صحافة إسرائيلية

هكذا تتحكم مؤسسة الاحتلال العسكرية بالقرار السياسي

غلبة الطابع العسكري ترك بصماته الميدانية على طبيعة القرارات التي يتخذها المستوى السياسي- جيتي
غلبة الطابع العسكري ترك بصماته الميدانية على طبيعة القرارات التي يتخذها المستوى السياسي- جيتي

تعتبر مسألة العلاقات بين السياسة والجيش من المسائل الشائكة في أي دولة من المفترض أن تكون فيها المؤسسة العسكرية ذراعاً للسلطة التنفيذية، تخضع لقرارات المستوى السياسي، لكن في دولة الاحتلال تنبع المشكلة من المكانة الرفيعة التي تحتلها المؤسسة العسكرية، وهي نتاج النظرية الأمنية القائلة بأن "الدولة تواجه تهديدا وجوديا".


لقد باتت طبيعة العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل من القضايا الأكثر إثارة للنقاش، وتقدم نماذج على الاحتكاكات الدائمة بين المستويين في عدد من القرارات المفصلية كالانتفاضة الثانية، وحرب لبنان الثانية، وإقرار الموازنة العسكرية، والانسحاب أحادي الجانب، والحروب الإسرائيلية الأخيرة.


وتكشف المعطيات الأخيرة عن ثغرات "قاتلة" في عملية اتخاذ القرارات، وما أثير من تبادل اتهامات بين قادة المستويين في تلك المفاصل التاريخية المهمة، وهو ما يعتبره يشكل تهديدا حقيقيا للدولة، التي تعتمد بالكلية على هذه المؤسسة العسكرية، مما يؤكد أن "إسرائيل ليست دولة لها جيش يحميها، بل إن هناك جيشا وله دولة".


ولا يحمي الجيش الإسرائيلي الجانب المدني في دولة الاحتلال فقط، بل يساهم في صياغة صورتها النمطية، وطبيعة الحياة التي يحياها مستوطنوها، فضلا عما يطرحه من أهمية استراتيجية لطبيعة العلاقة السائدة بين المستويين: السياسي والعسكري، وما يرتبط بذلك من أواصر وروابط تهيمن على السياسة الأمنية والعسكرية، التي تحددها الجهات المسؤولة في إسرائيل، في ضوء هذه العلاقة التي تذهب دائما باتجاه المستوى العسكري ولصالحه.


ويعود الحديث عن طغيان المؤسسة العسكرية في دولة الاحتلال إلى ظاهرة فريدة أخذت في الظهور مع أواخر عقد الأربعينيات من القرن العشرين، وهي أعوام قيادة الدولة، أطلق عليها محررو الكتاب "ثقافة الأمن" الإسرائيلية، وحتى كتابة هذه السطور ما زالت تتكون هذه الثقافة من مركبات أساسية، وأجزاء مفصلية، تقع في صلبها طبيعة العلاقة التي يجب أن تسود بين الجانبين السياسي والعسكري، وبات ترسيخ هذه الثقافة مع مرور السنين والعقود لقيام "عسكرة المجتمع" في إسرائيل.

 

اقرأ أيضا: الاحتلال يحضّر لنشر "قبة حديدية" تعمل بالليزر قرب قطاع غزة

لقد تركت غلبة الطابع العسكري على المجتمع الإسرائيلي بصماته الميدانية على طبيعة القرارات التي يتخذها المستوى السياسي من جهة، ومن جهة أخرى أضحى لهذا الطابع المؤثر الأكبر على كيفية صياغة النظريات الأمنية تجاه أعداء الدولة.


وفي ذات الوقت، فإن هيمنة ظاهرة "عسكرة المجتمع" جعلت لجوء إسرائيل إلى صيغ المفاوضات السياسية، والوصول لحلول توفيقية مع الأطراف المعادية، مؤشر ضعف وتراجع، محظور عليها الاقتراب منها، وهذا الإجماع النابع من شيوع "ثقافة الأمن"، أوجد ما يطلق عليه الباحثون "الهوية الفاصلة" بين الجيش والدولة، ويعني أنه بدون جيش لا معنى لقيام الدولة، وبدون جيش قوي، يتعاظم ويتقوى، لن تستطيع الدولة على البقاء طويلا.


وتعني أيضا أن تكون إسرائيل متأهبة على مدار الساعة، ومستعدة لأي طارئ أمني، بحيث يمكن لها أن تخرج للحرب متى قررت ذلك، وهو ما يلائم طبيعة "المجتمع الحربي" في إسرائيل الذي يمنح أفضلية عليا للقوة العسكرية، وفي أعقاب هذه القناعات السائدة، تولدت في إسرائيل مفاهيم جديدة تشير بمجملها لحقيقة أن المجتمع ينبغي له أن يمنح الجيش كل ما أوتي من قوة وإمكانات، لأن في ذلك حيلولة دون "دمار المجتمع الإسرائيلي"، وجاء ذلك على ألسنة ساسة وعسكر كثر في الدولة، وكلها منحت الجيش الأولوية المطلقة.


العنصر الأكثر أهمية في هذه الجزئية، ولا يبدو أنها تلفت نظر القارئ وصانع القرار العربي، وهي أن الجيش الإسرائيلي طوال سبعة عقود ماضية من تاريخه، لم يشهد "تدخلا" للمؤسسات السياسية والحزبية في عمله، بما في ذلك الحكومة والكنيست، ومن ثم فقد نعمت المؤسسة الأمنية والجيش بـ"استقلالية مطلقة"، بما في ذلك التدخل في حجمه، وموازنته، وخططه القتالية، وتاريخ الحروب الإسرائيلية العربية، تشير إلى أن المخططات الحربية، والتفصيلات القتالية، أقرت أساسا في هيئة الأركان ، ثم تصل لمقاعد الحكومة، بعد أن يتم استكمال الأفكار العملياتية، والسيناريوهات الميدانية.

التعليقات (0)