الكاتب في العصر الحديث الذي تلقى علوما حديثة، خاصة في عهد محمد علي، حيث البعثات إلى أوروبا، مما خلق طبقة جديدة من الكتّاب والجهاز الإداري للدولة، مثل رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك، حيث انتقلا من الدراسة في الأزهر إلى المشاركة العملية في مشروع بناء الدولة وأجهزتها وكوادرها الوظيفية.

المثقف ودوره في العصر الحديث

وينهي الكاتب كتابه بالفصل السادس، المهم والمنتظر، الذي جاء جزءا رئيسيا من عنوان الكتاب، هو المثقف، ويستعرض فيه بداية ظهور المثقف ودوره في العصر الحديث، باعتباره امتدادا  لدور الفقيه ومن قبله الكاتب، حيث يشير إلى مدى صعوبة البحث في العوامل التي أدت إلى ظهور المثقف العربي، لافتا إلى طريقة الباحثين في هذا الأمر، الذين راحوا يستطلعون فكرالمثقف وأيديولوجيته وخطابه للتعرف إليه، وكأنه يحتجب خلف إنتاجه أو وراء الآراء التي ينشرها بحسب ما أورد الكاتب.

ويتناول الكاتب الآراء التي تدرس نشأة المثقف العربي وتطور الفكر العربي الحديث الذي يعكس أهمية المرحلة اللاحقة للاستعمار، الذي تراجعت خلاله عملية التعليم، ولكن ارتباط المتعلم بالدولة وأجهزتها بقي على حاله.

وما يؤخذ على الكاتب في هذا الفصل، أنه لم يطرح وجهة نظره كاملة في دور المثقف، وكان معظم هذا الفصل مجرد استعراض لآراء وباحثين تناولوا هذا الأمر، دون إبداء وجهة نظر الكاتب بشكل واضح، وإن كان حاول أن يعالج هذا الأمر في خاتمة الكتاب، معترفا ببعض القصور في تناول فصول الكتاب ووجود بعض اللبس، فضلا عن صياغة الكتاب الذي اعترف الكاتب أنها خلقت بعض الشبهات حسب تعبيره.