قضايا وآراء

كيف سنرحل إلى سيناء؟

1300x600
سنحزم حقائبنا بإرادتنا ونرحل إلى سيناء.. متى سيكون ذلك؟ اليوم أم غدا؟ أعتقد أن الأمر يحتاج لبضع سنوات إن سار المخطط كما هو مرسوم له دون منغصات. هل سنكون مجبرين؟ هل سيرغموننا على ركوب حافلات كما يحدث في سوريا لتقلنا إليها؟ أم سنفعل ذلك طواعية وبمحض إرادتنا مستسلمين لمغريات العيش الكريم؟ هل سيسمونها "سيناء دريم لايف"!! هل سيناء ومع الوقت ستصبح أرض الأحلام لبعضنا ومكان الباحثين عن الاستقرار والعمل؟ هل هناك فقاعة جديدة شبيهة بدبي ستولد على شواطئ البحري الأحمر والمتوسط؟

لا أعلم.. ما أعلمه أن اللهاث السعودي الذي برز مع وصول ولي العهد محمد بن سلمان للسلطة ليس عبثيا، وهو ضمن مخطط كبير للشرق الأوسط.

سيقول أحدهم إننا نبالغ ونضخم من مضمون "صفقة القرن". سأقول يكفي أنها صفقة معنية بتصفية القضية الفلسطينية بالمقام الأول، وكل من يحاول التقليل منها ومن مخاطرها، ويسعى لتمييع مفهومها هو شريك في تصفية القضية الفلسطينية.

قد يكون مصطلح "صفقة القرن" جاء وقعه ثقيلا وسط تنبؤات وتسريبات عن مضمونها، وهو ربما ما جعلنا بقصد أو بدون قصد نتجاهل أن جزءا من شكلها قد كشف عنه قبل سنوات، وما ظهر حاليا ليس إلا إعادة قولبة للمفاهيم والمقترحات السابقة، والتي كان المحتل ومعه أمريكا يحاولان تمريرها بشكل أو بآخر عبر مسميات ألطف مثل عملية السلام والحل النهائي. ولماذا نتهم أمريكا وإسرائيل فقط؟ ألم تثبت الأيام أن العرب لهم يد وهم شركاء في تصفية القضية الفلسطينية؟ الفرق أنهم في السابق كانوا يكتمون، أما الآن فلا حرج عليهم بل يجاهرون بذلك بلا حياء.

دعونا نعود ثمانية عشر عاما للخلف حين فشلت مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، بين الرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون. حينها اقترح "هورد شولتس"، صاحب سلسلة مقاهي ستاربكس الشهيرة، في خطاب مفتوح وجهه لعرفات بأن يفكر في سيناء كوطن قومي بديل للفلسطينيين.

فشبه جزيرة سيناء التي تزيد مساحتها عن 60 ألف كيلومتر مربع يمكن أن تصبح نموذجا لمنطقة صناعية كبيرة كما رآها "شولتس"، ويمكنها جذب استثمارات كبيرة وفرص عمل أكبر للفلسطينيين. المقترح قوبل برفض فلسطيني رسمي وشعبي حينها.

فما الذي يحدث اليوم؟ هناك عند ضفاف البحر الأحمر رؤية "شولتس" باتت حقيقية وواقعية والمشاريع السعودية على البحر الأحمر (نيوم)؛ ليست إلا جزءا من مخطط صهيو-أمريكي كبير وبراق ينفذ بمال وهمم عربية. هذه المشاريع ليس هدفها تحسين أحوال السعوديين أو المصريين، فالأولى أن تنفق أولا في المدن والأحياء المتهالكة فقرا في مصر والسعودية. فمشروع نيوم الذي يبدأ من الأراضي السعودية سيمتد، والنشاط السعودي بات واضحا، وتمويل السعودية لمشروع منطقة طور سيناء ينطلق ضمن محاولة السعودية السيطرة على منطقة البحر الأحمر من مضيق باب المندب إلى منطقة الطور، خاصة وأن السعودية تسعى لإقامة قواعد عسكرية في باب المندب ودولة جيبوتي، كما تفعل الإمارات تماما، بل قد تعمل السعودية على شراء الأراضي التي أجرت لها لإقامة جامعة في طور سيناء. وطالما أن فكرة البيع مقبولة لنظام السيسي، فلا مشكلة تواجه السعودية في تنفيذ المشروع الأكبر. فمن باع تيران وصنافير وأهدى ولي العهد بن سلمان 1000 كيلو متر من سيناء؛ يريد أن يقدم رسالة للسعوديين بأنه شريك في كل ما يذر الأرز.

السؤال الذي تطرحونه الآن: ما علاقة هذه المشاريع والطموحات السعودية للسيطرة على البحر الأحمر بفلسطين والدولة الفلسطينية واللاجئين وصفقة القرن؟ وقد تقولون أن الربط معقد وقد يكون عصي على التصديق؟

الجواب: أن المحيط الرسمي العربي بات اليوم أكثر اقتناعا من أي وقت مضى؛ بأن وجود إسرائيل أمر واقع لا مفر منه ولا يمكن اقتلاعها، وأن بقاءها شاذة عن محيطها ليس صحيحا، وبأن التعاون الخفي معها يجب أن يأخذ مساره الطبيعي العلني، لذلك لا بد من اندماج علني وواضح. فالمشكلة اليوم ليست إسرائيل، بل فلسطين وقضيتها، ولا بد من معالجة الصداع المزمن المستمر منذ العام 1948. وعليه، لا بد من إيجاد حل بإقامة دولة فلسطينية من الأشلاء والفتات في الضفة، وتقديم بعض التسهيلات لقطاع غزة مع إبقائها بين فكي كماشة الحصار. أما الضيوف الثقال من اللاجئين في الشتات، فبات مكوثهم ثقيل ولا بد من إيجاد حل، والحل الأنسب إيجاد وطن بديل لهم هناك عند البحر الأحمر.

وطن بمغريات اقتصادية وحياتية، فقاعة من الأحلام التي يظن الصهاينة العرب بأنها ستكون كفيلة بأن تمسح من ذاكرة الفلسطيني وطنه؛ وسنوات الذل في المخيمات والقتل والتهجير.

سيظنون أن فقاعة مثل دبي ستقتلع منا فلسطين. قد ينجرف البعض لها بحثا عن لقمة العيش؛ لأن هذه العملية سترافق مع حملة غسيل للأفكار والمعتقدات بشيطنة الفلسطيني وإيجاد ذرائع للإسرائيلي.

تقول جدتي التي هجرت من طبريا عندما كان أبي طفلا بأن "الأسى لا ينتسى". ورغم يقيني بحجم الوعي الفلسطيني الشعبي للتصدي للمخطط، إلا أنني أخشى حافلات يجبر الفلسطينيون على ركوبها كما حدث في سوريا.