قضايا وآراء

قيادات وسياسات وشعوب

1300x600

القياداتُ الجديرةُ بهذا الاسم تقترح على شعوبها سياسات، وتَسوسها بعقل وواقعية تفاؤلية وحيوية وجدانية.. ناشدةً العدل والأمن والتقدم والازدهار، مرتكزة على الحِكْمة ومكارم الأخلاق والإيمان والثوابت الوطنية والقومية.. تعمل بإخلاص ودأب، وتعلي العام على الخاص، وترفع من شأن الانتماء لأمة وهوية وعقيدة وقيم، في معطى تاريخي ـ حضاري، ونطاق جغرافي مصون. 

ومهما كانت قدرات تلك القيادات ومؤهلاتها العلمية وتجاربها الغنية، وطاقاتها العملية، ورفعة شأنها، وعلو مقامها، وما تبذله من جهود.. فإنه لا يمكنها أن تبني أوطاناً وتنهض بمجتمعات وتحمي أرضاً ووحدة شعب وسيادة دولة، إلا بالاعتماد الكلي على شعبها وخُلق أفراده، وكفاءتهم معرفياً وعلمياً وتقنياً وتضحياتهم ومبادراتهم وإبداعهم.. 

فالشعب بأفراده وقيمة الإنسان فيه، هو الغايةُ والوسيلةُ والأداة، ومصدر السلطة والقوة والقدرة، والمنتج والحامي، والرافعة المتينة للنهضة والازدهار، وهو الذي يبني الأوطان ويعطيها مكانة ويحميها بالعلم والمعرفة والإرادة الحرة والتضحية، واحترام الحقوق والحريات والقوانين، وصون كرامة المواطن وتوفير الفرص والإمكانيات والمناخ الملائم للعمل والإنتاج والمبادرات الخلاقة والابتكار والاختراع والإبداع. 

وخير ما تنميه القيادات الواعية المسؤولة والسياسات الرشيدة وتستثمر فيه هو رأس المال البشري، فهو أساس القوة والقدرة والقيمة والطاقة، وكل ما تبذله في هذا المجال هو استثمار مضمون النتائج، يغني الحاضر ويرعى المستقبل ولا يقطع مع الماضي، ويثمر ويعطي غلالاً وفيراً.. شرط المحافظة على الإنسان وقيمته وكرامته وحريته وسلامة وأخلاقه وإعلاء شأن إنسانيته. 

 

الشعب بأفراده وقيمة الإنسان فيه، هو الغايةُ والوسيلةُ والأداة، ومصدر السلطة والقوة والقدرة، والمنتج والحامي، والرافعة المتينة للنهضة والازدهار، وهو الذي يبني الأوطان ويعطيها مكانة ويحميها بالعلم والمعرفة والإرادة الحرة والتضحية، واحترام الحقوق والحريات والقوانين، وصون كرامة المواطن

 



والقيادات التي لا تضع شعوبها وإرادة تلك الشعوب ومصالحها العليا وتطلعاتها وأهدافها، على رأس سياساتها وأولوياتها وخططها واستراتيجياتها وأساساً لكل حساباتها، إنما تدمر ولا تبني، وأول ما تدمره رأس المال البشري، وجوهره الإنسان الذي هو الغاية والوسيلة، وأساس القوة والقدرة والثروة. فحين تتجاوز القياداتُ والسياسات الشعبَ، وتنصِّب نفسَها وصياً عليه أو بديلاً له، تبدأ التلاعب بالمواطنين والمُواطَنة، وبالقوانين والحقوق والحريات والقيم، وتبدأ بإهانة الإنسان القيمة وتستهين به.. وحينَذاك يبدأ هَدُر الرصيد الوطني، ونقض ابناء وتعطيل البُناة، وهَدم أسس العيش ومقومات البقاء.. فهدْر الرأس المال البشري، وتهميش الأفراد الأحرار المُعافين القادرين المنتمين ومواقفهم ومبادراتهم الخلاقة وتضحياتهم وأدوارهم البناءة وإبداعهم.. يعني تدمير كل ذلك. 

