مقالات مختارة

الأردن… الإصلاح بمنهجية قديمة

1300x600

مجددا من الصعب توقع نتائج مختلفة في المشهد السياسي والوطني الأردني عند استخدام نفس الأدوات القديمة. ومن الأصعب بناء فرضيات بعنوان التفاؤل والتحسين عندما يصبح الخيار اليتيم في المناولة هو حصريا انتشال المقترحات والأفكار من العلبة القديمة.


لا أعرف إطلاقا سببا من أي نوع يدفع الدولة للتشكيك بمن يقول ذلك. لا بل أعرف حزمة من الأسباب التي ينبغي أن تدفع الدولة لإظهار الاحترام والتقدير لمن يحذر من توقع نتائج مختلفة في حال الاستمرار في اللعب سياسيا، والعمل وفقا للمنهجيات القديمة وبنفس الوجوه والأدوات.


لا يعيب أحدا إطلاقا التفكير ولو قليلا في جزئية الإصلاح السياسي والإداري تحديدا خارج العلبة والصندوق، فالديمقراطية يصنعها الديمقراطيون والإصلاح يؤسس له الإصلاحيون، ومن الظلم والتعسف إجبار شخصيات محافظة جدا بطبيعتها وتكوينها أو لا تؤمن بالديمقراطية أصلا ولم تمارسها على التداخل والاشتباك في حوار ما يهدف لإنجاز وصفة ديمقراطية أو صفقة إصلاحية.


هذا ظلم كبير يحرم أولا عملية الإصلاح من نتائج حوارات غير مقمشة ومفصلة، كما يحرم العباد والبلاد بنفس الوقت من المنتج الذي يمكن أن يقدمه للوطن محافظون أو كلاسيكيون نقر مسبقا بفضلهم.
على المداعبة الإصلاحية هنا أن تتوقف وفي أسرع وقت ممكن وتحصين الأجنحة والتيارات المتحفظة من نتائج الإصلاح وتداعياته قد يتطلب فعلا الإجابة على سؤال يتجنبه الجميع في عمان اليوم: من يقود عملية الإصلاح؟


طرح الزميل الديناميكي في قناة رؤيا محمد الخالدي هذا السؤال كعنوان عريض في حلقة حوارية. لماذا نفترض أن عملية الإصلاح أو الحوار تحتاج لمن يقودها أصلا؟


لا يحتاج الإصلاح إلى قيادات من أي صنف تمثل أي لون بل يحتاج إلى شخصيات موثوقة غير منحازة سابقا ضد الديمقراطية والإصلاح تدير حوارا يخرج بنتائج معقولة ومتزنة.


سبق أن علقنا كأردنيين لسنوات طويلة في التجاذب أو التنافس أو الصراع على من يقود ماذا وأين؟

قصة التراجع عند الأردنيين ليست سياسية فقط ولا علاقة لها بقانون الانتخاب حصريا بل إدارية وبيروقراطية أيضا


لا مبرر للبحث عن قيادة للإصلاح، فالتوجيه الملكي هنا هو القائد، والوثائق المرجعية موجودة بالجملة في متحف يعلوه الغبار، وما يحتاجه الأمر فقط إرادة سياسية تؤمن فعلا بأن الإصلاح ضرورة وكلفته ليس صحيحا أنها أكبر من عكسه.


ما نحتاجه تجاوز حالة حوار الطرشان ووضع آليات وميكانيزمات لإجراءات على الأرض يمكن أن تكون راشدة ومنطقية وحتى متدرجة لتفعيل توصيات الحوار الخاص بالإصلاح.


لن نخترع الصاروخ والذرة هنا، والقصة تبدأ بحوار يؤسس لوصفة تنتهي بصفقة إصلاحية، الطرف الأهم فيها الدولة، والطرف الثاني قوى المجتمع مع إجراءات على الأرض وتوافقات وطنية على أساس الشراكة وفي ظل إرادة وغطاء سياسي ليس أكثر ولا أقل.


لا توجد إبتكارات ولا اختراعات، وكل ما هو مطلوب منا أن نجلس معا بنوايا طيبة لوضع برتوكول تنفيذي دون الحاجة لا للاستعراض مجددا في الحديث فقط عن إصلاح لفظي، ودون الحاجة للمزاودة على بعضنا البعض، فيما الحاجة ضرورية لخطوات عملية بعد حالة عصف ذهني قائمة على الإيمان المطلق بأن التخندق والتموقع وراء مكاسب أو مخاسر الماضي لا يمثل بداية الطريق الصحيحة.


لذلك نفترض بأن السؤال عمن يقود الإصلاح أقرب الى خطأ بصري. والأصل أن نسأل فقط عن من يدير الحوار الإصلاحي دون الغرق في تعقيدات الحق المنقوص وشقيقه المكتسب، وبعد تحديد احتياجات المنظومة الأمنية وبوضوح وصراحة التي يمكن تلبيتها طبعا عبر لافتة دولة المؤسسات والقانون، ودون الحاجة لتسمية تلك الدولة بأي إسم حيث الاحتكام فقط للدستور دون زيادة أو نقصان أو تفلسف.


أشعر برغبة شديدة في الاعتراض على أسئلة ديكورية وعلى البقاء في الحالة التي دفعنا جميعا ثمنها في الماضي حيث لجنة تلو الأخرى ووثيقة تلعن سابقتها وحوارات لا معنى لها مع مناسف أو بدونها وحيث تنميط مسبق للحوار وإدارته من قبل من لا يؤمنون به أصلا في أحد أبرز الأخطاء البصرية التي أدت إلى تراجع كبير في خدمات القطاع العام وحتى في الإدارة.


أحد المسؤولين الكبار في الدولة استخدم في حوار معي مفردة «عفن» وهو يتحدث عن تكلس مفاصل خدمات القطاع العام. تلك كلمة قاسية وتصبح غليظة عندما تصدر عن مسؤول في الحكومة اكتشف بذاته أن جزئية واحدة مثل نظام المشتريات تحتاج لوقت طويل جدا ومضجر بسبب سلسلة نصوص لا متناهية واردة في ثمانية قوانين وتشريعات، مع أن لائحة قانونية واحدة تكفي لتنظيم نظام المشتريات.


يثبت ذلك أن قصة التراجع عند الأردنيين ليست سياسية فقط ولا علاقة لها بقانون الانتخاب حصريا بل إدارية وبيروقراطية أيضا، حيث أن المؤسسات السيادية على عظم دورها وشأنها لن تستطيع دوما تعبئة كل الفراغات ولا تملك العصا السحرية لمعالجة كل المشكلات.

 

(عن صحيفة القدس العربي اللندنية)