قضايا وآراء

السياسات العربية والانقلاب على السوريين

ماذا بعد الانفتاح العربي على نظام الأسد؟- واس
لا تتوقف التحولات التي تشهدها السياسات العربية تجاه سوريا، عند إعادة دمج النظام السوري في هياكل الجامعة العربية، بل تشمل الانقلاب على المعارضة بكل مستوياتها، سواء تلك التي تمثلها الأطر المعروفة كالائتلاف الوطني المعارض وهيئة التفاوض، أو حتى النخب الإعلامية والثقافية، ووصل الأمر إلى حد شطب الخبر السوري من صفحات الكثير من الصحف والفضائيات العربية، واقتصاره على زيارات وزير خارجية الأسد إلى العواصم العربية.

يبدو أن الدبلوماسية العربية تأثرت كثيرا بأفكار وزير خارجية النظام السوري السابق، وليد المعلم، الذي كان يعمد إلى شطب قارات ودول وازنة من الخريطة، عندما لا يعجبه موقفها من نظامه، فالأنظمة العربية عبر سياساتها الجديدة تشطب الحدث السوري، رغم ما يشكله من مادة إخبارية وتحليلية مهمة، فكأنه لم يعد هناك قتل يومي وتغييب دائم وتجارة كبتاغون ولاجئين، وكأن سوريا غدت سويسرا؛ حيث لا تجد فيها وسائل الإعلام العربية قصصا مثيرة تستحق أن تُروى!

الأنظمة العربية عبر سياساتها الجديدة تشطب الحدث السوري، رغم ما يشكله من مادة إخبارية وتحليلية مهمة، فكأنه لم يعد هناك قتل يومي وتغييب دائم وتجارة كبتاغون ولاجئين، وكأن سوريا غدت سويسرا؛ حيث لا تجد فيها وسائل الإعلام العربية قصصا مثيرة تستحق أن تُروى!

مثل هذه السياسة ليست جديدة، فقد تم استخدامها تجاه فلسطين، حيث جرى تغييبها عن صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات، حتى في أوج مراحل الصراع. ولم يكن خافيا الهدف من وراء ذلك، وهو عزل الرأي العام في بعض البلاد العربية، وتحييده تماما عن التعاطف مع الفلسطينيين، والمراهنة على أن الزمن سيتكفل بتهميش القضية الفلسطينية، حيث يجري تجهيل الأجيال الجديدة بالصراع في فلسطين، وإذا تم ذكر فلسطين، فيتم التركيز على فساد بعض المسؤولين والخلافات داخل البيت الفلسطيني، بهدف ترسيخ صورة مشوّهة عن فلسطين ومشكلتها.

اليوم يبدو أن الدور بات على سوريا المعارضة لنظام الأسد والمقاومة للاستبداد والطغيان، بل إن بعض الصحف العربية ذهبت إلى حد الشماتة بالمعارضة السورية بعد الانفتاح العربي على نظام الأسد، متسائلة عن الأوراق التي ما زالت تملكها تلك المعارضة في ظل الترحيب العربي بنظام الأسد. والمفارقة هنا، أن الدول العربية التي أعادت تأهيل الأسد، ذكرت أن من أهم شروطها قبول النظام السوري التفاوض مع المعارضة على الحل السلمي، وهذا الكلام لم يمض عليه سوى أسابيع قليلة، الأمر الذي يدفع للتساؤل عن هذه السرعة في الانقلاب، وعن هذا التراجع عن سياسة "الخطوة خطوة"، التي أعلنتها الدول العربية على رؤوس الأشهاد؟

المشكلة في التحوّل العربي، عدا عن لا أخلاقيته أو حتى منطقيته، أنه لا يستند إلى أسس متينة، بقدر ما يرتكز على حبال تالفة، فنظام الأسد لن يلتزم حتى بأدنى الشروط العربية، ليست تلك المتعلقة بالتفاوض مع المعارضة ولا الكشف عن مصير السوريين المخفيين، رغم الشك بأن الدول العربية طالبت أصلا النظام بتنفيذ هذه المطالب، بل لن ينفذ حتى المسائل التي تتعلق بالأمن الوطني لهذه الدول كتجارة المخدرات وتخفيف ضغط اللاجئين عليها. فلماذا هذا التهافت كله على نظام ارتكب كل أنواع العار بقتله واغتصابه وإخفائه للسوريين والسوريات؟ هل من أجل مصالح تتعلق بإعادة الإعمار والحصص التي يمكن لبعض الأطراف العربية الحصول عليها؟ لكن أي إعمار في ظل نظام العصابة الفاسد، وأي أرباح يرتجي العرب تحقيقها من وراء العمل مع هذه العصابة؟ أم إن الهدف مكايدة أمريكا وإثبات الاستقلالية والسيادة؟ إذا كان الأمر كذلك، ففلسطين ملعب مهم لذلك عبر الوقوف مع ثورة شعبها وفضح انحيازها، وليست العلاقة مع قاتل شعبه بشار الأسد!

كما لم تنجح هذه العملية في الترويج لإسرائيل في الرأي العام العربي، ولم تؤثر على مشاعر الأجيال الصاعدة تجاه فلسطين وشعبها، فإن ما يجري على المقلب السوري لن يُجمل بشار الأسد في عيون العرب، رغم كل أخطاء المعارضة ولا فعاليتها، فهناك عائق وجدار ضخم بين الشعوب العربية وعصابة الأسد يتشكّل من مليون شهيد و12 مليون مهجّر وآلاف المغتصبات.

لكن، بعيدا عن مقاصد وأهداف الأنظمة العربية في انقلابها وتحوّلها عن السوريين وكارثتهم، فإن هذا التحوّل ربما تكون له تأثيرات على هؤلاء، لما للإعلام من تأثير في صياغة التوجهات عبر إبعاد الأضواء عن هذا الجانب وتسليطها على الجانب الآخر. لكن كما لم تنجح هذه العملية في الترويج لإسرائيل في الرأي العام العربي، ولم تؤثر على مشاعر الأجيال الصاعدة تجاه فلسطين وشعبها، فإن ما يجري على المقلب السوري لن يُجمل بشار الأسد في عيون العرب، رغم كل أخطاء المعارضة ولا فعاليتها، فهناك عائق وجدار ضخم بين الشعوب العربية وعصابة الأسد يتشكّل من مليون شهيد و12 مليون مهجّر وآلاف المغتصبات.

لن تفعل الأنظمة العربية أكثر من زيادة قراراتها الخاطئة وحساباتها البعيدة عن المنطق، وكان من الأسهل الشغل على إصلاح المعارضة لزيادة فعاليتها، من العمل على احتضان نظام الأسد الذي يقبع رأسه في طهران وذيله في موسكو وقلبه مليء بالحقد على كل عربي، لكن كما لم يستطع العرب إخراج الفلسطينيين من دائرة الفعل والتأثير، فلن يستطيعوا إعادة الحياة لجثة نظام الأسد.

twitter.com/ghazidahman1