قضايا وآراء

فن إدارة الرموز الإسلامية

عصام تليمة
1300x600
1300x600

ليس من الصعب صناعة نجم أو رمز إسلامي، بمعنى أن يتحول داعية أو شيخ أو فقيه، إلى رمز ونجم يشار إليه بالبنان، ويقبل عليه الناس منصتين، محبين له، ومتأثرين بما يصدر عنه، لكن الأصعب من ذلك، هو: حسن إدارة الرمز، والحفاظ عليه، وهذه مشكلة وأزمة كبرى نعيشها حاليا مع الأسف.

كان الرمز منذ سنوات قبل توسع وانتشار السوشيال ميديا، ووسائل التواصل الاجتماعي، يمكنه تدارك ما يصدر عنه، فغالبا ما يكون الكلام حوارا صحفيا، وقد يكون الصحفي قد احتفظ بالتسجيل أو لم يحتفظ، فيمكن حينئذ أن يقال دفاعا عن الهجوم على الرمز وتصريحه: لقد حرف الصحفي الكلام، أو حور الكلام، أو لم يختر عنوانا مناسبا ليعبر عن مضمون الكلام، كل ذلك كان واردا، لكن الآن، ومع وجود وسائل تقنية عالية، تمكن كل من يتربص به من البحث فيم قال؟ وكيف قال؟ وسواء تم توظيف كلامه توظيفا صحيحا أم مشوها، فالآن المسألة أصبحت أسهل بكثير عن الزمن السابق، ولذا فقد أصبحت إدارة الرمز الآن أصعب، وتتطلب جهدا مضاعفا منه، وممن حوله.

والرموز الإسلامية في إدارة مواقفها وإطلالتها العلمية والإعلامية، ليست على درجة واحدة، فمنهم من تتعلق رمزيته بمواكبة الأحداث، وما يجد فيها من مواقف، تتطلب منه موقفا واضحا من هذه القضية، سواء كانت قضية فكرية، أو شبهة تثار حول ثابت إسلامي، أو موقف فقهي خطأ، ويراد تصحيحه، ومدى قدرته المستمرة على متابعة ذلك بمنهجية واقتدار علمي متزن.

ومن الرموز من تتعلق رمزيته عند الناس بثقله العلمي، وسنوات تمرسه بالعلم، فرمزيته هنا تتعلق بعطائه التاريخي، وقوته العلمية، وهو ما يتعلق بكثير من الرموز الكبيرة بحكم ما لها من تراث فقهي وفكري على سنوات طويلة، وسواء تعلق ما يصدر عنه بتعليق على أحداث جديدة، أو فتاوى أو مواقف له تخرج في سياق علمي، سواء كان الموقف العلمي منه تصحيحا أو تجديدا في قضايا متعلقة بتخصصه.

والرموز كذلك نوعان يتفرعان عن النوعين السابقين، رموز رسمية، ورموز شعبية، فالنوع الأول هو من يتولى منصبا دينيا في بلد، سواء لقي قبولا لدى الناس، أم لا. أما النوع الثاني وهو الشعبي، فجواز مروره وقبوله لدى الناس هو رصيده عند الناس، سواء من الشهرة، أو المواقف، أو الثقة في دينه وعلمه لديهم، وهو ما لا ينفي نفس الأوصاف عن الأول، لكنها ليست دائما متوافرة. 

بعض الأنظمة تحاول من باب الحفاظ على شكل مؤسسات الدولة، ومنها المؤسسة الدينية، كانت تحرص على شكل الرمز الديني في السلطة، وهذا كان موجودوا في عهد مبارك مثلا، حين كانت تحرص مؤسسة الرئاسة على ضبط مواقف الشيخ سيد طنطاوي رحمه الله، حين كان شيخا للأزهر، فقد كانت تصدر منه بعض تصريحات ومواقف معلنة لا تليق بمكانته، ولا المنصب الذي تولاه، ولذا في أكثر من مرة حسب مواقف مشهورة، كانت تحافظ على رمزيته، ليس حبا في الرجل فقط، لكن من باب التوازن بين المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية في مصر، وهو ما اختفى مثلا في عهد السيسي حاليا.

وهذا يجعلنا نقف أمام نموذج آخر للرمز الإسلامي الذي في منصب رسمي، في نموذج الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر الحالي، فرغم موقف السلطة الحالية السيء منه، وتسليط المنصات الإعلامية التابعة لها للنيل منه، وجر شكله ـ كما يقال بالمصري ـ في كل شاردة وواردة، فيبدو أن إعداد الرجل النفسي والشخصي، جعله يحسن إدارة نفسه ومواقفه كرمز، رغم الخلاف معه في بعض المواقف، لكن الحديث هنا عن حسن إدارة مواقفه الإعلامية والعلمية المتعلقة بالرمزية الدينية.

