قضايا وآراء

نظام جمال أنور حسني السيسي

1300x600
فعل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمورا بشعة كثيرة في البلد، وعلى كل المستويات المعنوية المعنوية الاقتصادية الاجتماعية العسكرية الأمنية، وبالتأكيد الاستراتيجية.. تلك الأمور البشعة هي نتاج مباشر لاستنساخه أسوأ ما في الأنظمة الثلاثة التي سبقته: نظام جمال عبد الناصر الأحادي الدموي الإقصائي المتغطرس، ونظام السادات المنفتح على الغرب أمريكا وإسرائيل تحديداً، ونظام مبارك الذي فرط في كل شيء، وباع البلد حتى بالمعنى الحرفي للكلمة - كما قال ذات مرة وزير الدفاع محمد حسين طنطاوي في مجلس الوزراء - النظام الذي كرّس هيمنة أو سطوة مجموعة معينة، أو بالأحرى عصابة مالية وإعلامية من المحيطين بجمال مبارك في لجنة السياسات بالحزب الوطنى التي حكمت البلد، وطبعاً دون التحرش أو الاحتكاك بالجيش وامتيازاته، ولكن ضمن رقعة محددة وبعيداً عن الأضواء بالعموم.

عبد الفتاح السيسي بدا في كثير من الأحيان مهووساً بتقليد نظام عبد الناصر، هو طالب صراحة وعلناً بإعلام أحادي، دون أي معارضة أو استثناء، يشبه إعلام الستينات.. إعلام هيكل وأحمد سعيد (حتى أن عبد الحليم قنديل الداعشي الحليق أحد دعاة التكفير السياسي، أي التخوين، قال ذات مرة إنه أي السيسي سيكون ناصر أو بوتين، وإذا به يستنسخ أسوأ ما لدى الرجلين). وهو لم يستنسخ أو يسعى لاستساخ نظام ناصر في شقه الإعلامي فقط، ولكن في شقه المؤسساتي التنظيمي (مجازاً طبعاً، حيث لا نظام ولا مؤسسات)، فهيمن على كل السلطات التنفيذية التشريعية القضائية، ولم يضيع وقتا أو جهدا في تشكيل حزب، كون البرلمان كله، بأحزابه الورقية الهامشية، تحول إلى نسخة معاصرة من الاتحاد الاشتراكي الناصري، مكرساً في السياق نظاما إقصائيا.. شيطن أبعد وهمّش المعارضين السياسيين، أيّ كانت اتجاهاتهم السياسية والفكرية، ونال الإخوان المسلمون - كما زمن ناصر - نصيب الأسد من القمع والتنكيل والبطش؛ كونهم القوة الحزبية الأساسية الأكبر في البلد، ومصدر الخطر الرئيس على النظام وسلطته.

من نظام السادات استستخ السيسي فكرة أن 99 في المئة من أوراق اللعبة بيد أمريكا وإسرائيل. وحتى زمن الرئيس السابق أوباما، اقتنع بالفكرة الساداتية القائلة أن الطريق إلى واشنطن تمر بتل أبيب، ولكن واشنطن الكونغرس الكابيتول، وليس البيت الأبيض، بينما عادت الأمور إلى طبيعتها الآن مع إدارة ترامب، حيث فعل السيسي كل ما تريده الإدارة، لدرجة الموافقة على التنازل عن مدينة القدس، والتماهي مع صفقة أو "صفعة القرن"، وهي الاسم الحركي لتصفية القضية الفلسطينية بثوابتها الأساسية الثلاثة: القدس، اللاجئين والحدود.. وذهب النظام باتجاه إسرائيل أضعاف أضعاف ما فعل السادات؛ الذي كانت أركان الدولة المصرية في عهده متحسسة أو حذرة لجهة الانفتاح على إسرائيل. أما السيسي، فتحول إلى حليف للدولة العبرية وشريك أمني لها، ليس فقط في سيناء، وإنما حتى في المنطقة بشكل عام، والملف الفلسطيني بشكل خاص، حيث وصلت الغطرسة العجرفة والبجاحة بوزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان؛ إلى القول إن تل أبيب هي من تتحكم بفتح معبر رفح وفق حساباتها، حتى لو ظهر النظام المصري في الصورة كصاحب القرار.

أما الواحد في المئة المتبقية من أوراق اللعبة فوضعه السيسي بيد بوتين والنظام الروسي الاستبدادي البشع البغيض، الذي سعى ويسعى لتقليده. والعلاقة مع بوتين وروسيا لا تهدف سوى إلى ذر الرماد في العيون، كونه لا يجرؤ حتى إلى ابتزاز أمريكا والغرب بها، إضافة طبعاً إلى التوهم بالاستنجاد به، على طريقة بشار الأسد، إذا ما ثار الشعب ضده ذات يوم، في ظل القناعة المتجذرة بتخلي أمريكا والغرب عنه، كما فعل مع نظام مبارك.