وحينها تنعكس أفعال القيادات ومفاعيل السياسات أزماتٍ وضائقاتٍ ومعاناة، وانتهاكاتٍ وانهياراتٍ، وضعفاً وفساداً وإفساداً وانحلالاً اجتماعياً، ودماراً يلحق بالشعب والوطن والسيادة، ويَبدأُ السوسُ ينخر المُجتمع والحُكمَ والدّولة، ويُؤسَّسُ للجهل والتجهيل والتخلف والفقر والقهر والبؤس، ولصراعات وثورات، وتدخل الأوضاع مدار الطامة الكبرى حين تصبح القيادة تَفَرُّداً والسياسة استبداداً، والسياسي القائد الفردُ وطناً، بل مالكاً للوطن بكل مَن فيه وما فيه، فيوجِّه القوة لإخضاع "الرَّعايا" الذين يخشاهم، ولا ينسى أن يذكِّرَهم بأنهم إنما يعيشون في أَملاكِه، ويمُنُّ عليهم بتَرَبُّعَه فوق رقابهم سيداً، وبأنه يجود عليهم ـ من إنتاجهم وثرواتهم وجهودهم المُضْنية المُستَلَبَة منهم ـ بأعطيات، ويفُتُّ للمُجوَّعين منهم فُتاتاً من خيراتهم التي وضع اليد عليها واحتكرها باسم السلطة وبقوة القهر، ليبقوا قطيعاً يثغو ويركض في الرِّكابِ مسبحاً بالحمد ومُثنياً على المانح.. حينذاك لا تبقى للشعب سيادة ولا قوة ولا إرادة، ولا تبقى في الوطن مواطَنة ذات معنى، ولا تبقى للإنسان قيمة أو ما يُسَمَّى حقوقاً وحريات.
 
في هذا المناخ يُلغى دور الشعب الباني الحامي، ويضعُف بإلغاء دوره وإضاعفه الوطن، وينكشف أطماعاً ومكاسب وعورات للطامعين العُداة والأعداء الغزاة.. فتلوذ القيادات بحمايات من المخاطر الداخلية والخارجية، تبيع وتشتري لتحقق أمناً لها وسنداً لسلطتها وضماناً لبقائها.. وتظن أنها فازت بينما تكون قد أَلْقَمَت نفسها للحوت الأرق، ودخلت زمن التلاشي.. فقيادة بلا إرادة شعب وقوته وتضحياته ليست أكثر من هالة أو فقاعة في مهب الريح، لا تستطيع أن تخوض معركة بل تخسر نفسها والمعارك والحروب وأشكال الوجود.. لأن الشعب هو الأرض والدرع والتاريخ والقوة القدرة والمنعة، هو الباني والحامي والباقي، وعندما يُهمَّش دوره وتُضعَف إرادته ويُلغى أو يكاد، لا يجد القائد والسياسي جيشاً يخوض به معارك الكرامة والوجود.
 
هذا ما تفعله قيادات وسياسات قَصَيرة النظر، يسحرها بالغرور، ويُزىَّن لها وتُزيِّن لنفسها التَّفَرُّد.. فتضيق نظرتها، وتتقزم أهدافها.. فتنهك شعوبها، وتقتل إنسانها، وتدمر أوطانها، وتحفر قبورها وقبور مواطنيها بأيديها. وهذا النمط من الممارسات والسياسات لقيادات موجود في مختلف الأزمنة والقارات والأمكنة، وتعج به صفحات التاريخ، إلا أن كثيرين من البشر لا يتعظون به، وهناك من يدخلون بشعوبهم وأنفسهم النفق المظلم ذاته.. 

 

قيادة بلا إرادة شعب وقوته وتضحياته ليست أكثر من هالة أو فقاعة في مهب الريح، لا تستطيع أن تخوض معركة بل تخسر نفسها والمعارك والحروب وأشكال الوجود.. لأن الشعب هو الأرض والدرع والتاريخ والقوة القدرة والمنعة، هو الباني والحامي والباقي، وعندما يُهمَّش دوره وتُضعَف إرادته ويُلغى أو يكاد، لا يجد القائد والسياسي جيشاً يخوض به معارك الكرامة والوجود.

 



لكن هناك مَن يجدِّدون بحمق لا بحق، ويتبعون أساليب أخرى مدهشة، ويصلون إلى النتائج مؤسية مع اختلافات تعطي لكل مغامرة أو سردية نكهة خاصة. وفي تاريخنا وفي وطننا العربي الكبير نجد من هذا الكثير، لكننا نجد فرادة في الشطارة والتملص من إهدار قوة الشعب وطاقاته ودوره، وإضعاف أفراده وإبقائهم على شفا الهلاك وحافة الهاوية، يزحفون على رموش جفونهم حباً بالحياة وتعلُّقاً بها، ويأملون خيراً بعد كل مرحلة زحف، وفي نهاية المطاف يقعون في الحفرة من دون أن يحصلوا على كفن. 

