قضايا وآراء

الشطط والإصلاح الفكري

1300x600
قضاء وقدر وسنن

ليست الخليقة عشوائية، بل هي في فضاء محتوم كحركة الكواكب والمجرات وما نراه في الطبيعة من بعض صفاتها، وهو قدر مقدور من الأرزاق والأقوات للناس، وتدار حركته بسنن الكون التي إن اتُبعت فهي من فضل الله على عباده إن سخّرها لهم، وإن لم تُتبع فالسوء من الإنسان نفسه على نفسه. ومن فهم سنن الكون وأدارها سار في الحياة ناجحا كمنظومة آدمية؛ ومن لم يفهمها ظلم نفسه عندما لم يفعّل منظومته العقلية لفهم الصواب فزل كما زل آدم، ولا علاقة في الأمر لمعتقد أو دين.

كيد الشطط:

الشطط هو الخروج عن الصواب ومن يخرج عن الصواب فهو شيطان، من أجل هذا سمي إبليس بالشيطان، فليس الشيطان هو إبليس وإنما إبليس هو شيطان كل من خرج عن جادة الصواب.. ليس له من تأثير على النفوس إلا بقناعاتها، ولا يحدث الضرر بها إلا من خلال استجابتها للإغراءات، وأن الصالح عند الطواغيت في الشطط والطاغوت قد يكون هوى النفس المتبع أو قناعات نظنها هي الصلاح، فالشطط لا تسول له النفس أنه أمر سيئ، فلم يقل إبليس لآدم إنه سيخالف الله إن أكل من الشجرة، بل قال له إن لك فيها الخلود وملكا لا يبلى، فأضر آدم بنفسه وزوجه عندما اقتنع بهذا القول، ونسي أنه يحدّث مخلوقا حقودا حسودا طاغ في الأنانية، فأتاه من الأنا التي يدرك هو كيف تكون نقطة الضعف، وأثار غريزتي التملك والبقاء بالخلود ثم لتأتي غريزة النوع. وهكذا كان آدم وكان الامتحان لكل ذريته.. لمنظومة عقلية هي ميزة آدم على الخلق بالإبداع، وأن لديه القدرة على الاختيار وضبط النفس والسيطرة على ذاته وهو مبدع بنّاء، ومن شط فمخرب شيطان إنس.

قل هو من عند أنفسكم:

يتعذر البعض عن الخطأ بأنها انزلاقه بدفع إبليس في اعتقاده، لكن حقيقة الأمر أنها شطط نفسه وذاته، فاتباع الأهواء ورغبات النفس من خلال الغرائز وليس المعالجة العقلية هو الشطط بحد ذاته، فالغرائز تستعمر منظومة العقل ما لم تدرس الأمور وتقاس وفق القيم، وإلا فكلما صدرت نزوة من أحد أو رغبة أو أي شيء مهما كان عمقه ثم نفذ دون مراعاة للقيم الأخلاقية والمجتمعية التي تتجاوزها ثورة الغريزة، فإن بيوتا تخرب ومصانع تتوقف، وحروبا بلا معنى تغرق البشرية وهو ما يحصل فعلا، هكذا يكون الشطط ويكون الإنسان شيطانا؛ لأن ما حركه هو الأنا والغرائز، وأدار بمنظومة عقلية مكلفة بالبناء للحرث والنسل فجعلها مدمرة للحرث والنسل.

واقعنا اليوم:

ما نراه من فوضى ليس إلا إفسادا في الأرض، وقد يقول قائل إن هذا رقي في العلم والتطور التقني، أعطى التمكين للقوي، لكننا رأينا سرعة تفكك الأواصر وما بدا أنه متماسك، فما يحصل هو إبداع المنظومة العقلية لكن بقيادة الهوى والشطط، فقيميا هو ليس إلا تحويرا لعقلية النياندرتال في التعامل مع الحياة، فيبدو الشطط وديعا في مجتمعه لكنه مدمر لغيره، وهذا ليس رقيا وإنما انحراف بمهام المنظومة العقلية.

لكن الحضيض ليس بالظلم وإنما بالاعتقاد أن الظلم يبقى مهيمنا وأن كيده قوي مترابط، فالظلمة هي ظلام التفكير الذي يوحي ألاّ نور قادم وأن الظلام دائم، وأن النور لن يولد مع بزوغ آخر لشمس الحقيقة، فذا من سنن الكون وكل ما علينا السعي للفرصة صناعة وليس انتظارا، فتمام عقم الإصلاح هو الانتظار.

ما المطلوب:

المطلوب هو الإصلاح الفكري قبل مناقشة السلوك المنحرف والتصرف السلبي، فليس من الفهم أن أرى نفسي حكما على الآخرين، وليس من الصواب وأنا مصلح أن أرى في كلماتي دعوة للكراهية من أجل الرعوية وباسم المحبة والتميز بها. فواجب المصلح والإنسان عموما البحث عن الصواب وليس أن يثبت أنه الأفضل وأن ما يعتقد هو الصواب، وكل الشر فيما عداه، فهذا لب حقيقة الشطط التي تقودها شياطين بلبوس القيم، ودعوات باسم الديانات المتعددة في الأرض، والفوضى في زي الاستقرار، فهم كمن يقول للناس "جئتكم بالخلود وملك لا يبلى"، ولكن واقع الأمر أننا نرى كل ما عكس ذلك، فهو إفساد يحتاج مراجعة وإصلاحا وتوبة كتوبة آدم التي علمه الله كلماتها. وكل كلمات التوبة صحيحة إن فهمنا معناها وأردنا أن نبني ونعمر في الأرض ونقيم السلالة، فهي ملك الإنسان في الدنيا وهي لهذا المالك امتحان.

الآدمية مطلوبة:

عندما نستخدم منظومتنا العقلية في الشر فإننا نرى ما نرى، لكن المطلوب أن نستعيد أنفسنا ليس ملائكة بلا أخطاء كما يتصور البعض في المصلحين، بل إنسان يمكن أن يخطئ ويصيب. لهذا العمل الجماعي مهم، والتعارف مهم بين كل الناس باختلاف وتنوع عقائدهم، لكن من أجل هدف ليس رفض الآخر، وإنما كيف ننجح كمنظومة يعلم صانعها أنها ليست تفسد فقط وإنما ممكن أن تكون أداة إصلاح وبناء، ضعفنا حقيقة متى التجأنا لغرائزنا وأهوائنا، ولكننا أقوياء إن نظمت هذه الغرائز والحاجات، نتفاعل نتسامح مع تصويب التطلعات؛ لا نكون عدميين عندما يخطئ مصلح فنهدم كل ما بناه، فالكمال لله وحده شيطان إنس من ادعاه.

قمة و قاع!

01-Nov-22 10:53 AM