كتاب عربي 21

لا جيّدة ولا وديّة

Arabi21-Brand-article2-final-Recovered-Recovered
"أدين بشدة هذا التجسيد الكاذب والمضلل لقواتنا المسلحة. أحيي ذكرى ثمانية وخمسين جنديا فرنسيا سقطوا وهم يدافعون عن مالي، بناء على طلبها في وجه الجماعات الإرهابية الإسلامية". هكذا رد وزير الجيوش الفرنسية سيباستيان لوكورنو على المشهد الافتتاحي لفيلم "بلاك بانثر"، في جزئه الثاني، الذي أظهر الجنود الفرنسيين في هيئة مرتزقة يسعون لنهب موارد مملكة خيالية باسم واكاندا، كمعادل تخييلي للقارة الأفريقية. في الفيلم يظهر الجنود هؤلاء راكعين أمام ملكة واكاندا، بعد أن تؤنب الملكة ممثلة فرنسا في المجمع الأممي أمام بقية الأعضاء.

لقد اعتبرت فرنسا، من خلال وزيرها، أن الفيلم وإن كان من إنتاج أمريكي، فهو حلقة من حلقات الحرب الإعلامية التي تُشن ضدها في مناطق نفوذها التقليدية في القارة السمراء، وتتهم الروس بالوقوف وراءها. لم يطلب المغرب أكثر من هذا، بل لجأ إلى المحاكم الفرنسية دفاعا عن سمعة البلاد وأجهزتها، التي اعتبر أنها مُسّت في كثير من التقارير التي صدرت بباريس من خلال أجهزتها الإعلامية أو المنظمات التي تنشط على أراضيها وكانت مجهولة إلى حين.

عندما حاول صحفيان فرنسيان معروفان بالكتابة المستمرة، عبر مؤلفات لا تتوقف عن استهداف المغرب ورموزه، ابتزاز القصر الملكي سنة 2015 مقابل عدم نشر كتاب اعتبراه "فاضحا"، لم يستسلم المغرب للابتزاز واستدرجهما لتوقيع اتفاق مالي معزز بتسجيلات صوتية توثق للعملية، ولجأ بعدها إلى العدالة الفرنسية علّها تنصفه في مواجهة إريك لوران وكاترين غراسييه، اللذين جعلا من دول المغرب الكبير (المغرب وتونس على الخصوص) مجال تخصص ومصدر رزق لا ينضبان.

الواقعة ضربت في مقتل مصداقية الحملات الموسمية الموجهة ضد المغرب من خلال دوائر النشر الباريسية، وهي لعبة لطالما أتقنها الفرنسيون واستثمروا فيها شر استثمار.

قبل أيام، أصدرت المحكمة حكمها الابتدائي بعقوبة بالسجن موقوفة التنفيذ وغرامة لم تتعد عشرة آلاف يورو. ابتزاز دولة "صديقة" بما يعادل مليوني يورو، يقابله حكم مخفف سيتحول مع مرحلة الاستئناف إلى مجرد ذكرى، والأكيد أن الواقعة ضربت في مقتل مصداقية الحملات الموسمية الموجهة ضد المغرب، من خلال دوائر النشر الباريسية، وهي لعبة لطالما أتقنها الفرنسيون واستثمروا فيها شر استثمار.

وعندما أعدت منظمة فوربيدن ستوريز، ومقرها باريس، تقريرا نشرته بالتنسيق مع عدد من الصحف العالمية، اعتبر ذلك التقرير حقيقة مطلقة منزّهة عن أي نقد ولا يرقى الشك إليها. لجأ المغرب إلى المحاكم الفرنسية مطالبا وسائل الإعلام التي تبنت مضامينه بتقديم الدلائل، التي تؤكد لجوءه إلى البرنامج التجسسي الإسرائيلي. قضت المحكمة ابتدائيا برفض الدعوى؛ لأن القانون الفرنسي لا يسمح برفع دولة ما لدعاوى قضائية بتهمة التشهير، ويُنتظر أن يصدر الحكم الاستئنافي في نيسان/ أبريل القادم، وإن كان الأمل ضعيفا في أن يخالف ما ذهب إليه قضاة الدرجة الأولى في الموضوع.

هذه القضايا وما تلاها من توصية البرلمان الأوروبي المدينة لتراجع حرية التعبير في المغرب، بعد استحضاره لقضايا نظرت المحاكم المغربية في حيثياتها، وأصدرت فيها الأحكام، باسم الملك، ابتدائيا واستئنافيا وفي مرحلة النقض في بعضها، اعتبرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قضايا بعيدة من أن تكون من فعل فرنسا، نافيا أن تكون حكومته من تصب الزيت على النار. فماكرون حاول تبسيط الأزمة الديبلوماسية التي تشهدها العلاقات بين البلدين، باستمرار غياب سفير معتمد للرباط بباريس، وتوقف اللقاءات بين مسؤولي البلدين ووزرائهما، ليصبح تحديد موعد الزيارة الرئاسية لماكرون للمغرب واحدا من أوجهها البارزة، وهو الذي تحول إلى سندباد يجوب القارة الأفريقية طولا وعرضا، دون أن تفتح له الرباط أبوابها.