ـ 2 ـ 

هذا نوع من أنواع الإنهاك والانتهاك والهدر لطاقة الشعب وقدرات أفراده، يؤدي إلى تهميشه، وتعطيل فاعليته، وإلغاء دوره وإرادته، وإبطال مفاعيل أفراده ومبادراتهم وإبداعهم.. وفي هذا النوع من الأداء القيادي ـ السيادي تستثمر قيادات وتَعتمدُ سياسات وتجني ثمرات، وتُحمِّل المسؤوليات عن ذلك ونتائج الفعل وكوارثه للشعب، ولجهات في الداخل الخارج، وتخرج من ذلك كله مغسولة بالثَّلْج والبَرَدْ.. لكن يبقى للتاريخ حكمه وللناس أحكام، وعند الله سبحانه وتعالى يلتقي المتخاصمون.
    
وهذا النوع الذي أشير إليه منتشر في معظم البلدان، لكن في كل بلد له خصوصية وطعم ونكهة. ولبلداننا العربية منه نصيب وافر، ففي الكثير منها يبدأ إنهاك الشعب وإضعاف دوره وتهميشه، وصولاً إلى إلغاء دوره، باستهلاك الإنسان حسب روتين حياة يومي، ومنه الرُّوتين الإداري المتبَع في وزارات وإدارات ومؤسسات، وما يجود به القائمون عليه والمتعلقون به من إضافات واشتراطات وورقيات، بحذلقات منهم وعنعنات تزيده عقبات ومُرهِقات.. وهو كفيل بأن يُعجز المراجعين والمراجعات، ويضيِّع على الناس والموظفين والمسؤولين وقتهم وجهدهم وفطنتهم.. 

كأنما كتب عليهم في اتباع لهذا النهج " المقدس؟!" ألَّا هداية ولا عناية ولا رحمة، ولا تغيير نحو الأفضل يتماشى مع الحاجات والضرورات والمستجدات، يستفيد من تطور التقنيات وعصر المعلومات. في هذا المجال: " طاقات بشرية هائلة، وزمن مديد ذو قيمة، ومال كثير رغم قلة المال.."، كل ذلك يُهدَر ويكلف الدولة نفقات إهدار، ويضاف إلى ذلك تلَف أعصاب، وتعذيب وعذاب، وإذلال للناس يلغي مَنْ وما يلغي منهم وفيهم.. إذ تراهم وقوفاً في صفوف طويلة تطول، من أجل الحصول على الحاجات وأبسط الخدمات وضروريات الحياة، من رغيف الخبز إلى الاستحقاقات ودفع المستحقات ومتابعة المعاملات.. حيث يقضي المواطنون القادرون على العمل والإنتاج، المسؤلون عن اقتصاد بلد وخدماته وتنميته، وعن أسر ومستقبل أبناء وأجيال، يقضون عدَّةَ ساعات من يومهم في انتظار مُذل، مع انقطاع الكهرباء، والماء، والغاز، والاتصالات و.. و.. وكأنهم نُذروا لذلك وحده وليس لهم من هدف في الحياة ولا غاية إلا القيام بهذه " المَهام الجِسام؟". 

 

إذا نظرت إلى شعب بائس في هذا الحال، ووطن مفلس في هذا الوضع، وسياسات وممارسات عقيمة، من هذه الزاوية اليومية، "مادياً وواقعاً"، فإنك تقف على حالة هي العجب العجاب في الإمعان بالإفقار والإذلال والتعسير والتعثير، بلا أسباب تستدعي ذلك ولا مُسَوِّغات حاكمة متحكِّمة.

 



ويزيد من أعبائهم تلك أعباء الوصول إلى المواقع والأمكنة والمراجع في ظل عجز المواصلات وانقطاعها بسبب تقاطع مصالح ذوي المقامات. وتتكرر هذ الأمور وتزداد قسوة وسوءً يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة، من دون انفراج أو أمل بانفراج. ويكلل هذا الوضع بفقر وقهر وبؤس ينتج عنها انحطاط وانحلال وسوء تعامل ومآل في العلاقات، واضطرار الناس إلى اللجوء للوساطات وتقديم الرشاوى والأتاوات للفاسدين والفاسدات، من أجل الوصول إلى حقوق وخدمات يكفلها الدستور وتنص عليها القوانين ويحض عليها الدين، وهي من أبسط ما يترتب على الدولة تقديمه وتسهيل الحصول عليه للمواطن دافع الضرائب، والمضحي من أجل الوطن.
 
