قضايا وآراء

جمهورية القروض المصرية

أشرف دوابه
1300x600
1300x600
تعد قضية الدين العام من أهم القضايا التي لها تأثير مباشر على اقتصاديات الدول، ومستوى معيشة أبنائها، ومستقبل الأجيال الحالية والقادمة فيها. فهى تتطلب توفير الموارد الحكومية اللازمة لذلك من ميزانيتها، ومن ثم فإنها تشكل جزء هام من إدارة الدين الحكومي، والموازنة العامة، وإدارة الاحتياطي من النقد الأجنبي.

وقد ظهرت مشكلة الديون في مصر وارتبطت بأبعاد نفسية ووطنية تمس السيادة المصرية، وتعاني مصر في واقعنا المعاصر، وخاصة بعد الانقلاب العسكري في 3 تموز/ يوليو 2013 على أول رئيس مدني منتخب في تاريخها وهو الرئيس محمد مرسي، من إفراط ملحوظ في الاقتراض المحلي والخارجي، في ظل انهيار اقتصادي ملحوظ، من تدني المدخرات والاستثمارات، وارتفاع سعر الدولار، ورصيد وهمي للاحتياطيات من النقد الأجنبي، وعجز متنامي في الموازنة، وعجز متنامي في الميزان التجاري بصفة خاصة، وميزان المدفوعات بصفة عامة. وسيطرة لا حدود لها على الاقتصاد من العسكر، حتى زاحم القطاع الخاص قاطرة التنمية في كل شيء وأصابه بالانكماش، مما فاقم من مشكلة البطالة، وساهم في ضعف الإنتاج في القطاعات الاقتصادية المختلفة.

لقد تحولت قضية الدين العام في مصر من مشكلة إلى أزمة مزمنة زادات تبعاتها بعد الانقلاب العسكري على الرئيس مرسي، رغم تسابق دول الخليج في تقديم منح للانقلاب تجاوزت 50 مليار دولار، ومع ذلك لم تزدد أزمة الدين العام المصري إلا اشتعالا، في ظل إعلان الحكومة عن حزمة تمويلية خارجية تبلغ 21 مليار دولار، منها 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي. وقد جاءت بعثة الصندوق لمصر بذات الخصوص، والصندوق لا يعطي قروضا مجانا سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي. بل إن الدراسات تؤكد أن الصندوق أضر باقتصاد أكثر من 60 دولة من خلال برنامجه الذي طالما يطلق عليه الإصلاح الهيكلي، وهو في حقيقته ما هو إلا برنامج ضد الحماية الاجتماعية، ويؤدي زيادة هوة الفقر ورقعة التخلف بالنسبة للدول النامية، وهو ما لا يطبقه على الدول المتقدمة.

إن روشتة صندوق النقد الدولي لن تختلف عما اتفق عليه البنك الدولي من قبل مع الحكومة المصرية في قرض الثلاثة مليار دولار، والذي توقف صرف الشريحة الأولى منه وقدرها مليار دولار لعدم التزام الحكومة المصرية بشروط القرض، ومن ثم فإن الجنيه المصري في طريقه لمزيد من الانخفاض باسم التعويم وحرية سعر الصرف، والدعم تدريجيا لن يبقي منه شيء لا سيما دعم الكهرباء والطاقة، وضريبة القيمة المضافة في طريقها للإقرار من مجلس النواب، كما تم إقرار قانون الخدمة المدنية وما يرتبط به من سنوات قليلة من التخلص من نحو ثلاثة ملايين عامل يمثلون نحو نصف القوى الحكومية العاملة وخفض الأجور، فضلا عن التوجه بقوة نحو خصخصة ما تبقي من شركات بدءا من البنوك وشركات البترول.

إن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ما هما إلا نوعان من سمك القرش الدولي الاقتصادي، لانتهاكهما الحق في الضمان الاجتماعي، وهما يخضعان الاحتياجات الاجتماعية لمتطلبات الأسواق العالمية، ويقدمان شكل من أشكال التنمية يعطي الأولوية لمصالح المقرضين على حساب محدودي الدخل، ويوجهان قروضهما وفق المصالح السياسية للكبار، وهي في حقيقتها ستكون في مصر تدعيما للقروض الترقيعية للمساهمة في سد عجز الموازنة وتعويم الجنيه المصري، دون قيمة مضافة حقيقية. كما أن الادعاء بأن القرض يمثل شهادة ثقة ائتمانية من الصندوق هي في حقيقتها شهادة وفاة وتوريط لمصر في ديون لا قبل لها بها، ولا قدرة لها على سدادها، وهو رهن لمواردها خاصة، وأن الدين الخارجي وصل في نهاية آذار/ مارس 2016 إلى نحو 53.4 مليار دولار، وهو أعلى قيمة للدين الخارجي في تاريخ مصر المعاصر، بنسبة 16.5% من النانج المحلي الإجمالي، ونسبة 560% من الصادرات السلعية والخدمية، وفي الوقت نفسه بلغ نمو هذا الدين نسبة 11% في حين ينمو الناتج المحلي بنسبة 4.5%، وهو ما يعني تآكل الناتج المحلي. 

إن المتتبع للبيانات والتصريحات الرسمية يجد أن مصر تحولت إلى جمهورية للقروض الخارجية، بقيادة وزيرة التعاون الدولي سحر نصر. فالحكومة اتفقت فعلا قبل قرض الصندوق على قروض بنحو 63 مليار دولار، فضلا عن تفاهمات تمويلية أخرى تحت التنفيذ بنحو 85 مليار دولار. وإذا أخذنا في الاعتبار ما ذكر عن هذه الحزمة التمويلية الإضافية، فإن الدين العام الخارجي قد يقارب نحو 140 مليار دولار خلال العامين القادمين، وهو ما سوف يمثل نحو 39% من الناتج المحلي الإجمالي. ويمثل مع الدين المحلي نحو 142% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنحو 103% في نهاية آذار/ مارس 2015م.

إن التمادي في قرض الصندوق والرضوخ لشروطه التي أصبح الكثير منها واقعا سيؤدي حتما لانخفاض الجنيه المصري ومن ثم مزيد من ارتفاع التضخم، ولن يجد البنك المركزي مفرا للتقليل من حدة التضخم سوى بمزيد من رفع سعر الفائدة، وهو ما يؤدي من ناحية أخرى إلى زيادة التضخم والبطالة معا، ويصل لا محالة بالاقتصاد إلى نفق الكساد. ومن جانب آخر، فإن تلك القروض ستعود بذاكرة مصر إلى عهد الخديوي إسماعيل الذي بديونه التي بلغت فقط 98 مليون جنيه إسترليني فقد عرشه وفقدت مصر استقلالها باحتلال الانجليز لهافي العام 1882م، ولو كان الخديوي إسماعيل حيا ما وسعه إلا أن يترحم على عهده بعد هذا الإسهال والتباهي بالديون، ووضع السيسي لمصر على حافة الإفلاس، وانفجار الاقتصاد الذي هو قادم لا محالة، وهو انفجار قد يفقد مصر استقلالها ويعيد للغرب السلطة والحق في السيطرة على مواردها.
التعليقات (0)