لأن القنوات الديبلوماسية بين البلدين مغلقة أو تشهد اختناقا غير مسبوق على ما يبدو، فقد تحولت أعمدة وصفحات الجرائد والمجلات واستوديوهات القنوات الإخبارية وبرامجها إلى ساحة مفضلة لدى الجانبين لتصريف مواقفهما.

ماكرون أكد أن العلاقات بين الحكومتين جيدة، وأن علاقاته الشخصية بالعاهل المغربي "ودية وستبقى كذلك"، في تصريحات صحفية أعقبت بسطه استراتيجية الجديدة لدول أفريقيا السمراء. ولأن القنوات الديبلوماسية بين البلدين مغلقة أو تشهد اختناقا غير مسبوق على ما يبدو، فقد تحولت أعمدة وصفحات الجرائد والمجلات واستوديوهات القنوات الإخبارية وبرامجها إلى ساحة مفضلة لدى الجانبين لتصريف مواقفهما، فقد جاءه الرد مباشرا وواضحا لا يحتمل التأويل، من خلال تصريح صحفي لمصدر مغربي وُصِف بالمسؤول، نفى فيه جملة وتفصيلا جودة العلاقات الرسمية وودية العلاقات الشخصية بين قائدي البلدين.

الأزمة غير المعلنة بين البلدين ظلت مع ذلك في الحدود الدنيا من التوتر العلني لشهور طويلة، لكن بث قناة فرنسا 24، وهي قناة عمومية فرنسية تقدم وجهة نظر الدولة الفرنسية لمختلف القضايا الدولية، في خدمتها الإسبانية الموجهة للجارة الإسبانية ودول أمريكا اللاتينية، برنامجا من خمس دقائق، تناولت فيه قضية الصراع حول الصحراء المغربية، حوّل الحرب الإعلامية الهادئة إلى حرب علنية معلنة، تتصدرها قنوات حكومية محسوبة على الطرفين.

لم يتأخر الرد "الرسمي" المغربي على برنامج "في خمس دقائق"، وتكفلت به قناة ميدي سات الإخبارية المغربية من خلال تقرير من ثلاث دقائق، اعتبرت فيه أن البرنامج "حمل مغالطات تاريخية وسردا ساذجا لمشكلة تاريخية متعددة الأبعاد، حاولت قناة الـ24 كاذبة أن تعزز من خلاله رصيدها في الافتراء على الحقوق التاريخية للمغرب، وكل التقدم المحرز في هذا الملف منذ تقدم المغرب بمقترح الحكم الذاتي". وأضافت بالقول: "برنامج في خمس دقائق، منتوج فرنسي رديء، فلسفته هي كيف تصنع جبلا من الأكاذيب في خمس دقائق. ومن أكاذيبه أن الدول التي أيدت مخطط الحكم الذاتي للمغرب، تلقت مقابلا استثماريا لشركاتها عن ذلك، وتستغل موارد اقتصادية بالصحراء المغربية، فكل شيء عند فرنسا 24 يباع ويشترى، والدليل برنامجها الذي تفوح منه رائحة غاز شمال أفريقيا".

وختمت القناة المغربية قائلة: "يقول الفرنسيون؛ إن المرء عندما يكذب يطول أنفه، وأنف فرنسا 24 صار طويلا إلى درجة أنه يحتاج إلى كتيبة لحمله، وبات على الهيئات الإعلامية أن تمنح في الفاتح من نيسان/أبريل القادم جائزة أكذب وسيلة إعلام لقناة فرنسا 24 وأخواتها، فمنها تعلم الإعلاميون الصاعدون مهارة الكذب في خمس دقائق وبدون معلم".

في السابق، لم يكن لدى المغرب من سبيل للمواجهة غير الانغلاق على الذات، ومحاولة الدفاع قدر المستطاع عن النفس، عن طريق منع دخول الكتب أو الصحف، أو غيرها من الوسائل "الحمائية"؛ مخافة أن يطلع أبناؤه عليها. اليوم، يختار البلد سبيل المواجهة وفق القانون الفرنسي لعل ذلك ينصفه أو يسمع صوته؛ ردا على ما يعتبره افتراءات ومحاولات للاستهداف.

ربما كان هذا الهجوم الإعلامي من قناة ميدي سات، أعنف هجوم من نوعه تشهده العلاقات بين البلدين ومؤسساتهما المختلفة منذ عقود. لقد كان استخدام تقارير المنظمات الحقوقية والصحفية المتخفية وراء الاستقلالية عن الهيئات الحكومية، أمرا دارجا في العلاقة التي شهدت مراحل توتر عديدة منذ الاستقلال. فتقارير جمعية فرنسا الحريات، بقيادة حرم الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران، أو تقارير منظمة مراسلون بلا حدود، أو مختلف المنشورات التي تعتمد في جزء منها على تسريبات مخابراتية، تسعى لتمرير رسائل مشفّرة أو إلى الإضرار العمدي بمصالح المغرب، وظلت على الدوام مصدر توتر بين البلدين.