ومن هذا الأخير استنسخ السيسي، أو ربما أصيب كذلك بفقدان الوعي السياسى، والغيبوبة الاستراتجية المتلازمة مع العجز في الدفاع عن مصالح البلد الحيوية، كما رأينا في انفصال جنوب السودان زمن مبارك؛ دون أن تحرك القاهرة ساكناً، ثم العجز الآن أمام سد النهضة الأيوبي، بل والخضوع له، وحتى التهوين من آثاره الاستراتيجية الضارة والبالغة السوء على مصر وأمنها القومي، وليس في شقه المائي فقط.

مباركياً، استنسخ السيسي أو أعاد تحديث وتعويم طبقة رجال الأعمال اللصوص، وطبقة الإعلاميين المرتزقة والمنافقين للنظام وسياساته البشعة. والجديد ربما كان المزج بين الأمرين، أي الاستعانة برجال الأعمال وقنواتهم وأبواقهم الإعلامية لفرض سطوة النظام والتنكيل، وشيطنة كل المعارضين له قبل الاستغناء عنهم أو نهب ممتلكاتهم، مع سيطرة العسكر والمخابرات على الإعلام بشكل مباشر لتحقيق وهم الإعلام الناصري المستحيل في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، وثورة الاتصالات التي حوّلت العالم إلى قرية صغيرة لا يمكن فيها إخفاء الجرائم أو منع الناس من التعبير عن مواقفها.

مع استنساخه أسوأ ما في الأنظمة الثلاثة التي سبقته، يبدو السيسي وكأنه قد حسم مصيره بنفسه، سينزل بالبلد أو ربما أنزل فعلاً نكبة كبرى، كما فعل نظام ناصر مع نكبة 1967 التي أنزلها بنفسه وبالمصريين وبالفلسطينيين، وبالعرب بشكل عام.. نكبة قضت عملياً وإكلينياً على النظام التيار الناصري، وحتى القومي بشكل عام، وكانت ربما أحد أسباب الوفاة الغامضة لعبد الناصر، ثم الانقضاض بسهولة نسبية على إرثه من قبل السادات ونظامه.

أما السادات، ورغم انفتاحه على الغرب وتدفق المساعدات المشروطة عليه، إلا أنه عجز عن إحداث نهضة أو تحوّل اقتصادي جاد وعميق في البلد،وانتهى به المطاف إلى اغتيال سياسي على خلفية الصلح مع إسرائيل كما التنكيل بالمعارضين على اختلاف اتجاهاتهم السياسية والفكرية.

مبارك سقط وانتهى بثورة شعبية عارمة على النظام، إذ كرّس فشله وفشل سابقيه في امتحان امتحانات الخبز الحرية الكرامة والعدالة والاجتماعية، بعدما فشل طبعاً في امتحان فلسطين كنتيجة طبيعية للفشل فى الامتحانات الأساسية السابقة، وثورة يناير اندلعت بعد عام تقريباً على الانتخابات أو المهزلة التشريعية الشهيرة -2010 - التي كانت صورية وعبثية، ويجرى استنساخها إلى حد كبير. الآن مع الانتخابات الرئاسية القادمة، والتي يمكن ببساطة ويسر أن نطلق عليها نفس الأوصاف السابقة.

إذن، حسم السيسي مصيره بنفسه، موت غامض على طريقة ناصر أو اغتيال سياسي على طريقة السادات، أو ثورة شعبية بأهداف وشعارات سياسية جامعة على طريقة مبارك، مع ترجيح الخيار أو السيناريو الأخير. ولكن للأسف، وفي ظل تشظي وتشتت القوى السياسية الثورية وعجزها عن التوافق على برنامج الحد الأدنى الكفيل بإسقاط النظام، يبقى الاحتمال الأكبر هو انفجار شعبي مدوّ ذو طابع اقتصادي اجتماعي؛ يقتلع النظام من جذوره، ويأخذ البلد إلى حالة من عدم الاستقرار قد تستمر طويلاً، إذا لم تراجع الحالة الثورية نفسها وتلجأ إلى تنظيم صفوفها لتقليل التداعيات الهائلة الناتجة عن إزالة آثار النظام البشع والبغيض الذي ارتكب خلال سنوات فقط؛ جرائم تماثل ما ارتكبته أنظمة الاستبداد السابقة ولكن خلال عقود.