هكذا تُهدَر طاقات الإنسان ويساء إليه.. بانتظار ممل، وتعامل مُذل، ومتابعات ومراجعات، يُهان ويغرق في دوامة عقيمة يمكن الخلاص منها بإنجازات تقنية حديثة، من خلال تواصل المواطنين مع الموظفين والمسؤولين في المواقع الرسمية للوزارات والمؤسسات والإدارات عبر وسائل الاتصال الألكترونية ـ الرقمية الحديثة بأنواعها، ويتم ذلك ببساطة واحترام، مع حفظ الوقت والطاقة والكرامة، وتوفير الجهد والعبء والتكاليف على الدولة وعلى المواطن.. والتخلص من إنهاك الموظفين والمسؤولين للمراجعين، والمراجعين للموظفين والمسؤولين، ويتم لجم الفاسدين والمفسدين والمستزلمين والمدعين الفاشلين الذين يُذلون المواطنين ويعقِّدون أمورهم بهدف الابتزاز والحصول على الرشوة، من دون أن يلقوا مَن يضع لهم حداً، لأن المناخ العام الذي يشيعونه ووجود من يحميهم أقوى ممن عليه أن يسألهم ويحاسبهم ويردعهم ويصلحهم. 

فإذا نظرت إلى شعب بائس في هذا الحال، ووطن مفلس في هذا الوضع، وسياسات وممارسات عقيمة، من هذه الزاوية اليومية، "مادياً وواقعاً"، فإنك تقف على حالة هي العجب العجاب في الإمعان بالإفقار والإذلال والتعسير والتعثير، بلا أسباب تستدعي ذلك ولا مُسَوِّغات حاكمة متحكِّمة. ومعنى هذا أن معظم وقت الإنسان وطاقته الإنتاجية وقدرته الحيوية قد استُنفدَت، وأن مقاومته ورغبته في الإنتاج والإنجاز قد تهرَّأت، وحالته النفسية ساءت، وقابليته للعمل والتفكير والتدبير، ولا نقول للإبداع والاختراع، تدنت إلى ما دون الصفر، ودخل في الإحباط العام أو الاكتئاب التام. 

وحين يسود مثل هذا الوضع، ويتكرر يومياً ويصبح عادياً، وينسد الأفق ولا يلوح انفراج، ويستمر سوء التنظيم والتسيير والتدبير والتقدير، ورفض الإصلاح والتغيير أو العجز عن إدراك أهمية ذلك وضرورته وسرعة القيام به، لما يعود بنفع خاص وعام، فإن الخراب يدبُّ في الأنفس وفي الأخلاق والعلاقات الاجتماعية والوظيفية والإدارية، ولا يأمن المرء على حاجاته وأسرته وبيته وملكه وذاته في وطنه، بَلْهَ حقوقه وحرياته.. الأمر الذي يجعل من المواطن سلعة مهانة، تُذل كرامته، ويهدَر وقته، وتستنفد طاقته، ويفقد ماله، ويضيق كل الضيق بحياته، هكذا يلغى دور الفرد/ المواطن، ويشارك هو في إلغاء دوره وإرادته بطريقة ما.. ومن ثم يلغى الشعب الذي هو مجموع المواطنين، ويشارك في إلغاء دوره وإرادته.. لكنه يبقى تحت الأَنْيارِ والكُدُنِ، يَجُرُّ المَحاريث ويَشقى ويقدم الغلال للمستثمرين الكبار، ويزداد فقراً وتخلفاً وجهلاً وتجهيلاً وبؤساً ومعاناة، ويزحفُ ويلهث ويجوع ويَعرى، ويحتاج إلى من يساعده.. يشكو، لكن لا يوجد مَن يساعد، فدولة هذا حال شعبها وإنتاجها ودخلها ودخلها الوطني والقومي، وأوضاع مواطنيها، وحال الإنتاج فيها.. 

من أين يأتيها المال والتمويل لتساعد، ومن أين تأتيها القدرة والقوة والكفاية لتؤمن الاكتفاء الذاتي وتتحمل أعباءً وتقدم خدماتٍ، وكيف تواجه تحدياتٍ وتنهض بوطن وشعب؟! 

إنها في مثل هذه الأوضاع تبدو شبه فاشلة، ليس لها قدرة على المساعدة، بل تحتاج إلى مَن يساعدها، تقوم من أزمة لتقع في أزمات، ويستعصي عليها حل المشكلات، ولا تجد مخارج من ضائقاتها، وتعجز عن الحل والعقد، وينعكس ذلك إشقاء لمواطنيها بل كوارث على الوطن والشعب، وتدخل في دوامة الشكوى والدعاء والادعاء، ويقدم ساستها وقادتها ذرائع لا تقنع ولا ترضي ولا يرضى عنها مقدموها ومروجوها، ويهرب قادتها إلى الأمام بمكابرة تجعل الإنسان يكره الحياة ذاتها.