أفكَار

المصائب والكوارث ابتلاء واختبار أم عقوبة بسبب الذنوب؟

الكوارث والزلازل والبراكين هي بمثابة الرسائل التي تنبه الناس وتلفت أنظارهم إلى قدرة الله المطلقة.. (الأناضول)
منذ الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا، وشمال سوريا، في السادس من الشهر الجاري، والذي خلف دمارا واسعا في العمارات والبنايات السكنية، وأودى بحياة عشرات آلاف القتلى، لم يتوقف الجدل الساخن على مواقع التواصل الاجتماعي إن كان الزلزال ابتلاء يبتلي الله به عباده لحِكم يريدها، أم إنه عقوبة بسبب كثرة الذنوب وتفشي المعاصي.

ومن الملاحظ أن كل طرف يسوق آيات قرآنية وأحاديث نبوية يستدل بها على ما يراه، فالذين يرونه عقوبة بسبب الذنوب والمعاصي يستدلون بقوله تعالى {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى:30]، فهي ـ وفق فهمهم ـ عامة في كل المصائب، فما من مصيبة تصيب العباد إلا بما كسبته أيديهم من الذنوب، لكنه سبحانه بعفوه ورحمته يعفو عن كثير من السيئات التي ارتكبوها.

وقد تضافرت بعض الروايات والأخبار التي تعضد ذلك الفهم، وهو ما ذكره كثير من المفسرين في تفاسيرهم، كقول شيخ المفسرين الإمام الطبري "يقول تعالى ذكره: وما يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا في أنفسكم وأهليكم وأموالكم فبما كسبت أيديكم، يقول فإنما يصيبكم ذلك عقوبة من الله لكم بما اجترمتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم، ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم، فلا يعاقبكم بها" ثم أورد بعض الأخبار التي تشهد لذلك الفهم.

إلا أن المعترضين على مثل ذلك الاستدلال لا يرون أن كل ما يصيب العباد من المصائب والكوارث هو عقوبة لهم على ذنوبهم، لأن ثمة مصائب تحل بالناس لا يد للعباد فيها، فهي مقدرة عليهم بأمر الله الكوني الذي لا يد لهم فيه، ولا يستطعيون دفعه، فالله أخبر أن الموت مصيبة {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ}، وهو مقدر على جميع الخلائق، بما فيهم خير خلق الله من الأنبياء والمرسلين، وكذلك ما أخبر الله في آيات كثيرة من ابتلاء الله لعباده ليختبر صدق إيمانهم، فيتبين الصادق من الكاذب، والصابر من الجازع.

وهذا ما أوضحه وأكدّه أستاذ الفقه وأصوله بالجامعة الأردنية، الدكتور عبد الله الكيلاني، بقوله: "كل ما يقع في هذا الكون هو بأمر الله تعالى، فهو سبحانه له (الخلق والأمر)، وينبغي في هذا المقام التفريق بين الحكم الكوني، والحكم الشرعي، فوقوع الزلازل من الأمر الكوني، أما الحكم الشرعي حين وقوع الكوارث فهو وجوب قيام القادرين بإغاثة الملهوف، وإنقاذ المصابين، وإعانة المحتاجين".


                       عبد الله الكيلاني.. أستاذ الفقه وأصوله بالجامعة الأردنية

وأضاف: "مما ذكره الحافظ ابن حجر عند حديثه عن الخسوف الذي وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بيانه، أن النبي أسرع للصلاة، لأن الخسف إن كان لأي سبب من الأسباب فإن الواجب الشرعي هو الفزع إلى الصلاة، واللجوء إلى الله بفعل ما أمره الله منه، حتى يكشف ذلك، فهذا هو واجب الوقت الذي يتعين القيام به".

وتابع لـ"عربي21": "حينما تقع الكوارث في الأمة، كالزلازل والفيضانات والبراكين فإن العبادة المتعينة في حق القادرين هي القيام بكل ما يقدرون عليه من واجب الإغاثة والإعانة والإنقاذ وتضميد الجراح، وليس تقريع المصابين، وتعنيفهم بأن ما أصابهم هو نتيجة ذنوبهم ومعاصيهم، فثمة ما هم أحوج إليه في مثل هذا الظروف الصعبة والقاسية".

ولفت الكيلاني إلى "ضرورة تحلي العلماء والدعاة بالحكمة، فحتى لو كان من حلت بهم مصيبة الزلزال أصحاب ذنوب، فليس هذا وقت تقريعهم ولومهم، والشماتة بهم، ولا يليق بأهل الديانة والصلاح تبرير تقصيرهم بحق من يجب إعانتهم وإغاثتهم بمبرر ديني، فليس من الدين والمروءة في شيء، التفرغ للتنظير وتقريع المصابين، في وقت يحتاجون فيه إلى مد يد العون لهم، وإغاثتهم، وجبر كسرهم، وتفريج كرباتهم، ومواساتهم في مصابهم الجلل".

