كتاب عربي 21

نحو مشهد سياسي في تونس بلا نهضة

1300x600
فجأة وكمن يفيق من سبات عميق على قرع الطبول قفزت اركسترا الإعلام تطارد حزب النهضة. كل الجمهور كان ينظر إلى مؤشرات الأسعار اللاهبة ويطارد السلع الضنينة حيثما توفرت فقد صار الحصول على وزنة سكر غنيمة كبيرة. فإذا الإعلام يجره بعيدا وبطريقة منهجية. حزب النهضة نظم عمليات تسفير مقاتلين إلى سوريا. وللتدقيق فإن زعيم الحزب والشخصية القيادية الثانية فيه مسؤولان بشكل مباشر. ولتكتمل الصورة فإن حزب النهضة ملك شركة طيران تولت نقل المقاتلين حتى أنها كانت تأمرهم بترديد دعاء السفر في كل سفرة. رواية محبوكة بعناية لكن ما غاياتها الحقيقية؟

صدرت الأوامر إلى الجوقة

لم يكن الأمر جديدا علينا في تونس، فقد اعتدنا على عمل جوقة الإعلام الفاسد تشتغل في تناغم أركسترالي كنا نعرف أن لها رأسا يوجهها، لكن بالنظر إلى الخراب الكبير الذي أحدثه الانقلاب في جيوب الناس وفي عقولهم انتظرنا أن تعود أركسترا الإعلام ضد الانقلاب بل توقعنا أن تنقسم إلى فريق معه وفريق ضده، لكن ما راعنا أن العودة الإعلامية اتجهت بأمر واضح وجلي ضد النهضة ودون أي مساس بالانقلاب وآثاره المدمرة.

اختيار الموضوع هذه المرة تجاوز الأكاذيب المحلية من قبيل اغتناء قيادات النهضة وتملكهم لثروات طائلة، لقد سقطت هذه الأكاذيب خلال السنة المنصرمة وقطاع واسع من الجمهور حوّلها إلى نكت. لذلك تم وضع ملف آخر غير موجه إلى الداخل، هو تورط حزب النهضة في فعل إرهابي، وتم توليف ملف التسفير إلى بؤر التوتر.

الذين يتابعون الملف القضائي عبر وسائل الإعلام يستغربون خلق هذا الملف الخاص بالنهضة، فقد أثير الأمر في برلمان 2014-2019، وتم إنشاء لجنة تحقيق برلمانية انتهت إلى تثبيت تهم التسفير على عناصر قيادية من حزب النداء الحاكم وليس حزب النهضة، وقد صدرت أحكام باتة عن القطب القضائي المكلف بملفات الإرهاب وأغلق الملف، وكان إغلاقه تبرئة لحزب النهضة. يثار الملف ثانية ومن نفس النائبة السابقة، دون أي ربط بما تم البت فيه وبصمت منهجي من الإعلام، بما يكشف خطة سياسية غير قضائية ولا أمنية، وهي جر حزب النهضة إلى وضع الدفاع في قضايا ذات خطورة خاصة، تمس بالسمعة السياسية في الخارج، وذلك في تقديرنا ضمن عملية قطع الطريق على عودة سياسية للحزب بعد الانقلاب (مهما طال بقاء الانقلاب).

نعم توجد حياة سياسية بعد الانقلاب

لم نشكّ في ذلك، فالحياة مستمرة وهذه سنن كونية لن يوقفها انقلاب أو ثورة، لكن ماذا بعد الانقلاب؟ نقرأ ما يحاك لحزب النهضة ضمن التخطيط لما بعد الانقلاب. ليس لدينا موعد مضبوط لسقوط الانقلاب، لكن كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تكشف العجز وغياب الحلول الفعالة. قد نمر بمرحلة تأقلم الناس مع ارتفاع الأسعار على أمل تحسن الوضع الاقتصادي، لكن لا شيء يدل على عودة سوق العمل والإنتاج إلى النشاط، بما في ذلك القطاع الفلاحي الذي سيعاني كثيرا من ارتفاع كلفة الوقود، لذلك فإن فترة التعزية والتريث لن تطول، حينها سيُطرح السؤال: من يحكم؟

