قضايا وآراء

ماذا بقي من الثورة التونسية؟

عادل بن عبد الله
1300x600
1300x600
رغم حرص الخطاب الرسمي على تبرير الإجراءات الوقائية الاستثنائية الأخيرة بأسباب تتعلق بالوقاية من جائحة كورونا، يبدو أن تزامنها مع الذكرى العاشرة للثورة التونسية يجعلها أكبر من مجرد إجراءات صحية ترتبط بفرض التباعد الاجتماعي، خاصة وقد أثبت التعاطي مع الجائحة أن الدولة قد تبنت منطق مناعة القطيع.

وليس يعنينا في هذا المقال أن ننتقد السياسات الحكومية في مواجهة كورونا، بل منتهى ما يعنينا من الجائحة هو أن التعامل معها كان وما زال تعاملا يعكس (على غرار التعامل مع أغلب الملفات الوطنية الكبرى) ضعف الدولة وهشاشة الحقل السياسي. وقد يكون احتفال الكثير من التونسيين "قلبيا" بثورتهم في زمن كورونا مدخلا جيدا لنطرح السؤال التالي: ماذا بقي في قلوب التونسيين وواقعهم من الثورة وشعاراتها؟ أو ماذا أبقت النخب التونسية لمواطنيها بعد عشر سنوات من ثورتهم على النظام الجهوي- الزبوني التابع والمتخلف؟

الثورة التونسية أو الزمن السياسي الجديد المجهض

مهما اختلفنا في توصيف ما وقع في تونس بين 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 و14 كانون الثاني/ يناير 2011، وسواء اعتبرنا ما وقع انتفاضة شعبية أو انقلابا أو ثورة مجهضة، فإن ذلك "الانكسار البنيوي" في المنظومة السلطوية التونسية كان حدثا مفصليا في التاريخ التونسي، بل في التاريخ العربي بحكم تداعياته على أحداث ما سُمي بـ"الربيع العربي".
ذلك "الانكسار البنيوي" في المنظومة السلطوية التونسية كان حدثا مفصليا في التاريخ التونسي، بل في التاريخ العربي بحكم تداعياته على أحداث ما سُمي بـ"الربيع العربي"

وبحكم المآلات الكارثية لأغلب الثورات العربية، بدا النموذج التونسي (رغم كل انتكاساته وإخفاقاته التي لا ينكرها إلا مكابر) استثناء في محيط إقليمي ارتد بالثورات الأخرى إلى حروب أهلية أو انقلابات عسكرية، بدعم من "محور الشر" (أو محور التطبيع) الإماراتي السعودي. وهو ما يعني أن سردية "الاستثناء التونسي" لا تكتسب شرعيتها من عوامل موجبة (أي من مشروعية الإنجاز القابل للتكميم أو الإحصاء أو الذي يمكن أن يستشعره المواطن بصورة عفوية) بقدر ما تكتسب تلك الشرعية من عوامل سالبة (تجنب الحرب الأهلية أو الانقلاب العسكري).

هل فشلت الثورة أم فشلت النخب التقليدية؟

إن سؤالنا عما تبقى من الثورة التونسية، هو في الحقيقة سؤال مزدوج. فهو يتعلق من جهة أولى بما تحقق من شعارات الثورة ومطالبها، وهو من جهة ثانية يرتبط بما تبقى من "إيمان" بقيم تلك الثورة و"روحها"، بعد كل ما حصل من ارتدادات وخيبات لا يمكن أن تحجبها نقطة الضوء الباهتة والمتمثلة في بعض المكتسبات الهشة والمهددة بالانتكاس في كل أزمة عميقة بين الفاعلين الأساسيين.

لقد كان "التشغيل" و"الحرية" و"الكرامة الوطنية" أبرز مطالب الثورة التونسية، وهي مطالب لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل مشروع وطني جامع عملت أغلب النخب التي تصدرت المشهد العام بعد الثورة على إفشاله. ولا شك في أن غياب ذلك المشروع أو عجز النخب عن تحقيق شروطه الفكرية والموضوعية كان وراء الفشل في إدارة أغلب الملفات الكبرى، رغم تغير الحكومات والتحالفات السياسية. فالدولة قد فشلت في استرجاع الأموال المنهوبة وفي محاربة الفساد البنيوي الذي يكاد يتحول إلى ظاهرة مافيوزية (العجز عن توفير موارد إضافية للتشغيل)، وفشلت أيضا في تسوية وضعيات ضحايا النظام السابق بلحظتيه الدستورية والتجمعية (العجز عن تحقيق الكرامة لأكثر الناس استحقاقا لها)، وفشلت أخيرا في التخلص من مناويل التنمية الموروثة من النظام السابق والمتسببة في تأبيد وضعية التخلف والتبعية، والاستباحة الخارجية الممنهجة للفضاء الوطني (العجز عن بناء مشروع الحرية والسيادة الوطنية).
سؤالنا عما تبقى من الثورة التونسية، هو في الحقيقة سؤال مزدوج. فهو يتعلق من جهة أولى بما تحقق من شعارات الثورة ومطالبها، وهو من جهة ثانية يرتبط بما تبقى من "إيمان" بقيم تلك الثورة و"روحها"

الهوّة بين احتياجات النخب واحتياجات عامة المواطنين

لا شك في أن الاحتفاء بثورة لم تحقق إلا القليل اقتصاديا واجتماعيا ولم تقطع مع المنظومة القديمة ونواتها الصلبة (أيديولوجيا وماليا وجهويا)؛ هو أمر يستدعي وعيا استراتيجيا يتجاوز الظرفي والسياقي ويتسلح بالأمل متخلصا من حظوظ النفس "الآن- وهنا". إنه وعي "نخبوي" لا يمكن أن نلوم المواطن العادي على عدم التماهي معه. فهذا المواطن مشغول بتوفير حاجياته الأساسية، أي تلك الاحتياجات التي تقع في أدنى هرم ماسلو مثل الاحتياجات الفيسيولوجية والحاجة للأمان والاحتياجات الاجتماعية، وهو غير مشغول بإشكاليات النخب ورهاناتها، كالحرية والديمقراطية والكرامة التي تلبي الحاجة للتقدير وتحقيق الذات.