من جهته قال الأكاديمي السعودي، المتخصص في العلوم الشرعية، الدكتور إبراهيم عبد الله الحازمي: "المصائب كالزلازل وغيرها هي من الأقدار الكونية (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله)، (إنا كل شيء خلقناه بقدر)، ومن المعلوم أن الله يبتلي عبادة ويختبرهم، ليكفر سيئاتهم، ويرفع منازلهم في الآخرة، وقد يعاقب عباده بسبب ذنوبهم، كنوع من التهذيب لهم، وإخراج عيوبهم، وتطهيرهم من حظوظ أنفسهم، فهي من قبيل (أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب)، ويندرج في هذا الباب قصة آدم عليه السلام (اخرج منها..)".


                                 إبراهيم عبد الله الحازمي.. كاتب وباحث سعودي

وأردف قائلا: "ليست الآية الكريمة (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم..) على عمومها، بدليل إصابة النبي في معركة أحد (شُج رأسه وكُسرت ثنيته)، فهل كان ذلك بسبب الذنوب؟ ومن المقرر أن الرسول عليه الصلاة والسلام غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كما في حديث عائشة في الصحيحين، وكذلك أخبرنا الله أن الموت مصيبة وهو سيصيب جميع الخلائق لا محالة، وفيهم الرسل والأنبياء، الذين لا ذنب لهم يعاقبهم الله عليه".

وأكدّ الحازمي في حديثه لـ"عربي21" أن "كل عقوبة تكون بذنب، وليس صحيحا أن كل مصيبة تكون بسبب الذنوب والمعاصي، وليس صحيحا كذلك أن كل ما يقع للمؤمن بسبب ذنوبه، فقد يبتلي الله عباده الصادقين من أهل الاستقامة، ليختبر صدق إيمانهم، وإظهار صبرهم وثباتهم وعدم جزعهم (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) فالله تعالى يبتلي عباده بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر".

وفي ذات الإطار لفت الباحث الجزائري، محمد دخان، إلى أن "الزلازل التي تزلزل القلوب، تجعل الجميع يتساءلون عن سبب هذه الآية الربانية الكونية: أهي عتاب أم عقاب، أم هي ظاهرة عابرة كالخسوف والكسوف أم هي بسبب عبث الإنسان بطبقات الأرض عبر التجارب والحفر والسدود".


                                                محمد دخان.. باحث جزائري

وأضاف أن "كل هذه الأسئلة لها إجابات وجمهور طويل وعريض، والذي يهمنا بحكم البحث والتصور الإسلامي التأكيد على أننا كبشر، قاصرون عن تحديد مراد الفعل الإلهي: أهو عتاب أم عقاب، أم ظاهرة طبيعية وسنة كونية أم ابتلاء؟، فليس لنا أن نترجم هذا الفعل بعواطفنا وأمزجتنا، وغاية ما نفعله أن نسلم لأقدار الله، ويراجع كل شخص نفسه ويحاسبها، ويستعد للموت لأنه قادم لا محالة مهما تنوعت صوره وأشكاله، وعلينا الاستعداد له".

وردا على سؤال "عربي21" حول استدلال بعضهم بقوله تعالى (فكلا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا..) بإنزالها على مصيبة بعينها أنه من جنس هذه العقوبة، أوضح دخان أن آية سورة العنكبوت المشار إليها هي خاصة بأقوام حددتهم الآية، ولا يصح تعميمها، وكذا آية الشورى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم..)  فإنها أعطت حكما عاما، ولم تقل إنها لكل الأفراد".

وتابع: "فالأنبياء ـ عليهم السلام ـ أصابتهم مصائب وهم معصومون عن الذنوب والخطايا، ففي الحديث الصحيح: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، وكذا الأطفال ممن لم يبلغوا سن التكليف، فهل يؤاخذون بذنب لم يكتب عليهم؟ وعليه فتحديد الكوارث والمصائب التي تحل بالأفراد على أنها نازلة كعقوبة يحتاج إلى دليل واضح كالشمس، وإلا فهو تدخل صارخ في أمر الله وقضائه وقدره".

ونبّه في ختام حديثه إلى أهمية الاعتبار بما يُحدث من كوارث وزلازل وبراكين فهي بمثابة الرسائل التي تنبه الناس وتلفت أنظارهم إلى قدرة الله المطلقة، لافتا إلى أننا "في هذا الكون المسخر بيد الله، لا يمكننا أن نعرف أحكام الله في خلقه إلا من خلال تراجمة الوحي، وهم الأنبياء ليبينوا لنا السبب الدقيق لحدث كوني محدد، فقد جاء في صحيح البخاري أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج ـ وهو القتل ـ حتى يكثر فيكم المال فيفيض".