الساحة السياسية الحزبية ضعيفة وقد أكمل الانقلاب تجريفها دون خلق بدائل حزبية لكن حزب النهضة لم يتفكك. لقد تعرض إلى أزمات وبعضها كان استقالات بالجملة، ولا يزال يعاني أزمة انتقال قيادي ويؤجل مؤتمره، لكن كل المؤشرات تدل على أن عاموده ما زال قائما وأن ما جرى أعراض مؤذية لكنها غير قاتلة (وقد نجا الحزب من مشاكل مماثلة واستمر قويا). لذلك فهو يبرز كعنصر قادر على المشاركة في الحكم بعد الانقلاب، سواء بشكل مباشر وبأسماء قياداته أو بالوقوف وراء شخصيات مستقلة كما فعل في انتخابات 1989 وفي 1981. إنه لا يزال شريكا في سلطة قادمة ولو بعد حين، وهذا هو سبب الحرب عليه الآن.

المعركة تتضح أكثر

كانت هناك حيرة منهجية في فهم من يحارب حزب النهضة ويمنعه من الوجود، وكان أنصار الحزب يشوشون التحليل بالتأكيد على أن الحرب على حزبهم هي حرب على الإسلام يشنها اليسار، وهذه الزاوية للتحليل عطلت الفهم طويلا. لقد وفّر الانقلاب فرصة جيدة لإعادة ترتيب الورق على الطاولة وتغيير زاوية النظر إلى المسار السياسي برمته، وهذا يعيد اليسار إلى حجمه ودوره ويكشف مهمته ويعري المنظومة التي تستعمله ستارا وسلاحا ضد خصم سياسي قوي رغم أخطائه (ثقافيا لدينا يسار تعاويذ لا يقوى حتى على فكرة الإلحاد ويتحمل كلفتها)، وكل جرأته على النهضة وهو يقبض ثمنها من المنظومة.

المعركة قائمة بين منظومة الحكم الفاسدة وبين حزب النهضة، فهو المعارض الوحيد منذ أعلن عن ميلاده سنة 1981، أما البقية فأدوات للاستعمال العابر بما في ذلك النقابة ومشتقاتها.

طبعا يمكننا هنا أن نؤلف كتبا كثيرة وليس فقرات طويلة عن أخطاء حزب النهضة وعن جهله بسياسة البلد، خاصة بعد التفويض الشعبي العام الذي حصل عليه في انتخابات 2011 ولم يستفد منه. لكن كل هذه الأخطاء لم تجعل المنظومة الفاسدة تستهين بالحزب وتتجاوز إلى التعامل معه كما تتعامل مع بقية الحزبيات الصفرية، إنها لا تزال تراه عدوها وقد عطلت مسيرته وترى أنها لم تقض عليه، والانقلاب نفسه لم يزده إلا قوة وتماسكا. وفي هذه المرحلة التي توجب الاستعداد لما بعد الانقلاب وجب تنظيف الطريق من النهضة.

قد يجني المنقلب فائدة من تغييب حزب النهضة قبل الانتخابات التي ينوي تنظيمها، لكن فائدته مؤقتة مثلما هو مؤقت، فما هو إلا وسيلة من ضمن وسائل أخرى تستعملها المنظومة للعبور إلى وضع حكم ليس فيه معارضة قوية. ونجزم بأن ما من سياسي عاقل يؤمن بقدرة المنقلب على البقاء بقوته الذاتية أو بقوة دستوره وبرلمانه.

هل يمكن الوصول إلى وضع سياسي ليس فيه حزب النهضة، لا مشاركا في السلطة ولا معارضا لها ولو من مكان بعيد؟

لم تفقد منظومة الحكم المالية والجهوية هذا الأمل منذ فرض حزب الاتجاه الإسلامي/ النهضة نفسه في المشهد سنة 1981، وقد شنت عليه كل الحروب الممكنة ولا تزال، في المقابل لم يختف الحزب ولم يتفكك وإن ضعف. لذلك فالحرب سجال وما هذه القضايا المصنوعة إلا تعطيلا إضافيا ولو كلفت الحزب بعض الرؤوس. هل يعدل حزب النهضة بوصلته على أن الحرب ليست على الإسلام بل على مكاسب ومنافع مادية مملوكة لأصحابها ولا يريدون قسمتها مع أحد ولو كان كافرا؟

هذه طريق طويلة السير فيها يعني الخروج من الجماعة الدينية إلى الحزب السياسي المدني، إنه عبور نهر الأردن نحو أرض جديدة.. سيظل الحزب يطوف بمخافر الشرطة حتى ينبت من داخله داود، لكن المعجزات ليست قوانين اجتماعية.