في السابق، لم يكن لدى المغرب من سبيل للمواجهة غير الانغلاق على الذات، ومحاولة الدفاع قدر المستطاع عن النفس، عن طريق منع دخول الكتب أو الصحف، أو غيرها من الوسائل "الحمائية"؛ مخافة أن يطلع أبناؤه عليها. اليوم، يختار البلد سبيل المواجهة وفق القانون الفرنسي، لعل ذلك ينصفه أو يسمع صوته؛ ردا على ما يعتبره افتراءات ومحاولات للاستهداف. لكن رمزية اختيار قناة ميدي سات لتكون الذخيرة الحية لقصف الجبهة الإعلامية الفرنسية لا تخفى؛ فميدي سات هي في الأصل مشروع إعلامي أتى ثمرة نجاح تعاون فرنسي مغربي في إذاعة البحر الأبيض المتوسط، وأُريد له أن يمتد للتلفزيون. انسحبت فرنسا ولبنان من المشروع قبل الانطلاقة، فاستمر مشروعا مغربيا "خالصا"، قبل أن يصبح اليوم عنوانا لفشل تعاون مغربي فرنسي وثيق، ظل محافظا على الحدود الدنيا للتعايش والاحترام.

يملك المغرب في محاولاته شرعية لا يمكن التغاضي عنها، ففرنسا التي تحمي قنواتها وصحفها من المساءلة، هي نفسها التي تبادر إلى فصل صحفية وإنذار آخرين، فلسطينيين ولبنانيين، استجابة لضغوط جمعيات صهيونية تتبنى منطق محاكم التفتيش؛ دفاعا عن الرواية الصهيونية في الإعلام الفرنسي، في مواجهة أصوات معدودة، تحاول الخروج عن النص ولو في تدوينات ومنشورات شخصية على وسائل التواصل الاجتماعي. قناة فرنسا 24 التي يشتغل فيها المعنيون اعتبرت تلك التدوينات "رسائل لا يمكن التهاون معها، وتناقض القيم التي تدافع عنها محطات القناة الدولية ومستهجنة جنائيا". وهي نفس الـ"فرنسا" التي تستغل قناتها الدولية ذاتها للترويج لخطاب زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والساحل، بعد أن طُرِدت قواتها العسكرية من قواعدها في مالي وبوركينافاسو والبقية في الطريق.

عندما تصبح التسريبات الصحفية والحوارات المثيرة للجدل الوسيلة الأمثل لتصريف المواقف وتسجيل النقاط، فاعلم أن التخبط ربما صار العلامة البارزة للديبلوماسية الفرنسية التي يبدو أنها لم تكن مستعدة للتعامل مع تنامي ردود الفعل المعادية لسياستها الأفريقية، بنسخها القديمة وبنسختها الماكرونية التي تدعي السعي للتغيير.

فرنسا التي تدعي أن مهمتها كانت "محاربة الجماعات الإرهابية الإسلامية" في منطقة الساحل، تفتح أبوابها مشرّعة لحوار مع زعيم نفس التنظيمات، وتقدمه كصاحب رؤية سياسية لها الحق في العرض والانتشار والنقاش. التطبيع مع "الإرهاب" ليس مناقضا للقيم ولا مستهجنا جنائيا إن كان فيه دعم للمصالح العليا لباريس ومختلف عواصم الغرب، التي طمأنها أبو عبيدة يوسف العنابي بالقول؛ إن القيادات الغربية تعرف وتعي أن جماعته "تركز على القتال في أفريقيا، ولم تجهز لأي عمليات في الغرب أو في الأراضي الفرنسية".

عندما تصبح التسريبات الصحفية والحوارات المثيرة للجدل الوسيلة الأمثل لتصريف المواقف وتسجيل النقاط، فاعلم أن التخبط ربما صار العلامة البارزة للديبلوماسية الفرنسية التي يبدو أنها لم تكن مستعدة للتعامل مع تنامي ردود الفعل المعادية لسياستها الأفريقية، بنسخها القديمة وبنسختها الماكرونية التي تدعي السعي للتغيير.

الخطابات الرنانة عن جودة وودية العلاقات، لا تمكّن من تعويض الطرق المعروفة لحل الأزمات، وأولها الجلوس لطاولة النقاش والتفاوض المبني على الندية والاحترام. أما السعي لمواصلة التهدئة، وهي الوصفة التي قدمتها وزيرة الخارجية كاترين كولونا لبرلمانيي بلادها، تعليقا على تصاعد الأزمة بين باريس والرباط، فمجرد تكريس لاستمرار أمر واقع قد لا يستطيع الصمود، لأن قطار البحث عن مناطق النفوذ وتكريس الوجود يجد الطريق سالكة كلما استمرت الأجواء لا جيدة ولا ودية، فلكل جنوده الذين سقطوا أو نذروا أنفسهم للسقوط دفاعا عن الوطن وليس عن أراضي الآخرين. والخرائط "المعدلة" صارت أيضا مادة دسمة على الشاشات وأغلفة المجلات، وتحولت إلى مادة للاستعادة والنقاش، ووقودا لتشنج الردود وعنترية التهديدات.