ولذلك فإننا لا نستغرب تزايد نسبة الكافرين بالثورة حتى ممن لا ينتمون إلى المنظومة القديمة أو إلى قواعدها الانتخابية وشبكاتها الزبونية، خاصة وهم يرون النخب (يمينا ويسارا) يتحولون إلى سبب مركزي في تعميق أزمتهم مما يغريهم (ولو بصورة لا واعية) على مقايسة منجز الثورة على عهد المخلوع، أو حتى على الحنين إلى أيامه رغم بؤسها.

هل نجحت النخب في مأسسة شعارات الثورة حقا؟

إن الحرية والديمقراطية ولا مركزية السلطة والتداول على السلطة والتعددية الحزبية (أي ذلك المنجز الذي اعتبرته النخب عملية مأسسة لشعارات الثورة) هي في التحليل الأخير مطالب نخبوية بالأساس. وهي مطالب لا يمكن أن تغري عامة الشعب إلا عندما تنجح النخب في تحويلها إلى أداة لإصلاح الواقع، أي إلى برامج سياسية يرى عامة المواطنين رأي العين تأثيرها في تحسين وضعيتهم الاجتماعية وتلبية احتياجاتهم الأساسية.
مطالب لا يمكن أن تغري عامة الشعب إلا عندما تنجح النخب في تحويلها إلى أداة لإصلاح الواقع، أي إلى برامج سياسية يرى عامة المواطنين رأي العين تأثيرها في تحسين وضعيتهم الاجتماعية وتلبية احتياجاتهم الأساسية

ولكن واقع الثورة التونسية منذ رحيل المخلوع لا يشفع لتلك القيم النخبوية، بل يجعلها كلمات ذوات "سمعة سيئة" لأنها ساهمت (من منظور الوعي العام الذي تشكله وسائل الإعلام المرتبطة وظيفيا بالمنظومة القديمة) في تعفين الوضع العام وتأزيم حياة المواطنين اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا. ونحن لسنا هنا في وارد نقد هذا الوعي أو نقد الأطراف التي تعمل على تشكيله في عصر "ما بعد الحقيقة"، ولكننا نكتفي بوصف الواقع الذي يُبنى إعلاميا بصورة تجعله أكبر عدو لأي نفس ثوري أو إصلاحي، وأكبر حليف لكل السرديات الفاشية (ورثة المخلوع وحلفاؤهم) والشعبوية (ساكن قرطاج ومشروعه السياسي الهلامي).

افتضح الأدعياء والأعداء ولكنّ الثورة باقية

رغم كل حملات الترذيل الممنهج للثورة والتطبيع المشبوه مع أعدائها في الداخل والخارج، فإن الثورة التونسية لم تخسر في الحقيقة إلا أدعياءها وأعداءها الذين حرفوها عن مداراتها الأصلية إلى مدارات موهومة لم يستفد منها إلا القليل. ولكن الثورة التونسية باقية لا محالة (على كره منهم) بحكم جوهرها التقدمي وغير المتصادم مع حركة التاريخ من جهة أولى، وبحكم عجز النخب "الرسمية" جميعا عن تنزيل تلك الشعارات في الواقع من جهة ثانية.

ولذلك، فإن ما تبقى من الثورة التونسية في التحليل الأخير هي راهنية استحقاقاتها، واستحالة أن تستويَ على سوقها مشروعا للحرية والكرامة دون توافق وطني عابر للأيديولوجيات (كتلة تاريخية)، أي دون كلمة سواء بين مختلف الفاعلين الجماعيين، كلمة تتحرر من الدوغمائيات والسرديات اللاوظيفية ومن سلطة الذاكرة وفتنة أحادية الصوت. وهو مطلب عزيز قد لا تكون النخب المتصدرة للشأن العام قادرة على الوفاء بشروطه (بحكم ارتباطها فكريا وواقعيا بمنظومة الفساد والتبعية)، ولكنه يظل رغم ذلك مطلبا قابلا للتحقق بنخب أخرى ما زالت تحمل الثورة في قلوبها (لا على ألسنتها فقط) وإن دفعت بها موازين القوى إلى هامش الفعل والتأثير.. لكن إلى حين.

twitter.com/adel_arabi21
التعليقات (1)
باهي حمودة
الأحد، 17-01-2021 07:17 ص
الجهاد الأكبر مستمر فحتى من قام بالثورة كان كل هدفه وفكره الخلاص من خنق النظام الديكتاتوري لكنه أخطأ بقطع الرأس وترك كامل الأطراف بل والتعامل معها واستخدامها. ووعي الناس بالموقف والمسؤولية هو شيء مهم في حد ذاته و الاستمرارية والممارسة والحزم وعدم الركون الانخداع والانزواء سيفضي ذلك حتما الى تونس التي يحلم بها كل مواطن .