أما الرموز الشعبية، فالمهمة أثقل لديهم، لأنهم ليس وراءهم مؤسسة، أو سلطة، تسدد وراءهم، بل وجود سلطة يرتبط بها بأي درجة ربما يضعف موقفه، وقد رأينا رموزا من هذا النوع، مثل: الشيخ عبد الحميد كشك، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ يوسف القرضاوي، وغيرهم، لكن هذا الجيل كان محظوظا في ناحية مهمة، وهي: أن الرموز بلغت في زمانهم حدا من الكثرة، وكانت مغريات الإعلام أقل، ولذا كانت التصريحات أو المواقف التي تجلب نقدا عليهم، محدودة، ولها وجهة نظر، يمكن لأي منهم أو لتلامذتهم الدفاع عنهم فيها.

لكن الأزمة الآن، أن الساحة الإسلامية تكاد تكون خالية إلا من القليل، مع سعار أصاب الكثيرين من حب الظهور في الإعلام، والإثارة التي تجلب مشاهدات الجماهير، أو تصفيقهم وتشجيعهم، وهو ما يجعل إدارة الرمز الآن أمرا عسيرا، ولذا رأينا كم من نجم أو رمز دعوي أو فقهي يتساقط، بعد أن كان ملء السمع والبصر، لأنه لم يحسن إدارة مشروعه الدعوي أو الفقهي.

 

كم من مؤسسات وقفية قامت لرعاية مواهب وفنون، وهو ما نطمح إليه في صناديق وقفية قائمة الآن بالفعل؛ في بلدان خليجية كالكويت، وقطر، وغيرهما، لعل من ينهض فيها لملء هذا الفراغ في المؤسسات العلمائية، ويكون ذلك في ميزان حسناته كلما انتفعت الأمة برمز من رموزها، أحسن إدارة نفسه، أو أحسنت مؤسسات الوقف إدارته والحفاظ عليه.

 



ولا توجد لدينا إلى الآن مؤسسات تقوم بمهمة إدارة الرموز، ليس فقط صناعتها، بل إدارتها والحفاظ عليها، ولا يوجد لدينا (كتالوج) فن إدارة الرموز، فالكثير ممن وفقه الله لذلك، فقد فعل ذلك ومارسه بالفطرة، أو من خلال ممارسته الشخصية للمواقف الإعلامية، وربما بنصائح أفراد تواصلوا معه، وأحسن في الاستماع لنصائحهم، وأدرك خطورة ما يقوم به، فكان لديه هذا الوعي بخطورة موقعه، وما يصدر عنه. 

ومنهم من لا يتوفر له ذلك، فوجب حينئذ أن يقوم الرمز بحسن إدارة مواقفه وعلمه، وأبسط مبادئ هذا الفن، ألا يجري الرمز وراء التريند، أو ما يطلبه الجمهور، فلا بد أن يمتلك القدرة على حسن القرار في متى يظهر ويتكلم، ومتى يحسن الصمت، ومتى يتأنى حتى يتكون لديه رأي موزون، وإن فاته التريند، وفاته وهج الموقف وجمهوره، فخسارة قضية ليس له فيها رأي خير من خسارة مكانته التي إن تكرر موقفه المتعجل والدال على جهله في الأمر، فهو مؤذن بنهاية مشروعه ورمزيته، وهو ما حدث مع البعض، وكان سقوط رمزيتهم مدويا. 

كما عليه أن يعي مخاطر الوسائل التي يتواصل بها مع الناس، ولغتها التي ينبغي أن يبتعد عن الأفخاخ التي توضع له من خلالها، ولا يعتمد الرمز هنا على محبة الناس، وأن رصيده لديهم يسمح له بذلك، فهذا رصيد لا يعلم متى ينفد، ومتى يتحمله الناس إلا الله سبحانه وتعالى، فعواطف الجماهير تروح وتجيئ.

المواقف التعبيرية للرمز الإسلامي تحتاج بعد إخلاص وجهه لله، إن لم تكن لديه الخبرة في ذلك، أن يبحث عن نماذج كانت موفقة في الرمزية، في جانبها التعبيري والأخلاقي، وكيفية التعامل مع المواقف المماثلة، وهو ما اشتهر في تراثنا بحسن الجواب، وسرعة البديهة، وحسن التخلص من الإشكال. إضافة إلى التمرس بالدورات التدريبية على ذلك، فليس عيبا أن يلجأ الرمز إلى مختصين في مخاطبة الجماهير، سواء في الحديث أو الكتابة، فكلاهما فن منفصل، ولكل أدواته ووسائله، ولكل طرق تعبيره التي تعين على أداء الرسالة أو الموقف بشكل مهني، وأقل إشكالا.

لو كان في بلادنا الآن الوقف الإسلامي، لوجدنا من أصحابه من يوقف على مؤسسة لذلك، فقد كان أسلافنا لا يفوتهم مثل هذه اللفتات، فكم من مؤسسات وقفية قامت لرعاية مواهب وفنون، وهو ما نطمح إليه في صناديق وقفية قائمة الآن بالفعل؛ في بلدان خليجية كالكويت، وقطر، وغيرهما، لعل من ينهض فيها لملء هذا الفراغ في المؤسسات العلمائية، ويكون ذلك في ميزان حسناته كلما انتفعت الأمة برمز من رموزها، أحسن إدارة نفسه، أو أحسنت مؤسسات الوقف إدارته والحفاظ عليه.

 

[email protected]


التعليقات (0)